الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

بين مريض وطبيبه

Share

حدثني صاحب قال : أصيبت عيناي منذ شهور ما جعلني أفزع إلي طبيب العيون . وكانت الإصابة خطيرة غير مأمونة المواقب . فرأيت بدلا من التسكع بين ( العيادات ) القريبة والتردد على ( المعارف ) من الأطباء ان أسلك أقرب الطرق إلي الغاية المنشودة بأن اعمد إلي أبرع اطباء العيون في القاهرة حتى لا تبقى في النفس رعبة إلى سماع فتاوي المفتين بعد ان يقول ( مالك العيون ) كلمته في الموضوع وجعلت أسأل عن هذا الطبيب ( الأبرع ) حتى عرفته فقصدت إليه . وانتظرت في اروقة داره ما شاء الله لي انتظر . ولما جاء دوري للمثول بين يديه أجلسني تجاهه على مقعد لا ظهر له وسألني عما أشكوه فقلت :

- ستار مغيش أزله الزمان بين عبني وبين المرئيات البعيدة ، فهو يكاد يحجبها عنى حتى اقترب منها أو تصير على قيد باع مني أو ذراع . فقال لي الطبيب : افتح فمك !

فأمسكت جفني بأطراف أصابي وأزحتهما عن مقلتي - صنعت ذلك وأنا واثق ان لسانه زل حين طلب إلي ان افتح فمي لابي اعلم انه طبيب عيون وانه لا دخل له في طب الأسنان . ثم أني لم أقصد إليه شاكيا من أني أري الطعام فلا استطيع أن آكله . ولكني شكوت له أني أجد الأشياء أمامي فلا استطيع أن أراها رؤية حسنة ولكنه قال : فمك . فمك ! فإني أريد أن أري أسنانك أولا !

فشعرت بفعي بتفتح ولم ادر إن كان ذلك من الدهشة ، أو انصياعا لأمر الطبيب . وتحس الرجل لثتي وفحص أسناني . ثم قال : - إني لا أجد في فمك سببا للشكوي ؛

قلت : ألم أقل لك باسيدي إن فمي بخبر . وإني ) إنما أشكو من عيني ؟ . قال : فما بال أمعائك ومعدنك ؟ . قلت : سبحان الله في طبعك ! إن أمعائي خير من فمي ومعدتي أحد من أضراسي . فدعهما وخذ سبيلك إلي عيني

فهدأ على الرجل انه لم يرتح إلى قولي ، ولكنه تحامل على نفسه وتصاير على اعتراضي . ثم قال في هدوء :

- أمثال شكواك قد يكون مردها إلي وعكة في الأمعاء وما مثلي معك إلا كمثل الصياد الذي يبدأ بخيط اطراف الماء حتى يحصر صيده في المكان الوسط الذي يريد آخر الأمر ان يمد يده إليه فيمسك فيه بقتيصته ، فدعي ادبر امري كما اري ، واصبر ولا تكن من المتعجلين . فغصت في مقعدي الجامد الذي اجلسني عليه . وقد استحييت من نفسي وما يدر من خفني وتدخلي فيما لا يعنيني اقصد فيما لم يكن ينبغي لي أن أتدخل فيه

فمد الرجل بعد ذلك يده وتحسس ظاهر عيني وقلب جفنيهما ونظر فيهما ثم وضع لي في كل عين قطرات باردة فتحت له مصاريع أحداقي فسلط على قاع العين من أضوائه الكشافة ما مكنه من أن يجوب بمنظاره في جنبانها ويتقلب بين ارجائها باحثا منقبا عن موطن الداء . وكانت له في كل ركن رفقة وبكل زاوية سكون وطال تجواله واشتد أثر النور الساطع على اعصابي حتى أذاني وهو يذرع عيني من اقصاها إلي اقصاها بآلاته الدقيقة حتى حسب انه اهتدى إلى ما يبحث عنه فخلاني بعد أن وضع في عيني نقطا أخرى ليغلق من خلفه المصاريع المفتحة . ثم اتخذ مكانه تجاهي واطرق .

