لعل أقدم من ترجم للشيخ الرئيس ابن سينا هو ابن سينا نفسه؛ فقد سأله أحد تلاميذه أن يحكي له تاريخ حياته فأملى عليه ما سطره (١). ثم جاء تلميذه أبو عبيد الجوزجاني فكتب رسالة في ترجمة حياة استاذه ابن سينا، جعلها قسمين أولهما هو ما سمعه من أستاذه، وثانيهما هو ما أضافه أبو عبيد منذ أن لحق بخدمة الشيخ إلى أن أدركته الوفاة (٢)
فحكاية الشيخ الرئيس تاريخ حياته، وما شاهده الجوزجاني من مصاحبته له حتى الوفاة سنة ٤٢٨ هـ هما المصدر المعول عليه في كل ما يرجع إليه من تاريخ ابن سينا
وإذا كانت هذه الترجمة الذاتية وزيادة الجوزجاني عليها هي مما يحتفظ به المتحف البريطاني في مخطوطاته؛ فإن من حسن الحظ أن مؤرخ الأطباء والحكماء المشهور ابن أبي أصيبعة " قد تقل هذه الترجمة كاملة في كتابه المعروف "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" الذي نشره المستشرق م موللر الذي سمى نفسه بإمرئ القيس بن الطحان سنة ١٣٠٠ هـ في المطبعة الرهيبة، على أننا نجد هذه الترجمة بقلم الشيخ الرئيس وتلميذه الجوزجاني منقولة بعد ذلك باختصار في كتاب "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" للقفطي الذي كان
معاصرا لابن أبي أصيبعة في القرن السابع الهجري ولا شك أن الوزير القفطي وابن أبي أصيبعة قد اطلعا على مخطوطة ابن سينا في الترجمة لنفسه، وعلى ما زاده أبو عبد الله الجوزجاني عليها من عباراته هو ليتم بها تاريخ أستاذه، ولكن القفطي اختصر الترجمة حتى تتناسب مع بقية تراجمه للحكماء أما ابن أبي أصبيعة فقد نقلها تامة من غير اختصار (1)
وإذا تركنا الجوزجاني على اعتبار أنه تلميذ ابن سينا وأول مترجم لحياته، وجئنا مع العصور التالية لعصر الشيخ الرئيس رأينا أن القرن السادس الهجري - وهو القرن الذي سمى قرن وفاة ابن سينا - قد شهد مترجما لحياة الشيخ الرئيس. ولعل هذه الترجمة هي أول ما كتب بعد الجوزجاني. ونعني بها الترجمة التي كتبها "ظهير الدين البيهقي" في كتابه: "تاريخ حكماء الإسلام" الذي نشره المجمع العلمي العربي، بتحقيق الأستاذ الكبير محمد كرد علي. وقد ترجم البيهقي في كتابه هذا لأكثر من مائة حكيم إسلامي ولكنه لم يطل في ترجمة واحد منهم كما أطال في ترجمته للشيخ الرئيس. فقد بلغت ترجمته في الكتاب عشرين صفحة على حين أوجز المؤلف في بقية التراجم إيجازا شديدا ويعترف البيهقي في آخر ترجمته لابن سينا أنه نسخ
عما كتبه الشيخ الرئيس أبو علي لنفسه (١)؛ فهو قد أفاد مما كتبه الشيخ الفيلسوف، وحرص كثيرا علي أن يبقى على عبارات الشيخ وتلميذه؛ إلا بعض تغيير في العبارة من تقديم وتأخير واستبدال كلمة بأخرى، مما لا يغير من المعنى شيئا، فإذا قال التلميذ الجوزجاني عن أستاذه: (إن امرأة مسلولة بخوارزم أمرها أن لا تتناول شيئا من الأدوية سوى الجلنجبين السكري، حتى تناولت على الأيام مقدار مائة من وشفيت المرأة) (٢) رأينا البيهقي يذكر هذه الحكاية نقلا عن الجوزجاني بهذه الصيغة: (ومن تجاربه أن امرأة مسلولة بخوارزم حضرته فأمرها أن لا تتناول من الأشربة إلا جلنجبين السكر، حتى تناولت على مر الأيام منه مائة من، وشفيت المرأة) (٣) وأدنى نظرة إلى هذين النصين تكشف لنا في يسر أن البيهقي أفاد كثيرا من ترجمة الجوزجاني لأستاذه الشيخ الرئيس وأنه لم يغير فيها كثيرا
