الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 299الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

صورة

شارع طويل عريض ، وقد تجمع الناس فيه مئات ومئات حتى غطوا أرضه . وعلى كثرة هذا الخلق لا تكاد تسمع من بيهم همساً . وتنظر إلى وجوههم ، فتجدها  كلها شاخصة إلى شيء واحد ، معلق في الفضاء ، يخشون عليه حتى من أصواتهم أن تزعجه فيحم به القضاء .

إنه رجل نائم بين السماء والأرض . نائم على عتبة نافذة قد ارتفعت عشرين من متراً أو يزيد ، والنافذة في جدار هو كل ما بقى من منزل عظيم أصابته فحطمته جائحة هما يحتاج المنازل في هذه الحروب

ولم يكن الشاب ذو الثمانية عشرة نائماً كما ينام الرجال في أفرشهم . لقد كان فاقد الشعور من الصدمة . وكان منشوراً على قاعدة الشباك كما تنشر الثياب على حبالها لتجف . وهو سيستيقظ لا شك قريباً . فماذا يجد ؟ يجد الهاوية تحت رأسه ، والهاوية عند رجليه . لهذا حبس القوم أنفاسهم حتى لا تكون يقظة على انزعاج . طال انتظارهم ، ووترت أعصابهم ، وجمدت وجوههم ، حتى كأن الطير فوق رؤوسهم .

وأخيراً يتحرك الجسم الجامد عند النافذة ، فتزيد لتحركه اجسام الناس في الأسفل البعيد جموداً ، وتزيد أنفاسهم انحباساً . إنه سينقلب فيسقط ! إنه سبق كما  يقوم الناس عن أسرتهم فلا تنال قدماء غير الهواء . أيصيح القوم فينبهونه ؟! ولكنها قد تكون تنبيهة ينفر بها إلي حتفه ؛ أم هم يهمسون له فيستيقظ كما يستيقظ الطفل ، فيفتح عينيه وثيدتين ضاحكتين في فراشه الدافي ؟ ! ولكن لا ! فخير من الهمس السكون العميق .

ويشاء القدر أن يفتح النائم عينيه ولا يتقلب كما يفتحهما الطفل الحالم . ويشاء القدر أن يريه الناس "صغيرة كالنمل  من بين هابط الثراب ، وصاعد الدخان ، وعندئذ يتبين  موقفه بين الحياة والموت .

ومد رجليه إلي أسفل ما استطاع مدهما ، فعلم أن أرض الغرفة قد طارت . ولكنه رأي على ظاهر الجدار حرفاً من الأسمنت قد يحمل جسمه . ثم إذا به علي الحرف قد وقف ، والناس من دونه يصمتون ويرجمون .

ويسير على الحرف بقدميه ممسكاً بحرف آخر عند رأسه بيديه ، حتى يصل إلى نافذة أخري . وينظر داخل النافذة فيجد أرض هذه الحجرة بقيت بقية منها . فعلى هذه البقية هبط .

قال عند ما نزل إلي الناس : " لقد أعطتني تلك البقية الباقية من أرض الحجرة أول أمل فانبطحت عليها ، ومنها زحفت حتى بلغت باباً بينه وبين ما مست بطني هاوية ، ولكني ملته متمدداً . ومن الباب نططت فوق معاير من الفراغ سحيقة ، حتى شاء الله ان أبلغ بئر السلم الحطيم "

ليت شعري ما الذي أوقفني عند هذه القصة وأنا  أقرأ ، بينما أنا أجوز كثيراً من الحوادث يفنى فيها الألوف . لعله مرأي الموت ، يهجم ثم يحجم

حادث

وحادثة أخري لسيدة ، هجم فيها الموت فما اجحم .

دخلت الحمام تطلب غسل الوضر الذي هو لا بد مصيب أجسامنا ، برضانا وعلى رغمنا ، رقت هذه الأجسام أو غلظت ، وخشفت بالعمل الشاق على قارعة الطريق أو تعممت بالنعمة والراحة على الحرير بداخل القصور

ودخلت الحمام تطلب كذلك استيراداً من حر ، فقد كانت الليلة صائفة ، اتحبس نسيمها ، وتشبع بالرطوبة اللزجة جوها

وانطفأ النور فجأة وهي تحت الرشاش البارد المنعش فمدت يدها تتحسس مفتاح الكهرباء ، تحسب أن النور انقطع بانزياحه . فمست يدها في الظلام سلكاً عارياً ، فإذا بالسيدة المسكينة تسقط كتلة هامدة لا حياة فيها .

لقد صعقت ، صعقها فأماتها تيار الكهرباء ، فقد كان السلك الذي مسته حيا

سمعت هذا فاسفت ، لأن جهلا بحقيقة بسيطة عن الكهرباء أودى بحياة سيدة امتدت سبل العيش أمامها عريضة مديدة

قطعة من رصاص

إن الحياة الحديثة وسيلتها الكهرباء . وهي وسيلتها  في مصر إلي الإضاءة ، فقل أن يخلو منها منزل ذو اعتبار حي مع الفقر المعتدل رأيتها تدخل وتأتلف به ، وتخفف من ثقله ، لرخصها . وقد أصبحت الكهرباء في كل بيت بكل بلد متمدين ضرورة كضرورة الماء ، مصادره ومجاريه . ومع هذا ارى العلم بها قليلا قلة مخطرة فالكهرباء لأكثر رجالنا ، ولكل سيداتنا ، شئ يلفه  الظلام ، طبقاً فوق طبق ، إذا أرسلت أشعة الفكر فيه تكسرت قبل أن تجوز بواديه ، فكيف بالوصول إلى خوافيه .