ورابني أمره ولكني احتفظت بتفاؤلي . فقلت : - الحمد لله على السلامة بعد هذه الرحلة الشاقة فرفع رأسه ولم يزد على أن ابتسم في وجهي

فعدت أقول له : خيرا إن شاء الله . فقال : لقد وجدت في البللورية منامات  مبكرة قلت : مرحبا بالضيف ما دام يلتزم آداب الزيارة ! قال : وما آداب الزيارة ؟ . قلت : أن يقيم الضيف أياما ثم ينصرف إلي أرض الله الواسعة

قال : نعم الضيف من يفعل ذلك قلت : ماذا تريد أن نقول ؟ . قال : إن هذه الحال التي تشكوها مما لا يعرف لها الطب علاجا بعد . ولكن هناك دعاية واسعة عن دواء جديد يقال إن له خواص شافية في مثل هذه الأحوال ، فلتعمد إليه ولنجعل شعارنا ونحن نتعاطاه : " اصبر على الكذاب حتي باب الدار ! " .

فوجمت من هذه الصراحة . وطارت من رأسي اشباح التفاؤل التي كانت تعمره . ولاح لي المستقبل الذي تزداد فيه تلك العتامات وتتكثف . ويثقل معها ذلك الستار الشفاف الخفيف الذي جئت استنجد بهذا الطبيب علي  ازاحته من طريق إبصاري . وهالني ان يصارحني الطبيب بهذه الصورة . ورايت في حديثه ما جعلي اعتقد ان الحالة أخطر مما توهمت . إذ لو كان هناك أي أمل في الشفاء لما أدلى إلي بهذا القول الصريح . ولو كان الأمر يحتمل المجاملة بالقول الين لما نسي الطبيب في كلامه معي أن الأساس الأول الذي تقوم عليه صناعة الطب هو قول الرسول عليه السلام : بشر ولا تنفر ! ولم أطق الصبر على طريقته

وقلت في نفسي : ما دام انه قد اختار طريق الصراحة فلأصارحه أنا أيضا برأبي فيه . فنظرت إليه وقلت : يسمح لي سيدي الطبيب أن أبدي له ملاحظة خالصة ؟ . قال : نعم . قلت : أرجو سيدي لو جاءه مريض غيري أن يسمعه

كلمة مطمئنة يعينه فيها بالشفاء . وأنا أؤكد له أن إيحاء الطبيب سيكون دائما افضل في نيل الشفاء من عقاقيره .

ولقد قرأت منذ أيام قولا أعجبني أحب أن أردده على سمع سيدي . وهو أن الناس لو القوا بما على ظهر هذه الأرض من العقاقير الطبية في جوف البحر لكان ذلك خيرا على الناس وشرا على البحر . ولقد مرضت زوجة غاندي مرة فحار في علاجها الأطباء ، ولما ساءت حالها وأشرفت على الهلاك استأذنها زوجها في ان يتولى علاجها بنفسه فأذنت له ، فاشترط عليها ان تتصرف من جميع ما في صوابها من ادوية الأطباء وان تضع ثقتها فيه . فسمحت له بأن يلقي ذلك الأدوية جميعها من النافذة . وجعل الزعيم الملهم يباشر بعد ذلك علاجها على طريقته الخاصة التي كانت تنحصر في الجلوس إلى جوارها والترنم بالأناشيد الخفيفة المحببة والتحدث بالأحاديث الرقيقة السارة فساءت حال الزوجة العزيزة في الأيام الأولى التي انقطعت فيها عن الدواء . ولكنها ما لبثت بعد أيام قليلة أخري أن تأثرت بروح زوجها المستبشرة وعاودتها ثقتها بنفسها واستردت رويدا رويدا صحتها حتى تم لها الشفاء .