إلا أن البيهقي يروي لنا من عجائب الشيخ الرئيس ما لم يذكره أبو عبيد الجوزجاني في ترجمته التي نقلها ابن ابي أصيبعة والقفطي فهو يذكر لنا أنه هرب من حضرة الأمير علاء الدولة لتصرفه في منطقة مفضضة أهديت إليه من الأمير فأهداها هو إلى غلام من غلمان الأمير. ويذكر البيهقي أن الشيخ الرئيس هرب إلى الرحى ولقى فيها شابا ظريفا اجتمع عليه خلق كثير، وهو يستدل على إنسان يتفسر له (٤) وقد عرف الشاب أن هذا الشيخ الذي أمامه هو ابن سينا وأنه هارب من أميره وتنتهي هذه الحكاية العحبية بأن يعود الشيخ الرئيس ومعه هذا الشاب إلى الأمير علاء الدولة فيرضى عنه ثانية ويرده إلى مجلسه (٥)
وقد شهد القرن السادس الهجري أيضا مترجما لابن سينا، وهو النظام العروضي السمرقندي، الذي ألف كتابه "جهار مقالة" باللغة الفارسية في منتصف القرن السادس تقريبا. وقد استفاد من هذا الكتاب بعض علماء فارس الذين جاءوا بعده على مر العصور. وظل وجه المنفعة
بهذا الكتاب الثمين قاصرا على العارفين باللغة الفارسية، إلى أن أخرجته لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر سنة ١٩٤٩ مترجما إلى اللغة العربية (١) فرأينا فيه من أخبار الشيخ الرئيس ابن سينا ما يضيف إلى معارفنا عنه قدرا طيبا .
وقد كان العروضي السمرقندي معجبا بابن سينا إلى أقصى حدود الإعجاب. فهو لا يذكره إلا في معرض الثناء عليه والإشادة به والدفاع المجيد عنه. فقد بلغه أن رجلا انتقد كتاب القانون، لابن سينا ، فلم يطق صبرا على هذه الجرأة النادرة على الشيخ الرئيس، وقال (وقد سمعت أمرا عجبا، ذلك أن رجلا انتقد كتاب أبي علي بن سينا، وجعل من انتقاده كتابا سماه إصلاح القانون، وقد رأيت الرجل والكتاب؛ أما الرجل فمعتوه. وأما الكتاب فمكروه. وكيف يجوز لرجل أن يعيب عالما عظيما يقرأ له كتابا، فتكون أولى مسائله مشكلة عليه؟ (2) وقال عن أرسطو وابن سينا: ولم يصل إلى كنه قوله ويسر على جادة سياقه في الألف والخمسمائة سنة التي تلته فيلسوف غير أفضل المتأخرين، حكيم المشرق، حجة الحق على الخلق أبي على الحسين بن عبد الله بن سينا. فكل من يعترض على هذين العالمين العظيمين يخرج نفسه من زمرة أهل العقل ويسلكها في مسالك المجانين، ويعرضها في مجمع أهل العته حفظنا الله تبارك وتعالى من هذه الهفوات (3)
وفي موضع آخر من كتاب العروض السمرقندي نرى حكاية عن الشيخ ابن سينا وما حدث له مع الأمير قابوس ابن وشمكير ملك جرجان. وهي حكاية لم ترد في مصدر عربي آخر - فيما نعرف - وتدل على براعة ابن سينا في الطب النفساني والطب الشرعي براعة عظيمة، فقد استدل على اسم معشوقة لعاشق عليل نضو أسقام، وعلى اسم أبيها ومحلتها والحي الذي تقيم فيه - استدل على هذا كله بحركات نبض العاشق المريض (1)
وأعجب ما في أعلجة ابن سينا بالطب النفساني هو حكاية ذلك الشاب الذي مرض بالماليخوليا وتوهم نفسه بقرة فعالجه ابن سينا من ذلك الوهم بأن جرى معه في الوهم إلى غايته. وقال له: إن القصاب آت ليذبحك ما دمت قد
صرت بقرة. وظل بالحيلة يعالجه إلى أن أكل - حتى لا يكون بقرة هزيلة - وعوفي من أوهامه (1) ولم تذكر هذه الحكاية إلا عند السمرقندي، أما ابن أبي أصيبعة والقفطي والبيهقي وابن خلكان فلم يشيروا إليها وينفي المحقق المعاصر محمد بن عبد الوهاب القزويني صحة ملاقاة الشيخ الرئيس ابن سينا للأمير قابوس بن وشمكير مستندا إلى نص ابن سينا نفسه (2) في ترجمة حياته حيث يقول: وكان قصدي الأمير قابوس. فاتفق في أثناء هذا القبض على قابوس، وحبسه في بعض القلاع وموته هناك ويدل هذا النص من ابن سينا نفسه على أنه لم يخدم قابوس لأنه - أعني الأمير قابوس - حبس قبل بلوغ ابن سينا جرجان