وأجهل الناس بالكهرباء الأدباء ، أدباء مصر ، ولست أدري لماذا !

كنا نأتنس بجمهرة منهم في حجرة ، فانطأ نورها واحترقت أسلاكه احترافا . فما كان امتع أن يستمع المرء إلي الجدل الذي ثار حول السبب في احتراق الاسلاك ، وفي وسائل تجنبه من بعد ذلك . وعلل معلل سبب هذا الاحتراق ، فذكر السبب الوحيد الذي لا سبباً ظاهراً سواء ، فلم يقتنع القوم ، وادوا ارتيابا في ضيق صدر صاح صائحهم : هاتوا لنا خبيراً .

هؤلاء المتأدبون ، الذين درسوا مليير وشكسبير والحريري ، لم يدرسوا أن في الدورة الكهربائية ، في كل

بيت ، قطعة من الرصاص ، تسيح ، فتنقطع ، فينقطع بها التيار ، إذا هو زادت قوته عن قوة معلومة . وأن هذه القوة تزيد عن حدها المعلوم إذا مست أسلاك الدورة ، خطأ ، بعضها بعضاً ؛ فهذه الرصاصة ، هذا السلك القصير من الرصاص ، هو صمام الأمن . وقد اختير من الرصاص ، وبسمك خاص ، ليسيح سريعاً ، ولكن الناس ، إذا ساح هذا ، لم يجدوا في منازلهم مدخراً منه . فماذا يصنعون ؟ يقعون على أي سلك لديهم ، ويكون على الأغلب من النحاس ، وبأي سمك يتفق ، ويضعونه مكان الصمام المحروق ، ثم يسألون الله من بعد ذلك السلامة

كيف صعقت :

على أن هذا القدر من علم الكهرباء ، قد يعرفه الكثير من الناس ، والقليل من الأدباء ، غير من لقيت في تلك الليلة ، ولكن الذي أشك أن يعرفه الكثير ، وان يعلله الجمهور ، هو كيف انصعقت تلك السيدة المسكينة في حمامها ؟ !

إن الذنب في هذا يرجع إلي تيار الكهرباء ، بمقدار ما يرجع إلي ما كان غطي جسمعها القاني من الماء .

هزة الكهرباء

إن الرجل منا كثيراً ما يمس إصبعه سلكا حياً عاريًا ، فتناله هزة شديدة تحصل من سريان التيار في جسمه إلي الأرض ؛ وهي هزة تزيد أو تنقص ، تبعاً لزيادة ضغط التيار ونقصه ؛ والضغط هو الذي نعبر عنه بالفولت . وهو في بعض بقاع مصر مائة ؛ وهو في بقاع اخري مائتان ؛ فالذي تناله هزة في ضاحية المعادي يحس بها أشد من هزة تناله في قصر الدوبارة وهي هزة لم تقتل . بل على النقيض هي من النكبات التي يجفل المرء منها نازلة ، ثم يحمدها بعد فواتها . فبعد هزة كهذه يحس أكثر الناس في أجسامهم انتعاشاً ، ولا غرابة ؛ فقد كانت الكهرباء إلي عهد غير بعيد يستخدم تيارها مباشرة في إنعاش الأجسام

بل في تصحيح أمراضها . وكان يدار علي الناس في الشوارع بصندوق يخرج منه مقبضان يقبض عليهما طالب الانتعاش بعد دفع قرش . فيلف صاحب الصندوق يدأ تخرج الكهرباء إلي جسم صاحب القرش ، حتى يقول اغيثوني وعندها بري بالمقبضين . لقد دفع ما دعم ليتألم ، ولكنه ألم لذيذ ، بماوده من بعد تذوقه المرة بعد المرة

فالهزة الكهربائية كالتي نصف لا تقتل . وكيف تقتل ، ونحن نري الكهربائي يغشى منازلنا ، فيريد أن يعرف هل في الدورة تيار يجري ، فيضع إبهامه على احد طرفيها ، وسبابته على طرفها الآخر ، فيحس التيار فيها ، ثم هو لا ينزعج كثيراً .

وهو لا ينزعج ، لأن التيار يجري من الإبهام إلي السبابة ، وفي طريقه الجلد ، والجلد ليس بكثير التوصيل للكهرباء .

وكلما زاد جلدك صفاقة قل توصيله للكهرباء . لهذا لا أنصح السيدات أن تقلد صاحبنا الكهربائي الذي تصفق جلد يدء بالعمل فصار أشبه بجلد النعال . وستحسين بالتيار يا سيدتى أشد إن كانت يدك من تلك الأيدي الرخاص الناعمة ، التي لم تعرف غير مسكة المشط ، ولمس الدهون والعطور .

