الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 385 الرجوع إلى "الثقافة"

بين مصر وبريطانيا

Share

في الأيام القليلة الماضية اجتازت المفاوضات المصرية مرحلة خطيرة ، بأن انتقلت من دور المحادثات التمهيدية إلى تقرير الأساس الذي يمكن ان تدور عليه المفاوضات . ولقد كان الناس بلومون وفد مصر على أنه لم يجتمع برجال الوفد الآخر لمبادلة الرأي والمناقشة . ورأي البعض أن يؤاخذ رئيس وفد مصر على استئثاره بهذه المحادثات الأولية . ولعل أكثر الناقدين قد خففوا الآن من نقدهم بعد ان صدر البيان البريطاني عن الجلاء وشروطه ، فأثبت ان المدة التى سبقت اجتماع الوفدين لم تذهب عبثاً . وسواء أكنا راضين عن البيان البريطاني كل الرضى أو بعض الرضي ، أو لم نكن راضين عنه مطلقا . فإن من المسلم به. على كل حال أن من المستحب أن يكون هناك أساس تدور عليه المناقشات بين الوفدين ، وان يتقرر هذا الأساس بصورة مقبولة ، قبل ان تبدأ المفاوضات في التفاصيل التي تبني على هذا الأساس .

وعلى الرغم من أن هذا الأساس الذي تدور عليه المفاوضات قد صدر به بيان بريطاني ، فقد وافق عليه رئيس الحكومة المصرية ، مما يدل على أنه كان نتيجة الجهود التي بذلها الوفدان،وبعد مشاورات كثيرة جرت في مصر ولندن.وقد اعلن هذا البيان في يوم الثلاثاء ، أي في صباح اليوم التالي لعيد جلوس جلالة الملك،حتى لقد رأي الكثير من الناس أنه لم يكن مجرد بيان عن العلاقات بين مصر وربطانيا ، بل أن صدوره في هذه المناسبة ، كان مثابة تحية يرفعها الجانب البريطاني إلي مصر ومليكها بهذه المناسبة الكريمة .        ومن الواجب علينا أن نطالع هذا البيان بكثير من الدقة وإنعام النظر،دون ان تتأثربالصيحات المختلفة التي تصدر عن بعض كتابنا  ،  سواء أ كانت صادرة عن نية خالصة  ،  أو كانت مما يقصد به شئ آخر سوى وجه الله والوطن .

          يقول البيان المذكور : " إن السياسة المقررة للحكومة البريطانية هي توطيد مخالفتها مع مصر علي أساس المساواة بين أمتين تجمع بينهما مصالح مشتركة " وليس في هذا النص امر يجوز لنا أن نغفر منه أو أن نسئ الظن به . إذ لا شك ان بينا وبين البريطانيين مصالح مشتركة،اقتصادية وسياسية. وعلاقات صداقة ومودة لا سبيل إلي جحودها . بل إنما لا تغلو كثيرا إذا قررنا أن المصالح المشتركة بيننا وبين الإنجليز لا يزيد عليها في القوة والخطر، سوى المصالح التي بيننا وبين العالم العربي. ومهما اختلفنا في تقدير ما لهذه المصالح من الخطر. فإننا لن نختلف في أنه ما دامت هنالك مصالح ، فلابد من صيانتها والمحافظة عليها ، من كل خطر تتعرض له ، سواء أ كان هذا الخطر صادراً من دولة ثالثة ، أو من الرجعيين البريطانيين أنفسهم .

   أما النص على المساواة بين الأمتين فلست أظن أن هنالك من يعترض عليه . وحسبنا أن هذا النص  يتيح المفاوض المصري حجة قوية يرد بها كل  عدوان  يمس تلك المساواة التامة بين الدولتين،التى تمد الآن موضعاً للأخذ والرد .

