واستقبلتني الطير مختلفات الأنواع والألوان والصور ، مبتهجات مغردات ، ورات منى الدهشة والعجب المشوب ببعض الوحشة والقلق . فدنا مني بلبل نائب عنها ورحب بي في بشر وإيناس لا عهد لي بصدقهما من الناس . فاطمأنت نفسى ، وادرك هو أني سكنت لحديثه ، فشرع يخاطبني في كلمات عذبه ومنطق سليم اخاذ وعلى منقاره بسمة صافية خالصة ، قال :
- سيدي الإنسان . انت هنا في بلد لا تجد فيه غير الحنان والمحبة من اصدقائك الاوفياء : الورود والأطيار ، وصاحب الامر فيه امراة تحظى بشباب زاهر خالد ، وهي اقرب إلي الملائكة منها إلاناسي . وقد ولدت قبل الطوفان بزمن قليل من دمعة وابتسامة ، وتعرف باسم قوس قزح . وهي من ابوين مجهولين تركاها عقب ولادتها في هذا البلد الامين ، فتعهدتها بالغذاء جماعات النحل في الوادي الخصيب . ولما ترعرعت واستوي مثالها اصبحت من الرقة بحيث يشبعها شدي الورود ، فإذا مسها الهم تغدت بعمل نحلتين ، وتعشت بحبة من العنب . .اتبعني يا سيدي لأذهب بك إليها .
دخلت قصرا بهر عيني رواؤه ورأيت فيه قوس قزح لا يتسني لبشر ان يصف ما هي عليه من شباب وجمال وسحر . فرحبت بي وضيفتني ، ثم استبقني عندها أياما قضيتها في نعيم يشبه ما وعد به المتقون . ومما يبعث على العجب أنها وضعت بن يدي كتبا لا تحصى تشتمل على المعارف العامة المختلفة لما يقرب من ألف آمة متباينة . وكنت كلما فتحت كتابا منها فهمته في الحال فهما جيدا على غير المألوف بين الناس .
ولكني علي الرغم من هذا النعيم كنت أشعر ببعض الضيق من حين إلي آخر ، إذ تمر بخاطري ذكريات الاجتماع ويرن في أذني صدي المدينة التي ولدت فيها . وذات يوم كنت وقوس قزح نسير متمكثين بين صفوف من الأزهار ؛ فأدركت أبي لا حزين ، وأرادت أن تستوضحنى السبب فسألتني : - ما الذي أصارك إلي ما أري من حالك ؟ فأخذت يدها بين يدي ، وضغطت عليها في لين ورفق وقلت ؟
- لا أدري . إني أحبك حبا لا يقف عند حد ، وأجد هنا مسرات العين والعقل جميعا ، ولكن الملل يستبد بي ومأناه فيما اعتقد الى لا أري اينما سرت إلا ورودا وأطيارا ، فإذا سرحت بصري لم يقع إلي علي مرتفعات وأودية شديدة الخضرة في كل حين ، وإذا رفعته لم يصادف إلا سماء متلغمة بالصفاء والزرقة في كل وقت الحياة هنا راتبة راكدة لا تستطيعيها النفس ، وانت نفسك إنك أنموذج للكمال يغمز على الضيق والاضطراب في اغلب الأحيان . ولشد ما اتمني أن أراك أقل كمالا مما أنت . . أن أراك امرأة . إنسانا !
