الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 384 الرجوع إلى "الثقافة"

بين النقاد والكتاب

Share

ضايق النقاد الكاتب الروسي الكبير إيفان ترجنيف واشتدوا عليه ورموه بأنه لا يعرف روح عصره ، ولا يحسن تصويره ، وكان الرجل فنانا شاعرا لا يجيد صناعة الجدل ، ولا يحسن فن المهاترة ، فرأي أن يهدي إلي النقاد طرفة من شعره المنشور عنوانها " السخيف" وفيها يقول : - كان يعيش أحد السخفاء .

وقضي ردحا من الزمن آمن السرب ، هاديء البال راضيا قانما ، ولكن ذاع عنه في الآفاق شيئا فشيئا أنه عامى الذهن فسل الرأي .

فحز ذلك في نفسه وأحفظه وأهمه ، وفأخذ يشحذ ذهنه الكليل ويكد فكره ليهتدي إلي حيلة تنقذه من هذه السمعة ، وتبطل تلك المقالة .

وأخيرا أومضت في ذهنه الخالي الضئيل فكرة ... وبدون أدني تردد أخذ في تنفيذها .

لقيه أحد أصدقائه في الطريق وبدأ يثنى علي مصور معروف .

فصاح به السخيف : أؤكدلك أن هذا المصور قد أصبح من الطراز العتيق الذي مضي أوانه ، وأنا أعجب كيف نجهل ذلك ؟ ومثل هذا لا ينتظر منك . . أنت يا صاحبي متأخر ...

فأخاف ذلك الصديق فسارع إلي مشابه السخيف على رأيه .

وقال له صديق آخر : لقد قرأت بالأمس كتابا بارعا ! فقال له السخيف : أنا أعجب لك ، هذا الكتاب لا قيمة له على الإطلاق ، وصدقني أن كل ما فيه أشياء مبتذلة قد لاكتها الألسن ، ومجتها الأسماع ... ولست أدري كيف غاب عنك ذلك ؟ . أنت متخلف عن العصر .

وأفزع ذلك الصديق فبادر إلى موافقة السخيف والأخذ برأيه .

وقال له صديق ثالث : لله صديقنا ( ن . ن ) ما أنبل أخلاقه ! لقد آمنت بأن في الدنيا رجالا كرام النفوس ! فصاح ، السخيف : إنه وغد زنيم يخدع الناس ويقرر بهم ، وقد عرف الناس جميعا عنه ذلك . . . أنت يا صاحبي متأخر جدا ... ! فهال ذلك الصديق ، وأقر السخيف على رأيه ، وهجر صديقه .

واتخذ السخيف هذا المذهب ولم ينحرف عنه ، فكان كلما ذكر في حضرته ثناء على أحد أو علي أي شئ من الأشياء اندرأ عليه بالإنتقاص والزراية والتحقير .

وفي بعض الأوقات كان يضيف إلي ذلك قوله لحدثه : ألا تزال تؤمن بهؤلاء الذين يسمونهم العارفين الثقات ؟ وأخذ أصدقاء السخيف يقولون عنه : إنه حقود شتام ولكنه مشتعل الذكاء لامع التفكير !

وكان غيرهم من الناس يقولون : ما أحد مقوله الصارم ! وكان يضيف البعض إلي ذلك قوله : لا جدال في أنه نابغة !

وانتهي الأمر بأن أحد أصحاب المجلات اقترح على السخيف أن يتولى كتابة العمود الخاص بنقد الكتب   وأخذ السخيف يصول ويجول ناقدا كل شئ ، محقرا كل إنسان ، دون أن يغير اسلوبه ولهجته ، أو يطأمن عنفه وشدته .

وأصبح هذا الذي كان يفخر بازدراء المراجع والاعتماد على أقوال الثقات إماما يؤتم به ويستضاء برأيه ، وصار الشبان يعبدونه ويخافونه .