    أما النص ، على توطيد المحالفة مع مصر، فقد يعترض  عليه بأنه لم تعد هنالك حاجة شديدة لعقد مخالفة ،  بين دولتين كماناهما عضو في هيئة الأمم المتحدة . وهذا اعتراض قليل الغناء لأن كثيرا من الأمم المتحدة قد عقدت بينها مخالفات خاصة ، كما هي الحال بين روسيا وفرنسا ، وبين روسيا وتشيكوسلوفا كيا ، وكما هي الحال في  الحلف الأمريكي الذي يضم جميع الدول الأمريكية . وفي الجامعة العربية نفسها ، التي يرجى ان تضم في وقت ما جميع البلاد العربية . فليس في هذه امخالفات وما يجري بمجراها ما يتناقض نظام الأمم المتحدة ، ما دامت شروطها لانتعارض و ميثاق الأمم المتحدة . ولقد كان الرأي السائد في سان فرانسيسكو

أن مثل هذه المخالفات فيها تأييد للنظام الإجماعي وتقوية له . ولذلك أفرد لها باب خاص في الميثاق تحت عنوان " الاتفاقات الاقليمية " .

   ولهذه" الاتفاقات الاقليمية " في الوقت الحاضر علي الأقل فائدتان : الأولى ان هيئة الأمم المتحدة لا تزال في بد عهدها ، ولم يتم بعد تأليف اركانها السياسية والعسكرية، ولابد من تدابير مؤقتة تستطيع الاضطلاع بعبء . الأمن ورد العدوان ربما تستكمل الأمم المتحدة نظمها و يشتد ساعدها الفائدة الثانية ان هذه الاتفاقات الأغليمية تحدد انجال الذي تستخدم فيه القوات العسكرية لكل دولة . بحيث لا يكون هنالك داع لأن تنقل تلك القوات إلي أقطار بعيدة من أجل الحافظة على الأمن فيها ، بل تتكفل كل هيئة إقليمية بأعباء الدفاع في منطقتها ، حيث تتركز مصالحها المباشرة .

         وهكذا لا يبدو أن هنالك بأساً كبيراً في أن ينص البيان البريطاني على " توطيد المحالفة مع مصر " وخصوصا أن المحالفة قائمة فعلا بمقتضي المعاهدة المعقودة بن الدولتين . ومع التسليم بأن الظروف قد تغيرت ،  وأن شروط هذه المعاهدة لم تعد تتماشى مع التطورات التى ترتبت على الحرب الأخيرة ، فإن الاعتراض لا ينصب على مبدأ التحالف ، بل على الشروط التي تضمنتها وثيقة التحالف .

ننتقل الآن إلي الجزء الثاني من البيان البريطاني ونصه : " عملا بهذه السياسة بدأت المفاوضات في جو من المودة   وحسن النية . فعرضت الحكومة البريطانية ان تسحب  جميع قواتها البحرية والبربة والجوية عن الأراضى المصرية "،   وان يتقرر بالفاوضات تحديد مراحل جلائها ، والموعد   الذي يتم فيه والتدابير التي تتخذها الحكومة المصرية  لتحقيق التعاون في حالة الحرب أو خطر حرب وشيك

الوقوع ، طبقاً للمحالفة ".     وإذا ضربنا صفحاً عن الديباجة تري أن هذا الجزء من البيان ينص على ما يأتي :      أولا  :  أن تسحب الحكومة البريطانية جميع قواتها من غير استثناء .       ثانيا : أن تجري بين الطرفين مفاوضات من أجل أمور ثلاثة وهي :     (١)  تحديد مراحل الجلاء .     (٢)  الموعد الذي يتم فيه .     (٣) التدابير التي تتخذها مصر في حالة حرب أو خطر حرب ، للتعاون طبقا للمحالفة .

     وهكذا عرضت الحكومة البريطانية أمرين متصلين مرتبطين ، لاشك أنها أرادت أنهما لا يقبلان الانفصال . فأما الأمر الأول وهو الجلاء التام عن الاراض المصرية ،  فلا أظن أن أحداً سيعترض عليه . اللهم إلا القائلين بأن من الواجب الجلاء التام عن مصر والسودان في آن واحد وأن يتم هذا الجلاء تماماً قبل أن تكون هنالك مفاوضات أو محادثات أو مخالفات من أي نوع كان . وعلى الرغم من ان هذا الفريق موجود في مصر وله صوت محترم ، فان أكثر أصحاب الرأي في مصر يرون أن هذه السياسة ليست " عملية " وأنها لن تأتي بالفائدة المرجوة ، ولن تؤدي إلي تحقيق الهدف ، الذي لم يختلف في أمره أحد .

