الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45الرجوع إلى "الثقافة"

بين روسيا وجاراتها

Share

أحيطت سياسة روسيا في الأشهر الأخيرة بسياج من الغموض والكتمان ، ولعل خطاب الرفيق مولوتوف الأخير أول كلمة صريحة في هذا الموضوع ، وإن لم يكشف عن نيات حكومته في صورة جلية واضحة.

وربما كانت خير وسيلة لتفهم بها اتجاهات السياسة الروسية ، أن ننظر في تطوراتها منذ الحرب الأخيرة إلي اليوم ، فقد نجد في مثل هذا العرض تفسيرًا لما نراه اليوم غامضًا أو متناقضًا .

يمكننا أن نقسم تاريخ روسيا الحديث إلى ثلاثة أقسام : عهد الثورة ، وعهد العزلة ، وعهد السياسة العملية ؛ ولابد من أن نتفهم الظاهرات الأساسية لكل من هذه العهود ، لكي نرى كيف انتقلت السياسة الروسية من طور إلى طور

بشكل لا يتنافى مع العقل والمنطق بقدر ما أوتيت السياسة الدولية من العقل والمنطق .

عهد الثورة : تحيط بالأراضي الروسية في الوقت الحاضر أقطار ودويلات كانت جزءاً من دولة روسيا القيصرية . فلما انفجرت الثورة الروسية عام ١٩١٧ أخذ كل قطر من هذه الأقطار يبذل جهدًا قويًا للانفصال عن روسيا . فكان من نتيجة ذلك أن تكونت دولة فنلندا ، وإستونيا ، ولتفيا ولتوانيا ، على سواحل البحر البلطي ، وتكونت دولة بولنده العظيمة على الجانب الغربي من روسيا ؛ واستولت رومانيا على بسارابيا ، واستطاعت تركيا نفسها أن تسترد في بلاد القوقاس بعض الأراضي التي فقدتها في أثناء عراكها الطويل مع روسيا .

فأما انفصال دول البحر البلطي عن روسيا ، فلم يكن فيه ظلم لروسيا ، لأن هذه الأقطار لم تكن تشتمل على أراض روسية ، يسكنها جماعات من الروس . ومثل هذا يقال أيضًا عن الأقطار التي ضمت إلى تركيا ، فهذه قد نزلت عنها روسيا لتركيا بمحض اختيارها ، ولم يكن بها أقليات روسية تستحق الذكر .

ولكن مثل هذا لا يمكن أن يقال عن بولونيا وبسارابيا ، ففي الإقليم الشرقي من بولونيا أقليات روسية ، تقرب من مليون نسمة ، وكذلك الحال في بسارابيا .

وسواء أكانت في الأقطار المفقودة جماعات روسية أم لم يكن ، فإن حكومة الثورة لم تكن لتقبل عن رضى وطمأنينة انسلاخ هذه الأقطار عنها . وقد حاولت بذل جهود عنيفة للاحتفاظ بتلك الأقطار ، ولكنها اضطرت لأن توافق في النهاية على استقلال دول البحر البلطي ، وعلى الحدود الجديدة لدولتي بولونيا وتركيا. فقد كانت الحكومة البلشفية رازحة تحت عبء ثقيل ، وهو إقامة النظام - أو شبه النظام - الشيوعي الجديد ، على أنقاض الحكم القيصري . وكان لدى رجال الدولة من المشاكل الداخلية الصرفة ، ما يكفي لأن يشغل أقوى الحكومات وأرسخها ، فكيف بحكومة جديدة تنشئ عهدًا جديدًا ، وتريد أن تقلب نظام الحكم قلبًا تامًا ؟

لم يكن لروسيا إذن بد من أن تصفي الموقف ، وأن تسارع إلى عقد اتفاقات مع جاراتها تعترف لها فيها بالأراضي التي نزلت لها عنها . ما عدا بسارابيا ، فإن روسيا لم ترد أن تقبل ضم هذا الإقليم لرومانيا .

وهكذا استطاعت حكومة الثورة الشيوعية أن تكرس جهودها لتوطيد العهد الجديد ، وقد تم وضع النظم الجديدة وإعلانها عام ١٩٢٣ ؛ وهي تقوم على مبدأين خطيرين : الأول داخلي ، وهو تعميم النظام الشيوعي في الصناعة والزراعة ؛ والثاني خارجي ، وهو مبدأ الشيوعية الدولية ، الذي ينادي بأن العمال والزراع في جميع أنحاء العالم إخوة ؛ وعدوهم الوحيد هو الرأسمالية الدولية .

