الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الرابعالرجوع إلى "الرسالة"

بين كرامة الثقافة، وضآلة المهنة

Share

فى العالم الأوربى والأميركى ملايين المثقفين الذين تلقى بهم  المقادير مكرهين - إلى المهن الضئيلة فى غير رفق ولا رحمة فلا يقال إن العلم بذلك قد أهينت كرامته وانتهكت حرمته، لأنهم  يفهمون العلم على أنه سبيل الرجولة التى تدفع بصاحبها إلى الضرب  فى زحمة الحياة فى غير تردد أو تبرم حتى يساهم فى الإنتاج وقد  أنف من أن يعيش حميلة على غيره .. أما نحن فنفهم العلم على أنه  الوسيلة إلى المكاتب الفخمة والمراوح الجميلة والأبهة المرموقة  والفخفخة المغبوطة، ولذلك أصبحت للعلم فى مصر كرامة "محلية" خاصة بهذا البلد التعس ينبغى إن ذكرتها أن ترفق بها، وألا تشتد  عليها وإلا فقد أدميتها بشدتك وآذيتها بقسوتك..!

هذا الترفه فى مظاهر الحياة آية الأمم عندما تدب إليها الشيخوخة ويمضى عهد شبابها. ولست أجد شاهدا على صدق هذا أعدل من الدولة الرومانية التى أصابت فى عهد فتوتها من الغنى والثراء والأسرى ما أدخل الغرور إلى نفوس أبنائها، فمالوا عن فلاحة الأرض واستثمارها، وجنحوا عن الاشتغال بالجندية إلى اللهو والترف، فلم يغن عنهم مالهم وعبيدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعلومهم. وارتج عرش دولتهم أمام القبائل المتوحشة من الصقلب والكلت والجرمان. وما لبث التاريخ أن شهد مصرع الدولة العظيمة ومجدها يتوارى، وعزها يغرب، وجلالها يميل إلى الانحدار..!

نعلم أن من طبيعة المجتمع أن يحن إلى الكمال، وينزع إلى  المثل الأعلى، ولا يقيم على حب "الواقع" فيطمح إلى ما ينبغى  أن يكون. ولا أكاد أشك فى أن المجتمع لا يسعه أن يحقق مثله  الأعلى كما ينبغى أن يحقق إن ظلت المهن التافهة مقصورة على الأميين والجهلة. لأن جمودهم الذهنى وظلامهم العقلى يحولان دون  تطور هذه المهن وتدرجها إلى الكمال .. هكذا حدثنا تاريخ الزراعة  فى مصر .. شغل بها الجهلة ومال عنها المثقفون من طلاب الزراعة  الذين انطلقوا كلما أتموا دراستهم يبحثون عن وظيفة يظفرون فيها  بالمكتب والمروحة وما إليهما من راحة ونعيم .. فكانت النتيجة  أن الفلاح المصرى ما زال يستخدم من الآلات ما كان يستخدمه  أجداد أجداده الأولين. ولو مارس المهنة المثقفون من طلاب  الزراعة لتطورت على أيديهم وسارت إلى الكمال بين الحين والحين.  وبدت آياتها فى شتى مناحيها، ولكن هؤلاء قد جهلوا أن غاية العلم

تنحصر فى "خدمة المجتمع". ولست فى شك من أن السائح الذى  يرى معالم النهوض تبدو فى مصر واضحة فى العمارة والعلم والفن  والاقتصاد، ثم يشهد الانحطاط الذى يدب فى مهنة الزراعة عندنا  سيأخذه الذهول والعجب ... إذا أردنا أن نحقق للمجتمع مثله  الأعلى الذى ينشده ويحن إلى تحقيقه فلنعد إلى شتى طبقاته ونوجد  بينها التعاون الفكرى ليوجد التوازن فى التطور الذي يعم الحياة  ويسود مرافقها ...

وأظن أن المجتمع يحسن إلى نفسه كثيرا إن هو غير نظرته  إلى المهن التافهة، لأن الاحتقار الذى يصبه الناس عليها يباعد بينها  وبين رغبة المثقفين فى الاشتغال بها.. كان توماس كارليل يتغنى  بالبطولة ويناشد الإنسانية عادة أصحابها وإجلال شأنهم. فما  تاريخ الإنسانية فى زعمه الا تاريخ العظماء من أبنائها..! ولكن  سبنسر يقول إن البطل يبني عظمته على حساب من يبخل عليهم المجتمع باحترامه ... فمن جهاد الجندي المسكين استعار القائد عظمته  ومن شقوة العامل المعذب استمد الثرى راحته. فمن الظلم والجور أن نقول أن تاريخ الانسانية بأسرها تاريخ العظماء من أفرادها.

ولكن الانسانية قد بدأت تكفر عن سيئاتها حين هبت  تحيي الجندى المجهول - فى ميدان الحرب - وترفع من  شأنه وتجل من ذكره، وقد بقى عليها أن تمضى إلى إجلال الجندى  المجهول في ميدان السلم، إذ ما زالت تعيش على عرق جبينه  فى الكثير من مناحى حياتها. وأكبر ظنى أن هذا الإجلال الذى  سيظفر به الجندى المجهول قبل أن يواريه التراب خير ما يمهد  للمثقفين الطريق إلى الاشتغال بالمهن الضئيلة.

تساءل صامويل سمايلر: أيهما يخفض أو يرفع من شأن الآخر:  آلمهنة أم الإنسان ..؟ إنما يرفع من شأن المهنة التافهة ناضج  الفكر سليم العقل، وكأنما تستعير المهنة من جلاله جلالة، ومن  رهبة مكانته قداسة .. وهذا بالإضافة إلى نتاجها الذى سيربو  ويزداد على يديه .. واعتبر عكس هذا فى المهن الرفيعة العالية يوم  يشغلها من ليس أهلا لها.

ولا ينبغى أن نخشى على عبقرية المثقفين أن تنزوي وتفنى فى تفاهة المهنة، فان العبقرية الصحيحة لا تستكين لظلم الزمان ولا  تخضع لحكم القدر، وان آياتها لتبدو وتلوح ولو كرهت ظروف  صاحبها وعملت على طمس معالمها. فاتركوا المثقفين يعملوا  ويضربوا فى زحمة الحياة حيثما ألقت بهم المقادير، والجهاد خير محك  للعبقرية وأصدق ميزان لها.

اشترك في نشرتنا البريدية