الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 948 الرجوع إلى "الرسالة"

بين طه حسين وعبد الرحيم محمود

Share

في شهر مارس الماضي اشتدت العلة بالأستاذ عبد الرحيم محمود  ولازم الفراش رغم انفه وهو الذي كان لا يطيق الجلوس ساعة  كاملة في مكان واحد ولا يدركه المرض إلا وهو سائر في الطريق  أو جالس بين أصدقائه يلعب الشطرنج أو غارق بين الأسفار القديمة  يحقق لفضا لغويا ويغادره المرض أو يلازمه من غير أن يعيره  اهتماما أو يمنحه أنة أو شكور إلى أن تكاثرت عليه العلل  وقهرته فاستسلم لها ولكن بقدر فكان إذا غربت الشمس يأخذه  الحنين إلى أصدقائه فيخرج متوكئا على كتفي إلى أن نجد سيارة  حتى لا يحرم نفسه لذة الجلوس بينهم والنظر إليهم حين يلعبون  الشطرنج وساعتئذ ينسى أدواءه وكأنه طلقها ثلاثا ولكنه  إذا رجع إلى منزله بعد منتصف الليل وجدها تحت فراشه  فيستسلم لها مرة أخرى.

وقد إضطرته قسوة المرض إلى الإكتفاء من قراءة الصحف  بعناوينها اللهم إلا إذا جاءته أوراق من مطبعة المعارف من أحد  كتب معالي الدكتور طه حسين باشا فإن جسمه ينشط وينسى  المرض حتى يأتي عليها.

وكان حريصا على إخفاء مرضه عن صديقه الدكتور طه لئلا  تنقطع عنه هذه الأوراق أو يكون سببا في إيلامه وإزعاجه،  ولكن حين رأينا اشتداد العلة عليه اتصلنا في صباح يوم ٨ من  ابريل بمنزل معاليه على غير علم منه وأخبرناه بحالته فكان  أول عمل له في هذا اليوم الاتصال بالمستشفيات والأطباء، وفي  الساعة الثالثة مساء فوجئنا بهيئة مكتب معالي الوزير تقتحم  منزل الأستاذ عبد الرحيم وفي مقدمتهم الأستاذ فريد شحاتة  وأركبوه قهرا في سيارة خاصة ذهبت به إلى المستشفى ومكثوا معه  إلى ساعة متأخرة من الليل. وفي الليلة التالية حضر معالي  الدكتور لزيارته في المستشفى فعانقه وقبله، وقد اغرورقت عيناهما  بالدموع وأبى معاليه إلا الجلوس على كرسي خشبي بجوار فراشه،

وبعد ان هدأت نفسه أراد أن يسرى عن نفس صديقه المريض  فسأله عن صحته فقال الأستاذ عبد الرحيم: إنني لا اشعر الآن  بمرض بل بوافر الصحة وكيف أحس بالمرض ومعالي الدكتور

وزير المعارف بجانبي؟ فقال معاليه: لا تقل هذا ولكن قل:  إن الشيخ طه حسين يزور صديقه وزميله الشيخ عبد الرحيم.

ثم أخذا يتبادلان بعض الفكاهات الأدبية وكان ختامها  وصية الدكتور له بعدم مغادرة المستشفى حتى تكتمل صحته فقال  الأستاذ عبد الرحيم: إني لا أخرج من هنا حتى تكون صحتي  مثل الحصان، فضحك معاليه وقال: بل أريد ان تكون صحة  الحصان مثلك.

ولم تنقطع استفسارات معاليه عنه يوما واحدا حتى سافر إلى  أوربا وكان لا يطيق غياب سكرتيره الخاص فريد شحاتة ولا يغفره  له إلا إذا كان في زيارة الأستاذ عبد الرحيم ويحاسب هيئة مكتبه  إذا قصر أحدهم في زيارته ويسأل كل زائر له في المكتب يكون له  بالأستاذ صله عن صحته.

وقد كان عليه رحمة الله - أحب شخصية إلى قلب معاليه  لا يمل مجلسه ويستزيده منه، ويخصه بالإقبال عليه مهما عظمت  شخصية زائريه.

وقد ذكر لي الأستاذ يوما أنه بعد نجاح الدكتور طه في الدكتوراه حضر إليه في  منزله ليقدم له الشكر على معاونته ومجهوده  فقال له الأستاذ: إنني لا أريد شكرا بيننا. وبعد أكثر من ثلث  قرن ذهب عبد الرحيم إلى منزل معاليه ليشكره على مجهوداته  في مصلحه خاصة له فقال معاليه: لقد اتفقنا على ألا شكر بيننا

فأين ذلك الشاعر الذي سمع بالوفاء منذ القدم وأتعب نفسه  بالبحث عنه بين الناس فلم يجده لأدله على مكانه وموضعه وأشير  له إلى معالي الدكتور طه حسين باشا حتى يريح نفسه ويريحنا  من قوله:

سمعت قديما بالوفاء و ليتني    علمت على الأيام أين وجوده

اشترك في نشرتنا البريدية