ولم يكن بد من أن ترى دول العالم في هذه السياسة فضولا شديد الخطر على كيانها ، فلم تتقدم للاعتراف بروسيا البلشقية دولة ذات خطر ، اللهم إلا دولة ألمانيا التي جمع بينها وبين روسيا جامع عداوة الدول الغربية لكل منهما . مشكلة العزلة : مات لينين عام ١٩٢٤ ، وروسيا تعاني

شدائد جمة من جراء عزلتها الأليمة ، التي أضعفت تجارتها ، وجعلتها عاجزة حتى نشر الدعاية للشيوعية الدولية بالدرجة التي تمكنها من استخدام هذا السلاح لتدعيم مركزها السياسي ونفوذها العالمي . ولم تكن علاقاتها بألمانيا بالأمر الذي يكفيها ، ويرضيها عن مقاطعة معظم الدول لها ، وظهرت بعد لينين نزعة ترمي إلي التودد للدول ، والتظاهر بالعدول عن الدعاية الشيوعية ، وفي الوقت نفسه أخذ يبدو من جانب بعض الدول رغبة في الاعتراف بحكومة السوفييت ، على شرط تعهدها بألا تتدخل في الشئون الداخلية للدول ، وألا تحاول نشر مذهب سياسي خاص بين رعاياها ، وكان من السهل على روسيا أن تقدم مثل هذا التعهد . وهكذا أخذت الدول الواحدة بعد الأخرى تعترف بالحكومة السوفياتية ، وتستأنف العلاقات السياسية والاقتصادية ، وتمضي معاهدات " الصداقة " معها .

وكان في دخول روسيا عصبة الأمم عام ١٩٣٤ التتويج الأكبر لهذه الانتصارات الدبلوماسية التي استطاعت بها روسيا أن تقضي على الشطر الأ كبر من العزلة التى كانت ترزخ تحت أعبائها .

ولما تولى هتلر زعامة ألمانيا ، وأظهر العداء الصريح للحكومة السوفياتية ، اضطرت هذه لأن تزداد توددًا إلى دول الغرب ، وعقدت محالفتها الشهيرة مع فرنسا وتشيكوسلوفا كيا ، وتظاهرت بأنها كالدول الغربية تعشق السلم ، وتنفر من العدوان على الدول الضعيفة . وتأييدًا لهذا المظهر عقدت معاهدات صداقة وعدم اعتداء مع كل من بولندة ودول البحر البلطي ، وجعلت أجلها طويلا لا ينتهي إلا في عام ١٩٤٥ !

ولكن لا بد لنا برغم هذا كله أن نقرر أن عداء ألمانيا لروسيا لم يكن مستندًا على أساس مادي أو سياسي خطير ؛ بل لقد فقدت ألمانيا بسببه تجارة واسعة رابحة ، ولم يكن بين الدولتين خلاف على أرض أو حدود ، أو منافسة من أي نوع كان . اللهم إلا ذلك البغض الأفلاطوني الذي

استشعره الزعيم هتلر نحو النظام الشيوعي . ومن جهة أخرى نرى أن صداقة روسيا لدول الغرب - وبالأخص بريطانيا - كان يشوبها دائمًا وجود عنصر قوي من رجال السياسة ينفرون من كل شئ له صلة بروسيا . وقد رأينا ورأت روسيا أثر هذا واضحا في مشكلة تشيكوسلوفاكيا في خريف العام

الماضي ، حين حاولت دول الغرب أن تحل المشكلة من غير الاستعانة بروسيا ، أو مشاورتها ؛ فلم تشترك في مونيخ , ولا في المداولات السابقة لمونيخ.

عهد السياسية العملية : السياسة العملية ، لفظ حبتنا به اللغة الألمانية Realpolitik وهي السياسة التي لا تعرف مبدأ ولا ناموسًا ولا شرفًا ، ولا تعرف حتى التستر والمداجاة ، بل

وجهتها أطماعها وشهواتها تحققها بكل وسيلة ، وتسلك إليها أيسر السبل ؛ أخذت روسيا في اتباع هذه السياسة حين قصدتها دول الغرب في الربيع الماضي ، تبتغي منها المساعدة على ألمانيا النازية ، فأرادت أن تتقاضي على المساعدة ثمنًا لم يرد الحلفاء دفعه ؛ وجاء الألمان فالتمسوا صداقة روسيا

بالثمن الذي ترتضيه روسيا . ولم يكن من الصعب على حكومة السوفيت أن ترى أن الفرصة سانحة ، لأن تبسط نفوذها على الأراضي التي نزلت عنها من قبل لدويلات ليست بذات خطر ، فلم يطل ترددها ومالت نحو ألمانيا . واليسوم يحدثنا الرفيق مولوتوف أن " حكومة السوفيات طالما

اعتقدت أن ألمانيا القوية شرط لازم للسلم الدائم في أوربا  " . إن الذين أُدهشوا للانقلاب الفجائي في سياسة روسيا ، يجب أن يذكروا مع هذا أنه إن يكن من العجب صداقة ألمانيا النازية والسوفييت ، فلقد كان عجيبًا أيضًا أن تتحالف الدول الديمقراطية ، التي تدين بالحرية والسلم ، مع حكومة لم تكن الحرية ، ولم يكن السلم ركنًا من أركان الحكم

لديها في وقت ما . إن السبب الأكبر الذي دفع بروسيا إلى أحضان الدول الغربية وإلى عصبة الأمم هو عداوة ألمانيا النازية ، فأما وقد تقدمت هذه تعرض صداقتها ومعاونتها ، فإن الفرصة باتت سانحة لأن تحقق روسيا ما تطمع فيه من استعادة نفوذها المفقود .

فلم تكد روسيا أن تنال نصيبها من بولونيا ، حتى ولت وجهها شطر البحر البلطي . فإن وجود هذه الدويلات الصغيرة قد ترك روسيا وليس لها منفذ على هذا البحر سوى ميناء لينينغراد تحيط بها مساحة صغيرة من الساحل . لهذا لم يكن بد من أن تفتتح روسيا سياستها العملية بدويلات البحر البلطي ، بادئة بإستونيا ، وهي أهمها بالنسبة للسيطرة علي هذا البحر ؛ فاستطاعت أن تغنم القواعد البحرية في جزيرتي داجو وإيزل ، وميناء بلتسكى ، التي تسيطر على مدخل خليج فنلنده ، واستطاعت أن تنزل جيوشها في أماكن " استأجرتها " من حكومة إستونيا . وقد أملت روسيا مثل هذه الشروط على لتفيا ولتوانيا فقبلتا ؛ ثم أرادت أن تملى مثلها على فنلنده ، فلقيت مقاومة لعلها لم تكن تحسب لها حسابًا ؛ فإن فنلنده ذات مركز أمنع من أخواتها ، وسكانها أنشط وأرقى وأكثر عددًا ، ولها تاريخ قديم يكسبها شيئًا من العزة والاعتداد بالنفس ، ولها من دول اسكندناوة أنصار مخلصون وقد دام الأخذ والرد بين روسيا وجارتها الشمالية مدة تعد بالأسابيع ؛ وبالأمس يحدثنا الرفيق مولوتوف بأن حكومته إنما طلبت من فلنده مطالب سهلة هينة ، وهي :

١ - أن تتراجع حدود فنلنده القريبة عن لينينغراد عدة كيلومترات ، ٢ - أن تستأجر مرفأ ( هانجو ) وبعض جزر على سواحل فنلنده لكي تقيم فيها قواعد حربية ، وبهذه الطريقة تصبح روسيا مسيطرة على الساحل الشمالي والجنوبي لخليج فنلنده . ثم يقول الرفيق إن فنلنده إذا أصرت على رفض هذه الطلبات فإن هذا يضر بقضية السلم . . . وهذا

يقال عن دولة تعاهدت روسيا ألا تعتدي عليها إلى أجل غايته عام ١٩٤٥ !

والآن لنترك الشمال وننظر إلى الجنوب ، وفي الجنوب بسارابيا ، التي يعيش فيها مليون من الروس . ما الذي يدعو روسيا لأن تتغاضى عن بسارابيا ، وتلتفت إلى البحر البلطي ؟ السبب في هذا يسير ، وهو أن دول الشمال ليس لها من ينصرها ، وتستطيع روسيا أن تأمرها فتأتمر. أما بسارابيا فأمرها أشد تعقيدًا ؛ فهنالك خطر إثارة دول البلقان ، وهنالك خطر أكبر أن يأتي الحلفاء بجيوشهم وأساطيلهم لنجدة رومانيا . لهذا لم يكن بد أن يسبق هذا العدوان على رومانيا ، محاولة التفاهم مع تركيا . وها نحن نرى الرفيق مولوتوف لا يكاد يخفي أسفه على أن تركيا لم تقابله بتلك الطاعة التي اعتادها من دول الشمال . فهو يتهمها بأنها خرجت عن حيادها ؛ ثم يقول بلغة رجال السياسة البارعين : " إنه لن يحاول أن يعرف هل ستندم تركيا يومًا ما على عملها هذا ".

من الواضح إذن أن مشكلة الجنوب أشد تعقيدًا لروسيا من مشكلة الشمال ؛ ولكن ليس هنالك ما يدعو إلى الظن بأن روسيا سترجع عن طلب بسارابيا عاجلًا او آجلًا ؛ غير أن هذا من المطالب التي تحتاج إلى استعداد طويل ، وتدبير وتمهيد . وهي إن مضت في مطلبها هذا فمن الصعب أن نتصور أن هذا يحدث دون تدخل الحلفاء ، وإعلانهم الحرب على روسيا.

لقد كانت دول الغرب حتى اليوم كارهة أن تدخل روسيا الحرب إلى جانب ألمانيا ، على أن الخطة التي سارت عليها روسيا ، وخطاب الرفيق مولوتوف نفسه ، يجعل مثل هذا الاحتمال ليس بالشيء المستحيل . وأولى بالحلفاء أن يُعِدُّوا له العُدة.

اشترك في نشرتنا البريدية