قرأت في العدد الفائت من (الرسالة) كلمة للأستاذ محمود الشرقاوي عن المغفور له الأستاذ عبد القادر حمزة باشا
وأنا موافقة على كل ما ذكر للفقيد الكبير من خلال طيبات لمستها كما لمسها في أثناء اشتغالي معه في البلاغ من سنة ١٩٢٨ إلى سنة ١٩٣١؛ وفي خلال السنوات السابقة واللاحقة لهذا العهد وكنت فيها جميعاً على صلة طيبة بالراحل الكريم. . .
وقد بعثتني هذه الصلة العزيزة إلى رثائه شعراً على صفحات البلاغ وأنا في سرير المريض ممنوع من الجهد والتفكير؛ إلا أن ذكر حقوق الراحلين لا يجوز أن يحملها على غمط حقوق الأحياء وطمسها أمام التاريخ، فالظلم ظلم للموتى وللأحياء سواء. . . يقول الأستاذ الشرقاوي في موضع من كلمته القيمة: (ذلك الصراع الذي قام به عبد القادر حمزة وحده مواجهاً به ومتحدياً أقوى حكومة. . .) . ثم يقول في موضع آخر: (ولكن عبد القادر حمزة ظل يكافح في كل يوم وحده حتى نخر الجبل الشامخ الراسخ. . .)
وكلمة (وحده) هي الكلمة التي تجاوزت حد الحق، فالراحل الكريم قد صنع في هذا الكفاح الذي يشير إليه الأستاذ ما يصنع أصحاب الرأي الأبطال، وقد كلل جهاده بنجاح سيخلده تاريخ مصر السياسي وتاريخ الرأي والعقيدة؛ ولكن يجب أن نذكر أن هناك قلماً آخر صنع الأعاجيب في هذا النضال وعلى صفحات البلاغ أيضاً وفي نفس هذه الأيام ذلك هو قلم العقاد الجبار
بل لقد كان ذلك القلم هو أول قلم حمله صاحبه في وجه (ديكتاتورية الرأي) قبل أن يأخذ البلاغ موقفه في جانب المعارضة الصريحة أيام وزارة نسيم باشا، وفي وقت لم يكن أحد - غير العقاد - يجرؤ على اتخاذ هذا الموقف المخيف في جريدة روز اليوسف اليومية.
أما اجتماع القلمين على صفحات البلاغ بعد هذا بعام فقد وضع النهاية التي انتهت إليها المأساة. ولست أدري: أن كنت اليوم بعد انقضاء هذه الأيام بخيرها وشرها في حل من نشر شيء من أسباب التمهيد لاجتماعهما لم يعلم به كلاهما
كان العقاد قد ترك البلاغ وفي نفسه شيء زادته حوادث وقعت بعد خروجه، كما جعلت شيئاً في نفس صاحب البلاغ. وكنت أرى أن المعارضة لا تجتمع لها قوتها كاملة حتى
يجتمع هذان القلمان في ميدان: هذا قلم يحطم ويزلزل كالصواعق والأعاصير، وذلك يجادل ويحاور ويجمع الحجج الدامغة والأسانيد المفحمة ويسدد الضربة في الصميم.
وفي يوم كنت عند العقاد فقلت:. . . (ولم لا ترجع الآن إلى البلاغ؟) قال بكبريائه الشامخة المعهودة: (وهل أنا الذي تُطلب مني العودة؟) قلت: (إن صلتي بصاحب البلاغ تسمح لي أن أصنع شيئاً) فقال بحدة وكان قد لان عند السؤال الأول: لا. لا تصنع. فمهما كانت صلتك بصاحب البلاغ فإن صلتك بي أقوى. وسيقال: إن العَرض جاء من جانب أحد أصدقائه)! وانصرفت وفي نفسي أن الموقف يحتم اجتماع القلمين وأن لا بد لهما من الاجتماع؛ وبقى أن أتفادى غضب العقاد
فتركت أياماً قليلة تنقضي وزرت الراحل الكبير في جريدة البلاغ في المساء حيث تكون في مأمن من مشاغل العمل ودار الحديث عن المعارضة ووجوب تنظيمها وتوجيهها، وانسللت من هذا إلى أن أقول: (ولكن هناك قوة معطلة عن العمل وهذا وقتها) فقال: (تعني الأستاذ العقاد؟) قلت: (نعم) قال: (ولماذا لا يعود؟ أن البلاغ وكره القديم!) قلت: ولكنك يا سيدي تعرف العقاد وتعرف أنه مغضب من البلاغ ولابد من شيء من جانب البلاغ) قال - رحمه الله - (إنك صديقه وأنت واحد كذلك من أسرة البلاغ وأنت مفوض مني في قول ما تقول للأستاذ وفي صنع ما تراه باسمي) .
وتذكرت - حينئذ ما سيلقاني به العقاد وما سيظنه بي من الظنون، وخفت أن تفسد الحيلة وأبديت هذه المخاوف للرجل العظيم، فابتسم وقال: (وهو كذلك، دعني أتصرف) وتصرف بالفعل، واجتمع القلم الجبار والقلم الرصين على صفحات البلاغ. ذلك طرف من التاريخ أذكره، وصورة ذلك العهد حية ماثلة في نفسي وفي نفس كل من تتبعوا ذلك الصراع العجيب في تلك الأيام