فقال الطبيب : كل هذا صحيح ، وأنا أومن بقوة الايحاء وألجا إليه أحيانا في علاجي ، ولكني لا أبالغ في استعماله حرصا مني على سمعتي عند مرضاي . فاني لا احب ان أصف الدواء لمريضي على أنه شفاء مؤكد لشكواء ثم أراه يعود إلي بعد ذلك كما كان ،لم ينتفع بدوائي ولم يتأثر بإيحائي . وقد تعلمت من مزاولة مهنني طوال هذه السنين مع مختلف أنواع الرضى دروسا لا أستطيع أن أنساها . وأول هذه الدروس أن كثيرا من المرضى يحملون أقوال اطبائهم دائما علي محمل المواساة والمجاملة فلا يثقون بهذه الأقوال . فتعلمت من ذلك انه يجب على ان اقتصد في تفاؤل وانا اتولى علاج مرضاي . كما شاهدت أن أول ما يسأل المريض عنه هو : كم من الأيام سيطول به مرضه ، ولاحظت انه ما من احد

إلا يريد أن يأخذ على طبيبه عهدا يقطعه على نفسه بأن دواءه الذي يصفه سيأتي علي الداء في كذا من الأيام وبعد كذا من الجرعات . مع أن الطب الحقيق الذي استطاع  علم الإنسان ان يصل إليه حتى اليوم إنما هو الطب الوقائي الذي قد يساعد على تجنب الوقوع في المرض لا الطب العلاجي الذي قد يساعد على التخلص منه بعد وقوعه

وقد تلقيت انا هذه الدروس عن امي التي ولدتني ، فقد كنت إذ ذاك طبيبا ناشئا . وكانت هي سيدة مسنة من أهل الجيل الأسبق . زحفت عليها السنون وفي ركابها ما تحرزه الشيخوخة في أذيالها عادة من صنوف الضعف والوهن . فكان من بين ما تشكوه قصر شديد اصاب قوة إبصارها . فلجأت إلي فقست بصرها . وصنعت لها منظارا عالج ما تشكوه . فوضعته على أرنبة أنفها واستراحت إليه وباتت ليلتها راضية عنى وعما صنعت لها ولكنها فاجأنني في اليوم التالي بقولها :

- اهكذا تسول لك نفسك أن نضحك على ذقن أمك بهذه القطعة من الزجاج التي ألبستنيها ؟ . قلت لها : خيرا إن شاء الله قالت : لقد عادت عيناي إلي ما كانتا عليه من ضعف ظاهر بعد أن خلعت منظارك قلت لها : يا أمي لا يمكن أن يخفي عليك أني لم أعالج عينيك . واني إنما صنعت ما يصنعه الطبيب مع قصار النظر . فيضع على اعينهم هذا الزجاج الذي يقرب إليهم ما أبعدته عنهم الأيام ، فيكونون بخير ما داموا ينظرون من وراء هذا الزجاج

قالت : بل أنت تخفي عني حقيقة حالي . وها أنا صائرة إلي العمي وانت لا تصنع من اجلي شيئا إلا ان تعطيني هذا المنظار لتخدعني به عن أمري قلت : يا أمي ؟ ألست الآن بخير وإذا وضعت منظارك على مبنيك ترين به القريب والبعيد

قالت : بلى ! قلت : وهل يستطيع المؤمن أن يأمن قضاء الله أن ينزل به ليلا أو نهارا ؟ . قالت : لا ! قلت : فإذا نام الإنسان فهل أخد على الله عهدا أن يقوم في صباح اليوم التالي سليما معافي ؟ . قالت : لا ! قلت لها : فعيشي يا أمي وانعمي مما أنت فيه حتى يوافيك الله برحمته أو يقضي الله أمرا كان مفعولا

قال صاحبي : وكنت قد هممت أن أسأل الطبيب قبل أن يحدثني هذا الحديث اللبق إن كان يرجي لشكائي شفاء ام انها حال ستلزمني حتى يقضي الله هذا ( الأمر المفعول ) الذي اشار إليه فرأيت من الكياسة أن أقصر وأحسست في نفسي بأني لا يجوز لي على الأقل ان اكون أقل إيمانا من أمه فودعته وانصرفت لأمشى مع ذلك الكذاب الذي سلمني عنوانه في ( الرشتة ) التي أعطانيها . . حتى أبلغ معه باب الدار - وهي على كل حال ليست ( الدار ) الآخرة .

اشترك في نشرتنا البريدية