إن هذا التيار يجري بين الإصبع والإبهام ، فلا يقتل فليس بين الإصبع والإبهام عضو ذو بال .

ومن شرط هذا أن يكون الإصبع والإبهام في يد واحدة . فما بال الحال لو كان هذا في يد وهذا في أخري ؟ يكون الحال غير الحال . فالتيار عندئذ يمر بالصدر في جريانه . يمر بالقلب . وفي هذا الخطر كل الخطر .

ومن لطيف ما يذكر أن التيار يجري بين اليد واليد فيقتل ، ولكنه يجري بين القدم والقدم فلا يقتل . ذلك أن المجري في هذه الحالة لا يقع فيه قلب أو رأس . ولكنه قد يحرق الرجلين فيغادرهما سليخين .

الجلد البليل

ولقد فرضنا في كل هذه الحالات أن الجلد جاف لا بلل  فيه . فماذا يكون الحال إذا ابتل ؟ يكون أسرع توصيلا للتيار ، فتكون الكهرباء أسرع وصولاً للدم . والدم موصل جيد لها . فإذا وقف المرأ من بعد ذلك على أرض بليلة زاد هذا انتشار التيار في جسمه ، فوصولا إلى الأرض فانتشاراً فيها .

بهذا ماتت السيدة المسكينة . فلقد جري التيار في جسمها المبتل كله ، فجري فيه كله ، وجري غمراً . ووقفت في الماء ، فجري التيار مع الماء حيث جري في الحمام ومجارية.

كيف يقتل التيار

وعندئذ يتساءل المرء : كيف يقتل التيار ؟ أبالحرق ؟

والجواب أن التيار يحدث حرارة . وهذه لا تقتل إلا إذا زادت فاحترق الجسم بها . ولكن التيار الذي يجري في القلب ، التيار الذي يقتل ، إنما يقتل بفعله في العضلات .

إنك إذا أمررت تياراً في عضلة انقبضت هذه العضلة نسواً فان كان تياراً ذا اتجاه واحد ، كذلك الذي تستمده من بطاربة كبطارية سيارة ، فان العضلة تنبسط من بعد انقباضها ، ولا تحس بعد ذلك من أثر لمرور الكهرباء إلا دفئاً قد يكون مريحاً لطيفاً . ولكنك إذا قطعت التيار ، ثم وصلته ، ثم قطعته ، وعلي جراً ، أخذت المعضلة في الأنبساط والتنقيض ، فالانبساط والنقيض ، وهلم جرا .

وتيار الكهرباء بأغلب المنازل تيار متقطع ، بغير وجهته عدداً معلوماً من المرات في الثانية الواحدة . فاذا مر هذا التيار ، ومر فى عضلات القلب ، تقبضت  وانبسطت إن أسعفها الوقت ، ولكن في غير توافق . أو في توافق لا يرضاه الجسم ، والقلب مضخة الجسم التي تدفع فيه الدم بالحياة . وما حال مضخة عملت أجزاؤها في غير المعهود من توافقها ؟! إنها تقف عن

ان تضخ ، وكذلك يقف القلب ، فينقطع خيط الحياة .

وخيط هذه الحياة قد ينقطع بهذه الصورة في الفأر والأرنب ، مع يعود فيتصل بعد ثوان . إلا خيط الإنسان ، فإنه إن انقطع ندر أن يعود . إلا إذا صحت الأخبار التي جاءتنا هذا الأسبوع ، بأن العالم الروسي الشهير "ياقلوف" قد أحيا نفراً من الجند بعد وفاتهم وفاتهم بست دقائق فوات تلك الحدود التي لا يعود مجاورها .

حذار من العرق

ولا يكون البلل في الحمام وحده ، فهو يكون بالعمل فالاحترار فالعرق. وفي أيام الصيف هذه بالقاهرة يكون حتى بالخلود إلي السكون .

ولقد حسبوا مقاومة الكهرباء في جلد الفأر ، فوجدوها بضعة ألوف من الوحدات في السنتيمتر المربع الواحد . ولكنه إذا تبلل ، هبطت المقاومة إلى دون الألف وحدة

ومن حسن حظ الفأر ، بل والحيوانات أنه وأنها لا تعرق ؛ ولكن يعرق الإنسان والحصان .

ابن عباس أيضاً

كان على علمه بالدين والحديث واللغة ، وعلى مهابته ، خفيفاً ظريفاً . حدثوا عنه قالوا :

كان رجل من قريش يرمى بشرب الخمر ، فقال له أبو بكر ابن عياش بداعية : زعموا أن نبيا ، قد بعثه الله يحمل الخمر

قال القرشي : إذاً لا أومن به ، حتى يبري الأكمه والأبرص . وكان ابن عياش به برص .

وحدث أبو هشام الدلال قال :

رأيت أبا بكر بن عياش مهموماً ؛ فقلت له مالي أراك مهموما ؟ فقال . سيف كسري لا أدري إلي من صار .

فعلمت من هذا أنه لا يريد أن يبوح بهمه .

اشترك في نشرتنا البريدية