وماذا يستطيع أن يصنع هؤلاء الشبان الصغار ! كانت القاعدة العامة عدم توقير أي إنسان ، ولكن الذي يقصر في احترامه وتوقيره سيغدو متخلفا عن العصر

وللسخفاء مرتع خصب في نفوس الجبناء ... وهجا ابن الرومي أبا عيسي بن القنوط بقصيدة مليئة بالسب والإفذاع . والتهمة الخطيرة الموجهة إلى الرجل في رواية ابن الرومي نفسه هي ما يأتي :

أتاني عنك أنك " عبت شعري "

            وما زلت   المضلل   في  قياسك

ولست أشك في أن ابن الرومي من أعظم شعراء العربية وأقدر شعراء العالم ، ولكنه كان سخيفا سخفا مزريا حينما سخر عبقريته في هجاء إنسان ذنبه الوحيد أنه عاب عليه بعض أبيات من إحدي قصائده الكثيرات الطويلات ؛ وبعض كبار الخالقين في الأدب والفن تنقصهم الروح المائية ، والخلق العظيم ، وفيهم من أخلاق النساء الولع الشديد بالثناء ، وحب التدليل ، وهم يصدقون المدح المبالغ فيه ، ويطمعون في المزيد منه ، ويضيقون ذرعا بالتقدير المعتدل ، والاحتياط في النشجيع ، ورغما عدوه تفصيرا في حقهم وإهدارا لمكانتهم .

ويتطرف بعض الشعراء والكتاب فينكرون فائدة النقد على الإطلاق ، وليس ذلك عجيبا ، فإن هناك من ينكر قيمة الشعر والتاريخ ، وإذا كان هناك من يشك في قيمة الحياة نفسها فليس من المستنكر أن يزهد في أي مظهر من مظاهرها . وقد وجه إلي النقاد الكثير من اللوم والتأنيب ، وقذفوا مختلف التهم ، وقيل عنهم إنهم كتاب أخفقوا ، وشعراء أخطأهم التوفيق ، وخذاتهم مواهبهم ، وأرادوا أن يتأروا لعجزهم ، ويستروا تقصيرهم ، فمهدوا إلي معالجة النقد لينالوا من الشعراء والكتاب . وقد قال الوزير السياسي الأدوب دزرائيل في رسالة له إلى أحد أصدقائه : " أنت تعرف من هم النقاد ، هؤلاء الذين أخفقوا في الأدب أو الفن " وقال كولردج عن النقاد : " النقاد قرين من الناس لو استطاعوا لكانوا شعراء أو مؤرخين أو كتاب تراجم ، وقد جرعوا ملكاتهم في معالجة هذه الألوان من الأدب ولما أخفقوا انقلبوا نقادا . "

وهذا رأي قطير ، وكلام غير مأدوم بالسداد ، ولا يرغمنا على احترامه صدوره عن رجال ممتازين مثل دزرائيلي أو كولردج أو غيرهما من الأعلام . والعبقريون في الأغلب الأمم شديدو الشعور بالنقد ؛ فإذا عاب الناقد عليهم شيئا ضاقوا بالنقد جميعه ، وبعض المؤلفين يقولون إنهم لم يقيدوا من النقد ، ولكن النقد ليس هدفه الأول أن يقيد المؤلف أو يعينه ويأخذ بيده ، ولكنه برغم ذلك قد يصلح من شأن المؤلف ويجنبه الكثير من المزالق ويوجهه توجيها حسنا ، والناقد يكتب للقارئ قبل كل شئ لا للكاتب أو الشاعر ، وهو يكتب ليتمتع القارئ أو ليرشده ويهديه ، ولعله - على الأصح - يكتب ليمتعه ويرشده معا ، فهو يستشعر المتعة فيما يقرأ . ويمكن أن نسمى نقده فيض العواطف والأفكار التي أثارها في نفسه الكتاب الذي قرأه ، وحماسة الناقد تثير حماستنا ونحفزنا في دورنا إلي قراءة الكتاب والاستمتاع به ، وقد أجاد أناتول فرانس في قوله عن النقد " إنه مخاطرات الروح بين الطرائف " .

وأخطاء النقاد كثيرة لا يدركها الحصر ، ولكن لهم ظروفهم المخففة ؛ فمن الطبيعي أن ينظر الناقد بشيء من الحسد إلي الخالقين الموهوبين الذين يعبرون في يسر وسهولة عن أحزانهم ومسراتهم ، ويرخون العنان لخيالهم الموجد ، وعواطفهم الجائشة ، في حين أنه محروم من هذه القدرة الخارقة ، ولا يحسن سوى التحدث عما ينتجه الغير وشرحه وتفسيره . والمؤلف ينام ملء جفونه ، ويستيقظ فيري نفسه مشهورا ، كما حدث للشاعر بيرون ، تردد شعره أعذب الأفواه ، وتقرأ قصصه أجمل العيون وأرق النفوس ، وتأتيه كلمات التشجيع والإطراء من كل صوب ، ثم ماذا يبقى من الناقد ؟