فحبست قوس فزح دموعها خلف أهدابها الندية وقالت : - إني أدرك شعورك تمام الإدراك انظر إلي الورود كيف ذبات ، وإلي الطير كيف سمئت ؟ ! سترحل عن هذا البلد إلي حيث ترغب . إلي اللقاء . . ستعود إلي ذات يوم واسمع منك إن كنت نود العيش هنا أو في عالم آخر ، في السماء أو على سطح الأرض ! وما إن ودعتني حتي وجدت نفسي بقوتها الخفية في
القاهرة وجيوبي عامرة بالمال لا ينفذ ابدا ، وشرعت انفق عن سعة استرعت الناس وحسدهم ولم البث ان اصبح لي صبت وذكر بين المجدودين المترفين . وبعد وقت وجيز تعرفت إلي فتاة غضة الاهاب رشيقة القوام لها رفة نامية فاتنة وبسمة اخاذة ونظرة ساحرة ملكت على كل حواسي . خطبتها إلي أبيها فرفض ، فالحقت وساعدتني أم الفتاة فقبل بعد لأي أن أتردد عليهم لتختبر الفتاة خلقى واختبر خلقها . وكنت حين اجالسها اتحدث إليها في الأدب والعلوم ، ولكنها مع الإسف الشديد كانت تقابل حديثي بابتسامة ساخرة تطفي جذوة حماستي ثم تكلمني عن الملابس وادوات التطرية والسينما وكل ما يقع تحت حسها ، وتتجنب في نفور جلى كل موضوع يمس النفس والوجدان فهي وقوس قزح على طرفي نقيض
وفي صباح أحد الأيام حالت بخاطري قوس قزح ، وشعرت بشوق ملح إلي العودة إليها . فاسرعت إلي خطيبتي وقضيت معها بعض الوقت ، ثم خرجت إلي الطريق . وعلى حين بغتة وجدت نفس قوس قزح ، فأخذني بين ذراعها في ابتهاج وبشر . ثم سألتني ان أفض عليها كل ما وقع لي في رحلني . فسردت كل التفاصيل دون أن أذكر لها خطيبتي . فقالت :
ليس هذا كل شئ . - أقسم لك . . - أيها الطفل . إنك تجهل ني رأيت كل شئ . لقد سرت في اثرك خطوة خطوة ، وسمعت ما قلته لخطيبتك كلمه كلمه
وسقطت من عينيها دمعتان ، فخرت في امري واصطلحت على الحيرة والارتباك ، فعجزت عن الكلام وعادت هي تقول :
- أظنك تدرك الآن السبب في اصفراري وذيول أزهاري ؟ ! فصحت في حماسة عذبة قائلا :
- ستعود إليك نضرتك وتنتعش الورود وتزدهر ! سأنسي الفتاة لأعيش معك ما حبيت .
وما إن نطفت بهذه الكلمات حتى هب نسيم رحي انتشر في انحاء المدينة ، فاستقامت الأغصان وتفتحت الورود وغردت الطيور . وغمرني في تلك اللحظة فيض من الغبطة والطمأنينة .
عدت إلي حياة الهدوء والاستراضة في الوحدة العطرة ، ورجعت إلي الكتب والتأمل ونظم القريض وتصنيف الأسفار ولكني إنسان خلقت للحركة والانفعال والنضال ، ولم أخلق لهناءة الدائمة . وقد علمتني قوس فرح كيف اكون شاعرا حالنا ، ولم تعلمي كيف أصير إنسانا . وكانت نفسي تدفعني إلي التعلق بها ، ولكن قلبي كان يخفق يحب الخطيبة . وطالما كنت أقول في نفسي : أريد أن أنساها ، ولكني كنت أكرر هذه الجملة آناء الليل وأطراف النهار .
وذات صباح أمسكت قوس قزح بيدي وقادتني إلي النافذة وقالت في نعمة حزينة آلمت قلبي : انظر :
فصرخت قائلا والدمع يترقرق في عيني - إني خاطي مجرم ! لقد ذبلت ورودك مرة أخري فقبلتني وهي تقول :
- هذا فراق بيني وبينك ، ولن تراني أبدا . إن لك اليوم قدمين لا جناحين . وقد اجتزت السن التي يستطيع الإنسان فيها ان يعيش بعيدا عن ضوضاء الحياة ونضالها . الوداع . لا تلق سمعك إلي دقات قلبي وكاد البكاء يغلبها على أمرها . .
وفي الحال وجدت في القاهرة ، فهرعت إلي بيت خطيبتي ، وقابلني ابوها في فتور وقال لي : " لقد حضرت في الوقت المناسب أو على الأرجح جئت بعد فوات الوقت " ودخلت الثوي حيث الخطيبة وأمها ، فبدت عليهما امارات الدهشة ، وبعد تبادل التحية قالت لي الفتاة ، وقد علت وجهها الخمرة :
جئت يا عزيزى بعد فوات الوقت . انتظرتك اكثر مما ينبغي . وقالت أمها :
- نعم إنك اطلت غيمتك . وستتزوج ابنتي بعد أسبوعين . ولكن إذا كانت ثروتك قيمة استطعنا أن نجد للأمر حلا برضيك
فلما عرضت عليهم امر ثروتي الضخمة تطلقت وجوههم ، ولاحظت في اكتئاب وانقباض مبلغ الفرح الذي استولي على الفتاة حين كنت أقوم بهذا العرض .
