الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 606الرجوع إلى "الثقافة"

بين صدقى وتولستوى

Share

كان لصدقى باشا - رحمه الله - آراء فريدة جريئة ، آمن بها ودعا إليها مخلصا أمينا ، وكان يقف فى أغلب الأوقات وحيدا لا يؤيده أحد ، ولا يؤمن بأفكاره أحد ، حتى إذا ما انتهت الزوبعة واستقر الحال وتكشف الموقف . إذا رأى صدقى هو الرأى السديد ، وموقفه هو الموقف الأسلم .

سئل مرة عن الجيش وطريقة تسليحه . فكان رأيه مخالفا جميع الآراء التى ظهرت فى ذاك الوقت ) فقد صرح بأن تسليح الجيش ليس بالأمر اللازم ، ولا سيما فى الوقت الذى نستمد فيه سلاحنا من دول تستعمرنا سياسيا واقتصاديا ، وتمتص دماءنا وثروتنا ؛ وقد بنى صدقى باشا آراءه بعد ظهور القنبلة الذرية والإيدروجينية ، وما رآه من تأثيرهما الفعال .

كان هذا هو رأى صدقى الذى وقف بمفرده ينادى به . وهو موقف لا يقفه إلا زعيم جرىء . حنكته التجارب . فجاءت آراؤه قوية جريئة ، تذكرنا بما قاله الفيلسوف الكبير " ليو تولستوى " منذ نيف وثمانين عاما عندما سئل عن الجيش الروسى وتسليحه . قال الفيلسوف

" فى كتاب ألف ليلة وليلة ، رواية سائح قد طرحته سفينته على صخرة جرداء ، فوجد فيها رجلا هزيلا جالسا بجوار مجرى من الماء يريد اجتيازه ولا يقوى على ذلك ؛ فأشفق السائح عليه ، وحمله على كتفيه ، ولكنه ما كاد يستقر عليهما حتى لف رجليه عليه ، وأبى النزول إلى الأرض مرة أخرى ، وصار يتحكم فى حامله ويأمره بالذهاب حيث شاءت إرادته ، وصار فى مكنته أن يجمع ثمار الأشجار التى كان يأكلها بمفرده ولا يعطى حامله شيئا منها ، وصار يسئ معاملته بكل ما لديه من الوسائل .

" وحال هذا الرجل الهزيل يشبه حال الحكومات

التى تشترى بالأموال التى تجمعها الأسلحة والمدافع والقواد الحربيين المطيعين لأوامرها الذين تسند إليهم تنظيم الجيوش ، وتدريب العساكر ، بتلك الطريقة الغريبة الى تفقد الجندى حريته . تلك الحرية التى هى أعز شئ لدى الإنسان . وتجعله آلة ذلولا فى يدها . وفى هذه الآلة سر رق الناس . فإنها لا تصبح فى يد الحكومة حتى يصير كل الناس خاضعين لها ، فتسىء إليهم وتزدريهم ، وتولد فى نفوسهم الإخلاص والطاعة لها بما تنشره بينهم من التعاليم الفاسدة .

" إن الحكام لا يقدسون النظام العسكرى ولا يهتمون هذا الاهتمام الكبير بالمناورات والاستعراضات والاحتفالات العسكرية وأمثال هذه الهذيانات إلا لعلمهم أن وجودهم متوقف عليها ؛ فالجنود النظامية هى التى تؤيد سلطانهم وهى التى تسمح لهم بارتكاب أفظع المظالم وهم جالسون فى أرائكهم

" إن الحيوش لا فائدة فيها إلا للفئة الغالبة ، وإنها مضرة جد الضرر بالمجموع ، لأنها سبب استرقاقهم ، والنظام العسكرى الذى تقدسه الحكومات هو أكبر جريمة يمكن للإنسان ارتكابها ، ودليل واضح على سوء نيات الحكومة بالشعوب . لأن هذا النظام العسكرى مميت للعقل والحرية ، وليس له غرض سوى تأهيل الشخص لارتكاب الجرائم التى يأبى أن يرتكبها أى إنسان وهو فى حالته الطبيعية ، وإن الجيوش ليست ضرورية حتى فى أوقات الحروب ، إذا كانت الحرب حربا دفاعية ، كما حدث فى البوير أخيرا ، وإنما كان الغرض من هذه الحرب ما أظهره غليوم الثانى من ارتكاب الجرائم وقتل الإخوان .

تقولون لنا أيها الحكوميون ، إنه لولاكم لغزتنا الأمم المجاورة ، ولكننا نتصفح الصحف فلا نجد ما يؤيد كلامكم ، وإنما أنتم - لأسباب تخفونها علينا - يكيد

بعضكم لبعض ، حتى تدفعوا بلادكم إلى وهدة الخراب . بما تجمعون من الضرائب لإنشاء الأساطيل وعمل الأسلحة ، مدعين أنكم لا تفعلون ذلك إلا لحمايتنا ، والله يعلم أنكم لا تقصدون إلا أن ترضوا مطامعكم وغروركم .

" يقول البعض إن الحكام كاللصوص ، للصوص عصابتهم ، وللحكومة الجيش ، ولكنى أشفق على اللصوص من هذا التشبيه الظالم ! فاللص لا يلزم أحدا بالإنضمام إلى عصابته ، ولكن الحكام يلزمون الناس بالاندماج فى جنديتها ، واللص لا يسرق إلا الأغنياء ولكن الحكومة لا تتصدى إلا للفقراء ، وتحابى الأغنياء الذين يساعدونها على ارتكاب الجرائم ، واللص شجاع يقامر بحياته . ولكن الحكومة تتعمد التضليل بالشعب للوصول إلى ما ترمى إليه ، فتفسد عقول عدة أجيال متعاقبة بواسطة التعليم الفاسد .

" إن الحكومات ، لا سيما هذه التى تعتمد على جيش رابض ، هى أضر هيئة نظامية بالناس ، لأنها عبارة عن

خضوع فئة كبيرة لفئة أقل منها ، ثم خضوع هذه الفئة إلى من هى أقل منها ، وهكذا .

" وإنى لا أنصح أحدا بالالتجاء إلى العنف فى هدم الجيش وإلغائه فما استعمال القوة إلا درء للشر بواسطة شر مثله ، ولا يمكن أن يؤدى العنف إلى تحرير الناس ؛ وإنما إلغاء الجيش يكون بأن يفهم الناس أنه ليس من الضرورى أن يحمى الناس بعضهم بعضا ، إذ لا عداوة بين الناس غير ما توجده الحكومات بينهم ، وإن الجيش لا فائدة فيه إلا للفئة الغالبة " .

كان هذا هو رأى الفيلسوف الكبير " ليو تولستوى " وهو رأى ذكرنا به موقف صدقى باشا بالنسبة للجيش المصرى وطريقة تسليحه وقد وجد الزعيمان إزاء هذه الآراء معارضة قوية . ولكنهما وقفا موقفا جريئا وشجاعا ، رحمهما الله

اشترك في نشرتنا البريدية