الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

بين فاجنر ونيتشه

Share

_ ٢ _

_ ٣ _

فتور وقطيعة

لم تدم الأزمة المالية لمشروع إنشاء مسرح بيروت طويلا ، فقد طلعت البشري في فبراير عام ١٨٧٤ بأن العقبات التي كانت تقف في طريقه قد ذلك ، وان للشعب الألماني أن يستعد لهذا الحدث الجليل في تاريخ الأوبرا في ألمانيا ، وسرعان ما تلقى نيتشه دعوة حارة من فاجنر وكوزيما كليهما للحضور إلى بيروت . ولكنه رفض أن يذهب انئذ ، وبدلا من ذلك رحل إلى قرية صغيرة في أعالي الألب لتمضية شهر يوليو .

لم يغضب فاجنر هذه المرة كما غضب في المرة السابقة ، لأنه ربما كان قد بدأ يفهم نيتشه أكثر مما يتصور هذا الأخير . ولكنه كان على يقين من أن نيتشه سيأتي . وهذا ماحدث . ففي أغسطس قدم نيتشه بصحبة أخته إلى بيروت ، واستقبلهما آل فاجنر محرارة فائقة ، ولكن نيتشه كان متحفظا بعض التحفظ .

وهناك حدث بين العبقريين سوء تفاهم جديد . ففي الربيع من ذلك العام كان نيتشه قد استمع إلى " أغنية النصر لبراهمز ، واحتفظ بنسخة منها . وكان نيتشه يعرف التعارض التام بين فاجنر وبراهمز ونفور الأول من موسيقى الاخير . ولكن بالرغم من هذا فقد وضع نيتشه عمدا مقطوعة براهمز ذات يوم على البيانو حيث كان لابد لفاجنر أن يراها كلما حل بالغرفة . فقال فاجنر لإليزابيث بعد حين : " إني أعرف تماما أن نيتشه كان يريد أن يقول لي : انظر ! فهاهنا موسيقي آخر بإمكانه أن يكتب شيئا يستحق الالتفات لقد احتملت منه هذا إلى أقصي ما يمكن أن يحتمله صبري ،

ولكني لم أتمالك نفسي ذات مساء فانفجرت فيه غاضبا . وكم كان غضبي آنئذ

أجل . فحينئذ اكتسي وجه نيتشه فجأة بالاحمرار وحملق في فاجنر الغاضب بعينين كسيرتين تصوران كبرياءه المهينة . هذه واقعة غريبة . فهناك كائنان متعصبان ، لكل منهما مزاج مختلف كل الاختلاف ، يقف كل منهما في وجه الآخر : أما فاجنر فأسرع وأنشط وأكثر اندفاعا ، يترك للسانه العنان ، فيقول باندفاع ما يتراءي له دون تدبر أو تحفظ ، وبلغة خشنة أحيانا ؛ بينما نيتشه يملك زمام نفسه دائما ، أو بمعنى أصح ، لا يدري ماذا يقول في أمثال هذه المواقف وماذا يفعل . فهو لا يعرف التنفيس عن نفسه إلا بالكتابة . . الكتابة فقط . ولهذا فقد زال تأثير الحادث من نفس فاجنر في الحال ، ولكنه بقي في نفس نيتشه وقتا أطول .

غادر آل فاجنر بيروت في أوائل عام ١٨٧٥ في رحلة موسيقية طويلة استغرقت أكثر من العام . وعندما عادوا في منتصف عام ١٨٧٦ استحثوا نيتشه بخطاب أن يأتي إلى بيروت . وسرعان ما لبي الدعوة هذه المرة . وهناك شاهد جزءا من The Ring لأول مرة على مسرح بيروت في أغسطس من نفس السنة . في هذه الأثناء كان فاجنر مشغولا جدا بحيث إنه لم يجد متسعا من الوقت للتحدث باستفاضة إلى نيتشه . ويصح القول أن نيتشه نفسه كان يتجنب فاجنر ويتحفظ معه . وفي هذا تقول اليزابيث ، اخت نيتشه : إن فاجنر لم يأل جهدا في إحاطة نيتشه بكل ضروب الاحتفاء والتكريم والتمييز ، ولكن نيتشه كان يتجنب كل هذا التشريف كلما واتته الفرصة .

وقبل نهاية الشهر عاد نيتشه إلى بال دون أخته . وعندما ودعها قال والدموع في عينيه : " أوه . . هذه هي بيروت  "

ورحل نيتشه إلى سورنتو بجوار نابولى ، في أواخر أكتوبر . ولدهشته العظمي ، وربما لروعته ، وجد آل

فاجنر قد سبقوه إليها . ولكن ، وإن كان نيتشه قد شعر بالحيرة والأرتباك فقد بدا فاجنر بشوشا مبتهجا ممتلئا بالثقة وميالا إلي المناقشة كما كان في الماضي . وفي الحق أن نيتشه كان يري في قوة فاجنر وحيويته الدافقة ) إقلافا وإضجارا له ، وكان يشعر علاوة على ذلك بالكظم الدائم الذي كان يفرضه تعارض وجهتي نظر كل منهما خوفا من التصادم . وفي ذات عشية ، قبيل رحيل فاجنر عن سورنتو ، كان يمشي الرجلان على الشاطئ . وبدأ فاجنر يتكلم عن Parsifal وهو العمل الذي كان آخذا فيه حينئذ ، وجعل يشرحها ويعبر عنها في طريقة درامية يعرفها نيتشه جيدا ، تكلم عنها على أنها ليست فقط tost de force، بل تجسد لتجربة حيوية مبنية على المواقف السيحية وانفعالاته في حياته الخاصة : كالندم والكفارة . التي كانت تدخل في النسيج الحي لدرامته . وبينما كان فاجنر يتحدث كان الظلام ينشر أستاره على الكون والضباب الرقيق يغزو الشاطئ من البحر ، وكان نيتشه يستمع صامتا في ضجر حتى لاحظ فاجنر بروده وجموده . . حينئذ انتحل نيتشه عذرا واستأذن من فاجنر واختفي هاربا في الظلام ، مغنما وحيدا . ولم ير نيتشه فاجنر مطلقا بعد هذا المساء .

وبقي نيتشه بسورنتو حتى مايو عام ١٨٧٧ . وعندما غادرها كان في الحقيقة قد أنهى صداقته بفاجنر . ولكن الأخير لم يكن على علم بهذه القطيعة ، وهو لهذا قد أرسل إلى نيتشه نسخة من بارسيفال في أوائل العام التالي . ولكن نيتشه لم يكاتبه في صددها ، ولكنه بدلا من ذلك تحدث إلى الآخرين عنها دون تحفظ وبالرغم من إقراره بقوتها الشعرية فقد قدر لها الفشل كدراما وكموسيقى.

وفي أثناء ذلك كان نيتشه قد أصدر كتابا  Human all  ١٠٠ human) يهاجم فيه فاجنر هجوما عنيفا ، مما جعل عودة المياه إلي مجاريها بين الرجلين مستحيلة جدا .

عندما توفي فاجنر في ١٣ فبراير ١٨٨٣ وتلقي نيتشه خبر وفاته ، كتب إلى صديق له يقول : " اني اعتقد

حقا أن موت فاجنر كان التنفيس الأعظم الذي يمكن أن يقدم إلي في الوقت الحاضر . وإنه لمن الصعب أن يكون الشخص خصما طيلة ستة سنوات لرجل كان يحترمه جدا ؟ فلست ممن صنعوا لأمثال هذه الخصومات . . لقد تحققت في الصيف الماضي من أنه قد أخذ الشعب الألماني جميعا " .

ولكن مع اختفاء فاجنر من حياة نيتشه لم يكف الأخير عن شن الحرب عليه ؟ ففي عام ١٨٨٨ أصدر كتابا أسماه " قضية فاجنر " ثم أتبعه بآخر أسماه " نيتشه ضد فاجنر " وكان آخر شئ كتبه في حياته .

ولا يحوي الكتيبان شيئا جديدا من فاجنر كفنان ، ولكنهما يلقيان بعض الضوء على نيتشه نفسه . لقد أراد نيتشه إسقاط فاجنر ولكنه بدلا من ذلك لوث نفسه بالطين . ولنأخذ لذلك مثلا ، فعندما كان نيتشه يحاول قلقا إقناع الألمان بضرورة قبول موسيقى فاجنر الجديدة ، تساءل فجأة ؛ " وهل كان فاجنر ألمانيا بالمرة ؟ . . لقد كان والده ممثلا يدعي Oeyer ثم وضح هذا الالتواء في مكان آخر : إن فاجنر ليس مخلوقا شرعيا ، وإن الدم اليهودي يجري في عروقه . ) الأسم Oeyer من الأسماء اليهودية ( . لقد طالما توقعت هذه النقطة ، ولكن الاعتبارات الرئيسية بسيطة سهلة . فقد كان فاجنر صغيرا عندما توفي أبوه . وتزوجت أمه مرة أخرى ، وكان زوجها الثاني هو الممثل " جبير " الذي ذكره نيتشه . وكان فاجنر مغرما بزوج أمه الذي أعطاه اسمه ولكن ، ليس هناك ما يدعو إلي الاعتقاد أن أمه لم تكن وفية لزوجها الأول أثناء حياته ، وهو من جهته لم يكن يشك مطلقا في أبوته لابنه . فإذا كانت أم فاجنر وزوجها الأول عندهما أي شك من هذا القبيل ، فلم يكن لأحدهما أن يذكره للغلام . وإذا لم يكن عند فاجنر أي علم بولادته غير الشرعية ، فكيف يعلم بذلك نيتشه ؟ ! ولهذا نجد أن هذه الحرب التي شنها نيتشه علي فاجنر بعد موت الأخير بخمس سنوات لم تكن لتليق بفيلسوف مثله له ما كان له من روح أرستقراطية نبيلة .

ولكن ، لماذا كان هجوم نيتشه على فاجنر هكذا قاسيا وطويلا وشخصيا ؟ .

يتركز السبب غالبا في السحر القوي الذي كان يفرضه

الثاني على الأول . ولكن لماذا كان التعارض بمثل هذه القسوة وهذه الشدة ؟ ما هو أساس الخلاف .

ليست الإجابة على هذا السؤال بسيطة . فهناك ، فضلا عن العوامل الصحية وتعديل وجهة نظر نيتشه في الموسيقي عوامل كثيرة . فكما رأينا هناك اختلافا في المزاج ملحوظا بين الرجلين : فأنانية فاجنر الزائدة كانت تتطلب من الآخرين انقيادا تاما كليا له . وهذا الانقياد التام الكلي لا يتفق وطباع نيتشه . فكان مما يثير فاجنر هذه الصلابة التي كان يبديها نيتشه نحوه . ولهذا كتب على الرجلين أن يتصادما بين حين وآخر

ولكن أمثال هذه الخلافات ، بالرغم من أنها كانت تؤدي إلى الاحتكاك وسوء التفاهم أثناء أي نقاش عادي ، لم يكن لها أن تتسبب في عداء دائم مستحكم كالذي حدث فعلا ، فلا بد إذا من سبب آخر .

في حالة نيتشه يوجد عامل معقد من الغيرة : الحقد والحسد بمعناهما العادي الشائع الذي يشعر بهما المخفق نحو المتفوق . وبالرغم من أن هذا العامل لا يوضح الموقف كثيرا فلا يمكن إهمال أهميته على أي حال .

لم يكن من السهل أن يقبل فاجنر آراء نيتشه في الحياة والفن ، ومع هذا فهو قد انتهى بعد نضال عنيف إلى النجاح الذي لا يعلوه نجاح وجذب نحوه لا العامة فحسب كما كان يعتقد نيتشه ، ولكن الخاصة المختارين وذوي الرؤوس المفكرة والجمهور الفني في ألمانيا وفرنسا وروسيا ، حتى غدت بيروت ملتقي الملوك والأمراء جميعا .

ثم إن نيتشه لم يتمكن قط من التغلب على المتاعب التي كانت خليقة أن تضايقه أثناء مروره من الصبا إلي الرجولة ومن الحماية إلى الحرية . ) لقد عاش نيتشه دائما تحت تأثير نسوى خالص ؛ فهو إذ توفي أبوه وتركه صغيرا ، عاش مع والدته وأخته حينا ، ومعهما وعمته أحيانا اخري ( موقفه من عائلته سلبيا جدا ، واستمر على سلبيته دائما ، فجاء استقلاله هذا المنفوس مع كتابته الذاتية بحيث جعلاه ينكر أن يأخذ مكان النابع من فاجنر . ولما كان نيتشه غير متمكن فعلا من إقناع العالم أنه ايضا رجل عظيم ، فقد سلك سلوكا عدائيا وهاجم هذا الذي كان يقف خلفه ويحجبه عن الناس . لقد هاجم نيتشه فاجنر ) كما هاجم المسيحية والأخلاقيين والفلاسفة وقواد العالم الجديد والسياسيين ( ليس فقط لأنه

لم يكن متفقا معه ، ولكن لأن الشعب الألماني ، المتعلم فيه والجاهل على السواء ، كان يقدسه ويؤلهه . وإذ لم يحتمل نيتشه أن يكون أخا للملك فقد مار عليه متمردا وله عدوا .

ثم يأتي أخيرا هذان العاملان اللذان أشرنا إليهما منذ قليل : صحة نيتشه وتعديل وجهة نظره في الموسيقى . وكان نيتشه عندما دعا شوبنهور : " أبي ! " تشاؤميا كما كان فاجنر . ولكن ما إن دب فيه المرض حتى ثار علي التشاؤم شوبنهور واعتنق مبدأ " الحياة ، فكان المرض شاحذا لإرادته موجبا إليه الشجاعة دافعا به إلي توكيد حياته ، بالرغم مما كان ينتابه طول حياته من الام في الرأس والعينين والمعدة ، فقد كان ضعيفا مريضا ، لا يكاد يبل من مرض حتى يعود إليه ، ولا يكاد ينجو من علة حتى تغزوه اخري . ولكنه كان ينكر على المريض أن يكون متشائما ، ومن ثم أنحصر تفكيره في نقد القيم الاخلاقية والدينية والانتهاء بوضع " إرادة القوة " في المحل الأول .

هنا دب الخلاف بينه وبين فاجنر . وفي " نيتشه ضد فاجنر ، نجد نقطة الضعف الأساسية التي كانت تزداد وضوحا في إنتاج فاجنر . وقد وصف نيتشه هذه النقطة عندما قال إن فاجنر يسبح دائما ولكنه لا " ينتقل " أو بمعنى آخر هناك حقيقة العالم المنظور وحقيقة العالم غير المنظور ، وفي الأعمال الفنية الكبيرة هناك درجة " انتقال " بين إحداها والآخري ، ولكن ليس عند فاجنر غير الحقيقة الثابتة ، وهي مجموع المسرح والممثل الذين لا يتصلان أي اتصال بالحقيقة غير المنظورة . فإن المسرح لعظيم ، وإن الممثلين لعظماء ، ولكن ليس هناك أي اتصال بين هذه العظمة الخارجية والحقيقة غير المنظورة ، ولاشك أن لها مكانا ودلالة في مجموع الأشياء ، ولكن لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون تعني أن كل ما ليس متصلا " بغير المنظور " مصيره الموت والفناء .

ولكن . . برغم ما كان بين نيتشه وفاجنر من عداء مستحكم لم يتهالك الأول أن قال برقة عندما رأي صورة لفاجنر في لحظة من لحظات جنونه الأخيرة - جنون نيتشه - : " كم أحببته " !

اشترك في نشرتنا البريدية