     لهذا رأينا أكثر الكتاب يرحبون بما عرضته الحكومة البريطانية من أمر الجلاء التام عن الأراضي المصرية ، ويرون أن هذا الإعلان خطوة حميدة ، لأنها تزيل أكبر العقبات القائمة في سبيل أي تفاهم من أي نوع كان بين مصر وبربطانيا .

    ولم يكن مما يقبله العقل أن تصر بريطانيا على بقاء قوانينها في مصر بعد أن بذلت هي جهداً مشكوراً من أجل الجلاء عن سوريا ولبنان . وبعد ان قرر ميثاق الأمم المتحدة

المساواة التسامة في السيادة السياسية بين جميع أعضائه     أما الجزء التالي من البيان وهو أن تجري بين الطرفين مفاوضات فليس عليه إعتراض من جهة الشكل . فإن البرلمان المصري قد اختار وفداً خاصاً للقيام بهذه المفاوضات . ولكن الذي يجوز الاعتراض عليه هو " الموضوع " الذي تضمنه البيان ؛ وذلك أن المفاوضات ستتناول ثلاثة أشياء .

      (١)  أولها تحديد مراحل الجلاء . أى أن هذا الجلاء سيكون على مراحل قليلة او كثيرة ، كأنما يراد ألا يتم دفعة واحدة . فليبدأ مثلا الجلاء من مدن كالقاهرة والأسكندرية ،  ثم جلاء القوات البحرية والجوية ، التى لا تستطيع بعد  ذلك أن تزور المياه والمطارات المصرية إلا طبقا للقانون الدولي ، أو الاتفاقات الدولية . ثم يتلو ذلك تصفية المنشآت العسكرية ونقلها ، وغير ذلك من الامور التى قد تتطلب إجراءات خاصة في نقلها وإجلائها .

   ولا شك أن جلاء قوات مضي علي وجودها في مصر  نيفٌ وستون عاماً ، و ازدادت منشآتها و تعقدت أحوالها سبب حرب عالمية ضخمة ،ليس بالأمر الذي يتم بين عشية وضحاها . و لكن من الجائز أن يكون هنالك إسراف في تقدير مراحل الجلاء وربطه بشروط وملابسات قد لا تمت إلي الحقيقة بصلة . ولكنا إذا افترضنا حسن النية من جانب أولى الأمر من البريطانيين ، فليس من المعقول أن تؤول فكرة مراحل الجلاء تأويلا بهدم مبدأ الجلاء من أساسه .

(٢)  لذلك جاء النص الثاني متمما للأول ، وهو تحديد الموعد الذي يتم فيه الجلاء . فليس مما يهمنا كثيراً ان يحدث الجلاء على (مراحل) مهما تعددت او تتوهت ، وإنما يهمنا أن يتم في موعد قريب معقول . وأن يحدث بنية خالصة ، لا يشوبها تردد أو تلكؤ .

(٣)  أما الموضوع الثالث المفاوضات ، فلعله أهمها جميعاً وهو التدابير التي تتخذها مصر في حالة حرب ،

أو خطر حرب وشيكة الوقوع .. وذلك طبقا لمبدأ التعاون بين الدولتين ، ذلك المبدأ الذي قررته المحُالفة .

        ففي هذا النص توكيد جديد لفكرة المحالفة ، وتقرير مبدأ التعاون بين مصر وبريطانيا في حالة العدوان أو احتمال العدوان ، على الأراضي المصرية ، ومدى هذا التعاون ، والصورة التي سيتخذها هذا التعاون . ولست اظن أن لنا الحق في أن يخشى فكرة المحالفة ، أو أن نوجس شراً من أن هذا التعاون في وقت الحرب سيخول للبريطانيين سلطاناً ونفوذاً في وقت السلم ، وقد كان بين بريطانيا وفرنسا مثل هذا التحالف والتعاون قبل الحرب ، فلم يكن في ذلك ما يجرح كرامة الدولتين او بنقص من سيادتهما .