يبقى من حياة الناقد بعد موته بعض جمل ونصوص وأحكام يحفظها الطلبة ويرددونها ترديد الببغاوات ، وهم

يلعنون اسمه واليوم الأسود الذي ولد فيه . أما خلفاؤه من النقاد أتراهم ينصفونه ؟ كلا ، لأنهم إذا أنصفوه ، واعترفوا بفضله وكفايته ، وصحة أحكامه ، وصدق نظراته ، فعلى من إدا يتعالون ويتفهقون ، ويظهرون الحصافة والعمق ، والأستاذية والتمكين ، واللقانة والأصالة ، والطرافة والتجديد ؟ فتنقصه والغض منه وإظهار ما في آوانه من الأعوجاج والششط يكاد يكون فريضة عليهم ليسوغوا بها مكانتهم ، وليكونوا مجددين ! وربما كان بعض هؤلاء النقاد في عصور مجدهم يخفضون ويرفعون ، ويخملون ويشهرون ، ويخلقون من النكرة معرفة ، ويحيلون المعرفة نكرة .

والخلاف القديم بين النقاد والمؤلفين لا ينتظر أن : ينتهي ويتم التفاهم بين الفريقين . والنقد ملكة من الملكات الإنسانية اللازمة المطلوبة في كل عصر ، وكلما تكاثرت الكتب وتعقدت المشكلات ازداد اعتمادنا على إرشاد الناقد البصير ، وطلبنا إليه أن يجلو لنا الغامض ، ويمهد السبيل للقراءة المنتجة المجدية ، وان يرينا كيف نتفهم الكتب ونخلص إلى سرها ولبابها ، لتستطيع بعد ذلك أن نتحدث عنها في الأندية والمجتمعات ، ونظهر بمظهر  ذوي العلم الراجح ، والمعرفة الراسخة ، والذوق المهذب المصقول ، وليعرف الناس جميعهم من بدو وحاضرة - أننا عصريون غير متخلفين عن قافلة الزمن ! وبعض الناس قد لا يحجم عن ارتكاب الجرائم ، وإتيان الكبائر ، ومصاحبة الشياطين ، خشية أن يرمي بالتخلف والجمود ! وأمثال هؤلاء يجدون في اتباع آراء النقاد أيسر السبل ليتراءوا في صورة المجددين العصريين !

والناقد في العصر الحديث يحتاج إلى ثقافة واسعة وعلم عزير ، ولا معدي له عن الدراية بعلم النفس وعلم الاجتماع وفلسفة الجمال . وحقيقة أنه كثيرا ما يتمخض الجبل فلا يلد إلا فأرا ، ولكن الاعتماد على الذوق وحده

في نقد الكتب لا يكفي ، والنقد لا يخلق العبقريات ولكنه قد يشحذ المواهب والملكات ، ويعينها على التفتح والازدهار ، وهو الوسيط بين ممهور القراء والمؤلفين الخالقين ، وللنقد في العصر الدمقراطي شأن ملحوظ ، والواجب الملقي على عاتق الناقد خطير . وحقيقة أن العبقرية تشقي طريقها ، وتخلق جمهورها ، وترغم الناس على سماعها ، ولكن طريقها قد يكون شاقا مممتلئا بالأحجار والصخور ومما يجدي على المجتمع أن يتأثر بالكاتب الكبير في حياته ،

والنقاد الأ كفاء هم أقدر الشراح والمفسرين ، فهم عنصر قوي في تقوية القدرة على الحكم والتمييز ، وتهذيب الذوق والشعور بالجمال . ولقد قال ليناردو دافنشي : " الناس ثلاث طبقات : طبقة لا تري الأشياء ، وطبقة تري الأشياء عند ما تبصرها بها ، وطبقة ثالثة تستطيع أن تري بنفسها " ، فأهل الطبقة الاولى ينصرفون عن الأدب الجيد ، والفريق الثاني ينتظرون المفسر البارع ، والدايل الخريت الذي يريهم رؤيا الفنان ، ويجلو غامضها ، ويكشف سرها . والفريق الثالث كثيرا ما يشغلون بأنفسهم ، ولا يقومون بواجبهم . والناقد الصالح هو الذي ينهض بهذه الفرائض ويحتمل هذه التيمات ، وعصور الخلق العظيم في الأدب والفن كثيرا ما يسبقها ويمهد لها عصور نقدا وتححيص ممتازين للأدب والفن ، والقوي الناقدة لازمة للحضارة لزوم القوي الخالقة .

اشترك في نشرتنا البريدية