الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341الرجوع إلى "الثقافة"

بين شاعر وحفيدته

Share
[ بمناسبة ظهور كتاب فضيلة ألمانيا وضع وتصنيف إقبال العلايلى ]

يحكى أن شوقى الشاعر كان جالسا فى حديقته بكرمة ابن هانى فأقبلت عليه حفيدته إقبال تدب على الأرض بقدميها الصغيرتين ، وكانت بالتقريب تبلغ العاشرة من عمرها . ولما صارت على بعد خطوات منه قالت له : عندى لك مفاجأة كبيرة يا جدى . فابتسم فى وجهها مشجعا ومد يده ليتناول كراسة أنيقة خطت فيها إقبال بالفرنسية بضع قصائد شعرية ، لم يكد يقرأها الشاعر العظيم حتى عجب لشيطان الشعر كيف يتعقب نسله إلى الجيل الثانى ، ونظر إلى السماء نظرة كلها عتاب متسائلا : لماذا قدر لهذه الصبية المسكينة أن تجرب أهوال الشعر ، تمضى الأيام والليالى تبحث عن لفظ أو قافية تخرج بها خيالها إلى عالم الحقيقة أخذ الجد ينصت إلى الصبية وهي تقرأ شعرها فى فرنسية سليمة . ولا يمكننا أن ندعى أنه كان شعراً رصينا ،

ولكنه كان محاولة شاء الجد أن يظهر اهتماما بها لكى تنمو وتزدهر فى هذا القلب الفتى المملوء أملا  - فنادى سكرتيره وأمره بارسال هذا الديوان الصبيانى إلى أحسن مطبعة ليطبع طبعا أنيقا ويوزع على الأهل والمعارف فكان هذا بمثابة وضع الحجر الأساسى فى مستقبل الفتاة فى هذا الميدان .

وهكذا اكتشف الشاعر العظيم هذا الجوهر الخام بين خزائنه ، فتعهده وصقله رويداً رويداً حتي تحول إلى ماسة لامعة يخطف بريقها الأبصار ، ولو أن بريقها لم يتعد نطاقا محدوداً ، حتى طلعت علينا عندما آن الأوان شاعرة ناضجة مكتملة تترجم من الألمانية إلى الفرنسية فى لغة لا يرقى إليها إلا الفرنسى العالى التثقيف ، فكيف بها وهى مصرية بلغت العقد الثانى من عمرها : ظهر كتاب ( فضيلة ألمانيا ) فى وقت لطخت صفحات ألمانيا بمساوئ وبحار أعمت الأعين عن كل ما قد يكون جميلا فيها . نبشت ( إقبال ) خزائن الأدب الألمانى التى كاد يعشش عليها العنكبوت لفرط ما انهمك هذا الشعب فى التقتيل والتدمير ، وأخرجت منها كل مبدع ومطرب . يا ليت الجيل الألمانى الجديد يقرأ هذا الكتاب فيتذكر ماضيه ويتطلع إلى مستقبل أمجد يكون نبراسه التشبع بالعاطفة الإنسانية بجميع نواحيها من أدب وفن وموسيقى وشعر وخيال ويلقى وراء ظهره حب السيادة والسلطان التى ليس وراءها إلا الدمار .

وفى اعتقادي أن كتاب ( فضيلة ألمانيا ) سوف يخلد ما بقى فى العالم أدب وثقافة . ويجب على كل ملم بالفرنسية أن يهيئ له مكانا محترما فى مكتبته وسوف يتبين كل شرقى إعجابا بمواطنته المصرية تغزو وتقهر .

اشترك في نشرتنا البريدية