فليست العبرة في هذا بتقرير مبدأ التعاون في ذاته ، بل في الشروط التي يقوم عليها هذا التعاون . ومن أجل هذا يحسن بنا ان ننظر إلى الشق الأول من هذا النص ، وهو الذي ينص على أن موضوع المفاوضة هو التدابير التي تتخذها مصر . . ولم يقل التدابير التي تتخذها الدولتان .

ومعنى ذلك فيما يبدو هو ان العبء ، الأكبر في العمل لدرء الخطر سيقع على مصر . على الأقل في أثناء المراحل الأولى من العدوان . ولئن كانت مصر هي التي ستتخذ التدابير اللازمة لدرء ، الخطر ، فإن هذا يتطلب من غير شك أن يكون لها من العدة الحربية والقوات البرية والبحرية والجوبة ما يمكنها من مواجهة العدوان بمفردها ، فإذا استطاعت أن تتغلب عليه وحدها ، كان هذا خيراً . وإلا فلاشك في أن مصر لن تتردد في طلب معاركة حلفائها من أعضاء هيئة الأمم المتحدة أو من الأمم المتحدة نفسها .

وأهم شئ في هذا النص هو أنه يلزم مصر ان تؤلف قوة دفاعية لرد العدوان عن المنطقة التي تهم مصر ، وهذا الأمر سيتطلب من مصر ان نعني بجيشها وبقوانينها البحرية والجوية . حتى تستطيع ان تضطلع بنصبها في قضية الأمن الدولي . ولئن أصبحت لمصر هذه الكفاية الدفاعية فليس

هنالك أدني خطر عليها من أن يؤدي التعاون بينها وبين بريطانيا إلي عودة النفوذ البريطاني أو العدوان على استقلال مصر .

       وهكذا يري القارئ أن ليس في البيان البريطاني نص - مهما أسرفنا في تأويله أو تفسيره - يضر بالمبدأ الأساسي للمفاوضات ، بل لعله يمثل نقطة ابتداء طيبة لتلك المفاوضات . ومما يؤسف له كثيراً أن حزب المعارضة في ربطانيا لم يستطع أن يؤيد هذا الاتجاه الجديد لسياسة الحكومة البريطانية ، ولقد أثبت مستر تشرشل أنه قائد عظيم للحرب . ولكنه قصير النظر في شئون السلم ، وكأنه قد مرت به هذه الأحداث الهائلة دون ان يتعلم منها حرفاً أو ان تغير من جبلته وطباعه . فأصبح ينكر هو وعصبته تلك المبادئ الإنسانية العظيمة التي تضمنها الميثاق الأطلسي ، ولم يجدوا بأسا في الحنث بالعهود التي قطعموها على أنفسهم بأنهم إنما يشنون هذه الحرب من أجل إنشاء عالم جديد ، قوامه السلم والرخاء والحرية لجميع الشعوب .

   ولقد اشتركت حكومة مستر تشرشل في إنشاء نظام الأمم المتحدة ، ولسنا ندري كيف طوعت له نفسه أن ينادي بهدم الأركان الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام !        إن من المؤلم حقاً أن تصبح العلاقات بين مصر وبريطانيا مسألة حزبية ، فإننا لا نريد ان يكون لنا أدني صلة بالاختلافات الحزبية في بريطانيا . وبهمنا أن يدرك المحافظون كما يدرك غيرهم أن اكتساب صداقة الشعب المصري هو خير وسائل الدفاع عن مصر وعن قناة السويس . وأن قضية السلم العالي قضية واحدة لا تقبل التجزئة ، وان هذا السلم لا يمكن أن يستقر إلا على أساس من العدل والإنصاف . وان أبعد شئ عن العدل الدولي أن تقيم أمة جيشاً أوقواعد عسكرية في أرض أمة أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية