يستطيع الباحث المدقق ان يتبين من سير الحوادث العسكرية والسياسية في هذه الحرب الحالية ان هتلر يتتبع إن عفوا او قصدا نفس الخطوات التي تتبعها نابليون الأول إمبراطور فرنسا في السياسة والحرب ، حتى اصبح أكثر من فرد واحد يجزم تماما بأن نهاية هتلر سوف لا تختلف كثيرا عن نهاية سيده ومثله الأعلى نابليون
بدأ نابليون وهتلر حياتهما العسكرية والسياسية تموج نفسها بحب العظمة والغرور ، فراينا الهر هتلر محاربا نمسويا ينضم إلى صفوف الجيش الالماني في الحرب الماضية جنديا بسيطا ليس له شأن يذكر . فلما خرجت المانيا مهزومة مدحورة منهوكة القوي في عام ١٩١٨ م ، بدأ ذلك النمسوي
الماكر يشق طريقه قدما إلي الأمام ، وسرعان ما لاح في الأفق ان ذلك الجندي البسيط سوف يكون له من الحظ السعيد ما يفوق غيره من البشر ، واستطاع فعلا بمساعدة شرذمة بسيطة من اعوانه بعد مضي فترة من الزمن أن يصل إلى منصب المستشار الأعلى للرايخ الالماني ؛ وعقب وفاة المارشال هندنبرج خطا هتلر خطوة اخري اوصلته إلى منصب ديكتاتور الدولة وسيدها الأجل وعاهلها الاول .
وفي حالة نابليون نراه يبدأ حياته العسكرية والسياسية ضابطا كورسيكيا ) ١ ( بسيطا في الجيش الفرنسي ، فكأنه غريب عن فرنسا ، إلا انه استطاع بمهارته وحذقه ان يصل إلى زعامتها ؛ وهو في هذه الحالة شبيه لهتلر الذي توصل إلي زعامة ألمانيا مع أنه نمسوي الأصل .
وقد بدا كل من نابليون وهتلر حياتهما السياسية بعد وصولهما إلي أكبر مناصب الدولة ، في كل من فرنسا والمانيا ، بسلسلة عظيمة من الانتصارات الحربية والسياسية الهائلة
فمنذ عام ١٧٩٩ إلى عام ١٨١١ استطاع نابليون أن يحرز نصرا كاملا مبينا على دول أوربا جميعها ؛ ونري هتلر بدوره يبدأ كفاحه السياسي والحربي بسلسلة طويلة من الانتصارات ، فمنذ عام ١٩٣٩ م إلي أواخر عام ١٩٤٢ يتمكن هذا العاهل الالماني من قهر اوربا كلها : فتسقط بولندا ، وتخر كل من هولندا وبلجيكا صريعة في الميدان ؟ ثم يخترق الحصون الفرنسية المنيعة ، فتضطر الجمهورية الفرنسية إلي الإذعان والتسلم بمطالب النسر الألماني فتعقد معه الهدنة في يونيه من عام ١٩٤٠ م . وقد استطاع هتلر نفسه أن يجبر هنغاريا ورومانيا وفنلندا على الإذعان والتسليم لمطالبه ، فتحتل جنوده بلادهم وتخرب دورهم ، وبذلك أصبحت أوربا جميعها عند موطئ قدميه تدين له
بالولاء والطاعة ، وتنفذ أوامره صاغرة .
وعقب سقوط فرنسا نري هتلر يقف شاردا مفكرا ، إذ ليس امامه سوي تلك الجزيرة النائية التي طالما تحدث عنها وحلم بدكها دكا ، إلا ان قوة البحرية الالمانية لم تكن بقادرة على تحقيق هذه الأمنية ، فبدأ سلسلة طويلة من الغارات الجوية اعتقادا منه ان ما تلقيه طائراته من الرعب والفزع في قلوب البريطانيين سوف يمكنه من تنفيذ رغباته ، ويساعده على إنزال جنوده على سواحل الجزيرة البريطانية ؛ إلا ان هذه الغارات لم تأت بالنتيجة المرجوة ، فبدأ حملة اخري اراد من ورائها عقد الصلح مع بريطانيا ، وكان رسوله فى هذه المرة صديقه وزميله الهر هبس ، إلا ان الأسد البريطاني أظهر أنه أشد دهاء ومكرا من النسر الألماني ؛ فمالبث أن أسر هبس ، وبذلك ضاعت آماله وآمال سيده هتلر في عقد الصلح
وكان نابليون في عام ١٨٠٧ م قد عقد معاهدة صداقة وتحالف مع روسيا ، وكان غرضه من هذه المعاهدة تأمين ظهره لما سوف يقوم به من فتوحات في أوربا الغربية ، الا أن احلام نابليون لم تتحقق ، إذ كان يعتقد ان روسيا سوف تسلم بما آل إليه نفوذه وسلطانه في الغرب ، فأظهرت الأيام عكس ما كان يرجوه ، فقد بدأ الإسكندر قيصر الروس مبادأته ومعاداته . وعندئذ تبددت احلامه واوهامه ، ووجد نفسه في عام ١٨١٢ أمام تيارين : أحدهما يرمي إلي القضاء على عدوته الاولي إنجلترا وغزوها في بلادها ، وإرغامها على التسليم بفتوحاته وانتصاراته العظيمة في القارة الأوربية التي امتدت من المانش شمالا إلى البحر الأبيض جنوبا إلي جبال الكربات شرقا ؛ ثانيهما يرمي إلي الاعتداء على صديقته روسيا ليرغمها سريعا على الإذعان له وإجبار قيصرها على التسليم دون قيد أو شرط ولما كانت انجلترا قوية شديدة البأس لايقوي على فتح أراضيها
أو النزول بجنوده على سواحلها ، فقد فضل نابليون الاتجاه بقواته ناحية الشرق لينتهي من الروس اولا ، ثم يلتفت إلي الجانب البريطاني قويا شديد البأس ، فتخر له بريطانيا صاغرة وتعترف له بفتوحاته الهائلة .
إلا أن الآيام أظهرت عكس ما كان يأمل ، إذ أن غزو الروسيا في صيف عام ١٨١٢ واجتياح اراضيها ووصوله إلى موسكو ودخوله قصر الكرملين - قصر الحكومة الروسية لم يجلب عليه سوى الهزيمة والعار ، إذ كر عليه الروس وارجعوه مهزوما مدحورا إلى بلاده تطارده فرسان الفوزاق القوية الماهرة
وفي حالة هتلر نراه يعقد في عام ١٩٣٨ نفس المعاهدة التي عقدها نابليون مع الروس في عام ١٨٠٧ م ، وكان الغرض الألماني من هذه المعاهدة شبيها بالغرض الفرنسي النابليوني السابق ، إذ أراد هتلر أن يؤمن ظهره لما يقوم به في أوربا في المستقبل القريب من حروب ، فلما سقطت فرنسا في عام ١٩٤٠ م ، وجد هتلر نفسه أمام نفس التيارين اللذين وجد نابليون نفسه أمامهما في عام ١٨١٢ م ، فهذه بريطانيا رابضة كالأسد بعد سقوط حليفتها فرنسا ، وهذا عاهلها تشرشل يعلن على الملأ عزم الشعب البريطاني الأكيد علي الاستمرار في الحرب ورغبته الأكيدة في دحر الألمان وزعيمهم هتلر - وهذه روسيا تقلب له ظهر المجن ، وترتاع لهذا التقدم الهائل في البلقان ، عقب تسليم بلغاريا ورومانيا وهنغاريا لمطالبه ، وعقب اجتياح يوغوسلافيا واليونان ، ففضل أن ينتهج السبيل الذي سار عليه نابليون في عام ١٨١٢ ، فغزا روسيا في نفس الوقت وفي نفس الشهر الذي غزاها فيه نابليون ، فوصلت جنوده في مدي عامين من ) ١٩٤١-١٩٤٢ ( إلي قلب القوفاز ، واحتلت عساكره بلاد اليوكرين . إلا أن الدب الروسي الذي طرد نابليون وتعقبه إلي حدود بلاده في القرن الماضي ، استطاع
بمهارته العظيمة وقوة شكيمة زعيمه ستالين ان يكر على النسر الألماني ، فرده إلي بلاده مهزوما ، وها هو الآن يربض على حدود الرايخ الالماني يهدد وينذر باختراقها والآخذ بثأره من هذا المعتدي الآثيم .
وفي الجملة يجمل بنا ان نقول إنه إذا كانت روسيا هي الصخرة التي تحطمت عليها آمال نابليون وامانيه في عام ١٨١٢ ، فإنها نفس الصخرة التي تحطمت بل انهارت عليها جل آمال هتلر في عام ١٩٤٣ م
وعقب غزو الروسيا من كل من العاهلين الفرنسى والألماني تبدأ فترة جديدة في حياة كل منهما ، إذ يصبح كلاهما عند مفترق الطرق ؛ فالتقهقر النابليوني عن البلاد الروسية كانت له رنة فرح عظيمة في أنحاء القارة الأوربية ، فهذا هو الإمبراطور الذي دوخ أوربا واقتلع عروشها فطأطأ له ملوكها رؤوسهم صاغرين ، ينهزم لأول مرة في حياته أمام جحافل الروس الهائلة ! فلما رأت أوربا هذه الهزيمة الساحقة سرت روح القومية بين شعوبها ، وأخذوا يأملون في تلك الساعة التي يستطيعون خلالها تحرير أنفسهم من ربقة الحكم الفرنسي ؛ وسرعان ما انضمت السويد والنمسا إلي بروسيا والروسيا وإنجلترا ، فقويت شوكة الحلفاء ، وأطبقوا عليه بجنودهم ، فسلم صاغرا ورضي لنفسه النفي إلي إلبا ؛ ودخل الروس والإنجليز باريس وقضوا علي أنصار ذلك الطاغية الجبار . وإذا كان نابليون قد استطاع العودة إلى بلاده وإعادة ملكه من جديد ، فإن هذا النصر المفاجيء لم يطل ، إذ انهزمت جنوده مرة أخري في صيف عام ١٨١٥ علي يد القائد الإنجليزي ولنجتون ، وبذا ضاعت إمبراطورية نابليون ، ودفنت معها أماله ومطامعه .
وهذا هو هتلر يتقهقر عن بلاد الروس فيصل إلى حدود المانيا مهزوما مدحورا ، ويجبره الإنجليز على التقهقر عن
شمال إفريقيا ، ثم ينزلون جنودهم في إيطاليا ، ويفتحون جبهة جديدة في شمال فرنسا واخري في جنوبها ، وتتقدم قوامهم فتحتل باريس وبروكسل ؟ وتخطو جنودهم قدما إلي داخل الأراضي الآلمانية ، فتتنبه أذهان أوربا ، فيقاومه الفرنسيون ويجبروه على التقهقر سريعا أمام قوات الحلفاء العظيمة ، ويعمد الآتراك إلي قطع علاقاتهم بألمانيا ، وتطلب رومانيا وبلغاريا وفنلندا وهنغاريا الصلح من الحلفاء وبذلك تقوي شكيمة الجانب البريطاني ، ويلوح في الافق ان ساعة هتلر آتية لا ريب فيها ، كما حلت ساعة زميله نابليون من قبل

