الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

بين انسجة النبات وخلاياه

Share

يحتاج الإنسان في بعض الآحيان إلي أن يغير من ببئته ، فيبحث عن عالم اخر يجد فيه ترويحا عن نفسه ؛ وليس احب إلي النفس من رحلة بين الرياض ، فيها يجد الإنسان جميل صنع الخالق ، فمن زهر مختلف الوانه ، إلي نبات  تباينت أشكاله . ومن منا يقف بين هذا النبت وذاك الغرس دون أن يدفعه حب الاستطلاع إلي أن يجوس بين خلاياه ليتعرف إلي ما خفي عليه !

ولكي يصل القارئ إلي ذلك يجب أن يترك لخياله العنان ، وليبالغ في تصوره ما شاء ، وليحاول ان يتجاهل الحقيقة وينسى هذا العالم الصاخب بما فيه ؛ فلينظر إلي هذا النبت بمنظار يكبره آلاف المرات ، وليصغر نفسه إلى حد يسمح له ان يسير في كل مسافة مهما صغرت ،

حتى يتسني له ان يتغلغل بين انسجة النبات

فهذا نبت صغير أمامنا لا يتعدى طوله بضعة سنتيمترات ، اخترناه صغيرا رغبة منا في تيسير الرحلة ، فما كان لبادىء في التسلق ان يرقي جبلا شاهقا قبل ان يصعد تلا . على أن هذا النبت الصغير مع بساطة شكله فهو معقد فى تركيبه فلنحاول أن نقتحمه ولنبحث عن فتحة تسمح لنا بأن ندخل إلي عالم جديد ، جديد في مناظره وفي جوه . ها هو سطح الورقة من اعلى ، خلاياه متراصة لا انفراج بينها ، كسته طبقة من الشمع فزادت من قدرته على وقاية ما تحته ؛ فاذا ما دلفنا إلي سطحها السفلي عثرنا على الكثير من الفتحات أو الثغور . وهذا الترتيب له فائدته للنبات ؛ فالثغور واسطة لانتشار الغازات من الجو إلى انسجة النبات ، ومن انسجة النبات إلى الجو ، فإذا كثرت على سطح الورقة العلوي تعرضت الفتحات للضوء والحرارة والرياح ، وتعرضت بذلك ورقة النبات

إلي كثرة البخر والذبول ، فوجودها على السطح السفلى فيه وقاية لها

ولو دققنا في هذه الثغور لوجدنا كلا منها يتكون من فتحة يحيطها ضلفتان ، إن تقاربتا ضاقت الفتحة ، وإن تباعدتا اتسعت الفتحة ؛ والضلفتان هنا خليتان اختلفتا عما حولهما شكلا وتركيبا ، إذ تحتويان على مادة خضراء ، كما أن جدرانهما ليست على نظام واحد في سمكها ، إذ زادت جدرانها سمكا من أعلى ومن اسفل ، وازدادت رقة من جانبها . فإن امتلأت الخليتان بالعصارة انتفخا وبعدت الجدران العليا والسفلي بعضها عن بعض فينفتح الثغر ، وإن فقدتا ماء ، قربت جدرانها العليا والسفلي ، كما ارتخت جدرانها من جهة الثغرة فتضيق الفتحة ، ويظهر ذلك في الجزء السفلى من الشكل الأول

نعم إن الحرارة الشديدة تؤدي إلي غلقها ، والماء الكثير بفتحها ؛ ولكنا نجد اننا لو حاولنا ان نبدأ الرحلة قرب الليل وجدنا الثغور مقفلة مع أن الحرارة منخفضة . والعلة في ذلك ان الضوء يفتح الثغور والظلام يغلقها . وكل ذلك نتيجة لوجود المادة الخضراء وهي الكلوروفيل ، التي تكون بتأثير الضوء سكرا يزيد في تركيز الخلية التي تحيط الثغر ، فتمتص ماء مما حولها من الخلايا  بسبب هذا التركيز فتنتفخ وتتسع الثغرة