وإذا لم تصح مقابلة ابن سينا للأمير قابوس فهل يترتب على ذلك عدم صحة الحكاية كلها التى ذكرناها قبلا، والتي تتصل بالعاشق النضو الذي كشف الشيخ الرئيس بوساطة نبضه عن اسم معشوقته وأهلها وحيها
لقد كان السمرقندي بعد ابن سينا بقرابة قرن من الزمان فهل صنعت هذه الحكاية للدلالة بها على مهارة الشيخ الرئيس في الطب، ثم ألم يكن أبو عبيد الجوزجاني تلميذ ابن سينا أولى الناس برواية مثل هذه العجائب
ويمضي القرن السابع الهجري كله بتراجم القفطي وابن أبي أصيبعة وابن خلكان للشيخ الرئيس ابن سينا، ويبدأ القرن الثامن الهجرى، وهنا نجد الترجمة لرجال العصور مائة مائة، كتراجم المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني وتراجم المائة التاسعة للسخاوي، وتراجم المائة العاشرة للغزي فلا نجد في هذه التراجم "القرنية" ترجمة لابن سينا بالطبع ولكنا نجد في القرن الحادي عشر الهجري ابن العماد الحنبلي يؤلف كتابا في أخبار الذاهبين الماضين اسمه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" ويجعله على حسب السنين
فيذكر في وفيات سنة ٤٢٨ هـ الرئيس ابن سينا (٣)، ويترجم له في أربع صفحات كوامل نقلا عن ابن خلكان كما يعترف في آخر الترجمة؛ ويزيد على ابن خلكان أن اليافعي قال
عن ابن سينا: طالعت كتابه الشفاء، وما أجدره بقلب الفاء قافا لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين
ثم يزيد بعد هذا: وقال ابن الصلاح: لم يكن من علماء الإسلام، بل كان شيطانا من شياطين الإنس. ولعل هذه الحملة العنيفة على الشيخ رحمه الله ان كانت من أثر حملات علماء الدين على الفلاسفة والفلسفة
هذا هو ابن سينا في كتب التراجم القديمة، ولعل ما ذكرت هو مصادر ترجمة الشيخ الرئيس عند المحدثين
أما كتب التاريخ فلم يخل أكثرها من إشارة إلى الشيخ عند ذكر الوفيات أو حوادث السنين، ولكننا نعجب حين لا نجد لابن سينا ذكرا في كتاب المنتظم للمؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (١) فقد ذكر شخصيات أقل منه شهرة وذيوعا وترجم لها في وفيات تلك السنة ولم يترجم لابن سينا ولم يشر إلى وفاته بكلمة
أما المؤرخ ابن الأثير صاحب كتاب الكامل المتوفى سنة ٦٣٠ هـ فقد ذكره في أربعة أسطر ذكرا غير جميل ولا لائق بمكانته في تاريخ التفكير الإسلامي، فقد قال عنه: صاحب التصانيف السائرة على مذاهب الفلاسفة وكان موته بأصبهان، وكان يخدم علاء الدولة أبا جعفر بن كاكويه ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد، فلهذا أقدم ابن سينا على تصانيفه في الإلحاد والرد على الشرائع في بلده (2)
ونجد في القرن الثامن أن المؤرخ ابن كثير صاحب البداية والنهاية يذكر ابن سينا في وفيات سنة ٤٢٨ هـ في بضعة عشر سطرا، وينقل أسماء بعض كتبه عن ابن خلكان ويشير في آخر الترجمة له إلى أن الإمام الغزالي كفره في كتابه تهافت الفلاسفة في ثلاث مسائل وهي قوله بقدم العالم، وعدم العاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات (3)
وهكذا لم يترك بعض مؤرخي المسلمين الشيخ الرئيس ليهدأ ويسلم من اتهاماتهم، وهو في ذمة الله الغفور الرحيم