اديت المهر الهائل الذي طلبوه وانفقت على حفلة العرس مالا طائلا نزولا على إرادتهم . ثم سافرت مع زوجي إلي الريف لقضاء ايام في هدوئه . ولكنها بعد بضعة ايام سئمت حياة العزلة ورغبت في العودة إلي حياة المدينة وما فيها من الملاهي والحفلات والولائم . وهنا صدمتني الحقيقة والواقع وشعرت بالندم على قوس قزح التي كانت تحيا لي ولورودها واطيازها ، بينما امرأتي تعيش للحياة وللغرور . وبدلا من ان تقتطف الازهار وتستمع إلى الطير ، فانها تعد أثوابها وحليها وتداعب كلبها وتنظم حفلاتها
لم يبق في سلوة غير الانغماس في الأدب ، فنظمت القصائد الغزلية الصادرة عن قلبي المعمود ، أصف فيها لحظ امراتي وشعرها وبسمتها وصوتها وما أوتيت من سحر وفتنة ، وعرضت عليها هذه القصائد فاعجبت بها ونصحت في بطبعها وبيعها ، فأبيت لأنها تشتمل على اسرار قلبي التي أضن بها على المطبعة . فضحكت متنادرة وجهرت لي بأنها لا تحب الشعر إلا إذا كان مطبوعا ، وبأن لا خير في الأدب إذا لم يدر على صاحبه المال ؛ فحزنت أشد الحزن وعزفت عن الشعر والنثر والأدب والكتب جميعا ، ورغبت جد الرغبة في العودة إلي قوس قزح ، ولكنها لم تعد تحقق رغبتي . .
وفجأة أصابني مرض شديد الخطر . وذات ليلة بينما كنت أتوجع في سريري ، ظهرت لي قوس قزح ، فصحت
في فرح بالغ وانا امد نحوها ذراعي في استعطاف :
- قوس قزح ! سأموت سعيدا ! فأجابتني في نعمة جافة :
- لست قوس قزح . إني " المثل الأعلى " . في سن الشباب يتجه إلي الإنسان ، ثم لا يلبث ان يصد عني في سبيل مسرات الحياة التي يلمحها خلال شعري ، ولكن بعد قليل يندم على فرافي لأن الذي يتغذي بعمل تحلى وعبير ازهاري يصعب عليه العيش هنا . الوداع ! في انتظاري كثير غيرك . وهم على غرارك يبحثون عن السماء في الأرض ، وعن الأرض في السماء !
أردت ان انكلم ، ولكنها اختلفت كالخيال ، وفي اللحظة نفسها ظهرت امرأة اخري ممتقعة اللون وعلى شفتيها ابتسامة ، فسألتها : من عسي أن تكون ؟ فقالت : - إني أمك ، بعد ساعة سيجتمع روحانا ، وستعرف أن روحي لم يفارقك قط إن كل أم هي دائما إلى جانب ايتها ، ظاهرة كانت أو خفية ، لتجفف بحنوها عبراته إلي اللقاء بعد ساعة . إنك تراني مصفرة الوجه ، لأنك تألم . وتراني مبتهجة لأبي سأجتمع بك إلي الأبد ثم تلاشى الخيال كسابقه
نهضت من فراشي في عسر شديد ، وذهبت إلي غرفة امرأتي وأنا أتحامل على نفسي لأودعها الوداع الأخير . ولما صرت بالباب رايتها جالسة أمام النافدة تقرا في ورقة كبيرة ، سددت إليها كل اشعة بصري ، فتبينت انها وصيتي التي كتبتها لهذه المرأة التي تحبها حواسي قبل مرضي بأيام قلائل
هذه الضربة الأخيرة التي لقيني بها الواقع كانت أقوي مما استطيع احتماله ، فخررت صعقا على عتبة الباب كتلة واحدة . . .
واستيقظت من شدة الفزع مضطرب الأعصاب مبلل الوجه بدمع غزير