وقد يتساءل البعض عما يحدث لو أننا ووجهنا بورقة فيها بقع بيضاء ، فالجزء الابيض خال من مادة الكلوروفيل التي فرضنا وجودها لتفتح الثغر ، وهو اعتراض سليم . ولو فحصنا الآجزاء البيضاء بشيء من الدقة ، لوجدنا ان الثغور في هذا الجزء يختلف بعضها عن بعض في مقدار تفتحها ، إذ يزداد التفتح في الثغور التي تقع قرب الاجزاء الخضراء من الورقة ويقل كل كلما بعد الثغر عنها . والعلة في ذلك ان الأجزاء الخضراء اثناء النهار تحول حمض الكربونيك إلي سكرات وأكسيجين ، وبذلك تقل حموضة

الوسط المحيط بالخلايا . وإذا ما قلت الحموضة نشط أنزيم الدياستاز فيحول النشا في الخلايا إلى سكر يزيد في تركيز عصارتها ، فيؤدي ذلك إلي تفتح الثغر كما تقدم

ومن ذلك يتبين أن كل هذه العمليات تتوقف على وجود المادة الخضراء التي تمتص الضوء . وهذه المادة يمكن استخلاصها بواسطة محلول الاسبتون دون ان تعاني تغيرا كيميائيا ؛ وقد تبين أنها مادة معقدة التركيب تتكون من اربع صبغات ، ويدخل في تركيب الكلوروفيل عناصر الكربون والأيدروجين والا كسيجين والازوت مضافا إليها مقدار بسيط من المغنسيوم . وباتحاد حمض الكربونيك مع الكلوروفيل يتكون ملح المغنسيوم ومادة خضراء ، زيتية اللون . وهذا التفاعل يحدث في الضوء وفي الظلام . وقد وجد ان الضوء يعمل على تكوين مركب مع الكلوروفيل يسمي فوق أكسيد الفور مالدهيد الكلوروفيلي ، وهذا المركب يفقد إلا كسيجين في الضوء بتأثير أنزيمات خاصة فيتحول إلى سكر ، ولعل هذه الخطوة تجري بسرعة تمنع من العثور على الفوردمالدهيد في انسجة النبات

وإذا دخلنا من أحد هذه الثغور واجهتنا فوهة متسعة يحيطها خلايا كثيرة متلامسة في بعض اجزائها متباعدة في البعض الآخر وهذه الفجوة تؤدي إلي فجوات اخري أقل اتساعا وكلها محاطة بخلايا لا انتظام في شكلها ، يتعرض منها سطح كبير لما يحيط بها من غازات ، كما أن جدرانها منداة بالماء على الدوام لحكمة عظيمة ، إذ الماء واسطة لانتشار الغازات من الفجوات إلي الخلايا ، ومن الخلايا إليها . وفي هذه الممرات والفجوات نجد نسبة عالية من الهواء الغني بأكسيجينه . وقد يتبادر إلى الذهن أن وفرة الا كسيجين ناتجة من أن عملية التمثيل هي العملية الوحيدة التي تحدث أثناء النهار ؛ والواقع انها تحدث مع عملية التنفس جنبا لجنب ؟ بدليل اننا لو اخذنا

أوراقا خضراء وعرضناها للضوء ، فإن التمثيل يكون أنشط من عملية التنفس ، فيتصاعد أكسيجين فقط ، وذلك لأن غاز الكربونيك المتكون أثناء عملية التنفس يستنفذه النبات في عملية التمثيل ، وإذا أنقصنا كمية الضوء قل نشاء التمثيل ؛ ولما كان التنفس كما هو ، فإننا نلاحظ أن كمية الا كسيجين المتصاعدة تقل ، وإذا والينا إنقاص الضوء تدريجيا وصلنا إلي حد يكون فيه مقدار الا كسيجين المتكون من عملية التمثيل يستخدمه النبات في عملية التنفس ، كما ان غاز الكربونيك الناتج من عملية التنفس يستخدمه النبات في عملية التمثيل ، أي أننا نصل إلي حالة تعادل ، فلا يتصاعد من انسجة الأوراق أي غاز . وإذا استمر نقص الضوء ضعفت عملية التمثيل ، وظهرت عملية التنفس ، وبدأ تصاعد غاز الكربونيك ومعنى ذلك أن التنفس عملية تحدث باستمرار ، ولكن في أثناء النهار تظهر عليها عملية التمثيل ، ولذا نجد في فجوات النبات وفرة من الأكسجين .

ووجود جو مناسب يساعدنا على قطع مرحلة اكبر في انسجة الورقة . وكلما تركنا ممرا دلفنا إلى آخر ؛ فهذا الجزء ،أشبه بالاسفنج لكثرة فجواته ، ولا ينتظر أن نصادف تغيرا يذكر ، إلا لو قدر لنا ان نصطدم بمجموعة من الخلايا المتراصة التي تحمى داخلها انابيب تقوم بتوصيل العصارات

المختلفة من الورقة إلي أجزاء النبات الأخرى ، أو من هذه الأجزاء إلي الورقة . وهذه الأنابيب المتجمعة إن هي إلا العروق تجري في كل جزء من اجزاء الورقة ، كما تجري أوعية الدم في أنسجة الجسم .

وإذا اتجهنا إلي أعلى قابلتنا عمد من الخلايا المتراصة تجاورت وقلت الفراغات من بينها . والمادة الخضراء فيها قد زادت إلي حد كبير . ولا عجب ، فهذا الجزء ، من الورقة أكثر تعرضا للضوء من غيره ، فكثرة الكلوروفيل تزيد من قدرته على التمثيل ، ولكن نظامها صفا صفا قد عرضها إلى الضوء بمقدار ، إذ يقع عليها بميل دائما ، ولا تبلع شدته حدا يحلل هذه المادة الخضراء ويتلفها . وهكذا تجد ملاءمه عظيمة بين تركيبها وموقعها ، بل ونظامها وتجاورها .

ولو تركنا هذا الجزء واتجههنا نحو أصل الورقة ، نجد أننا نسير في طرق تستدق شيئا فشيئا ، كما انها تتلاقي في جسم أسطواني الشكل هو عنق الورقة ؛ وإذا حاولنا ان غير في هذا الجزء وجدنا فجواته وممراته ضيقة ، يفصلها عن العالم الخارجي خلايا تمكن جدرانها فأ كسبها ذلك مرونة وقوة ساعدت العنق علي حمل الورقة ومقاومة الرياح وقد يظن القارئ أن هذه الفجوات لا يمكن أن تتصل ببعضها ، ولكن البرهان على ذلك بسيط ؛ فلو أخذنا فرعا نباتيا وثبتناه في سداد من المطاط

ثبت في زجاجة مخروطية كما هو موضح بالشكل ، ثم

سحب الهواء من الفتحة الجانبية ظهرت فقاقيع الهواء آتية من ثغور الورقة إلي ممراتها وفجواتها ، ثم إلى الانبوبة فالماء فالفتحة الجانبية . وعلى هذا نجد اتصالا تاما بين فجوات الورقة . وهذا لا بد من وجوده حتى يخرج الغاز الناتج من تنفس الخلايا المختلفة ، وحتي يصلها الأكسجين اللازم لها

من كل ذلك نري أن أنسجة الورقة قد تباينت  أشكالها ولاءمت وظائفها إلى حد كبير مما جعلها أساسا للوجود . ولا عجب ، فهذه الورقة هي التي تكون المواد العضوية من مواد بسيطة التركيب ، فكلنا مدين لهذا الجزء من النبات الذي يعتبر مصنعا لبناء كل غذاء للنبات والحيوان على السواء .

اشترك في نشرتنا البريدية