في الثلث الأول من القرن التاسع عشر كانت شهرة جيتي قد تجاوزت ألمانيا وأوربا إلى سائر نواحي العالم وبلغت الذروة ، وكان جيتي نفسه قد نضجت تجاربة ، واكتملت عبقريته . وأصبح شاعر العصر وأديبه وحكيمه الذي يشار إليه بالبنان ، ويحج إليه القصاد في ويملر ليشاهدوا هذا المارد الجبار ويملأوا عيونهم من النظر إليه وآذانهم من الاستماع إلى احاديثه الخصبة الموحية قبل أن يطويه الموت ويضاف اسمه إلي سجل الخالدين في التاريخ ، وكان هينريك هيني حينذاك شابا في مقتبل العمر ، وعنفوان الشباب ، قوي العاطفة ، مرهف الإحساس ، يلمع في عينيه بريق الذكاء وترف على جبيته لمحات العبقرية ، وقد أخذ يشق طريقه إلي الشهرة والمجد الأدبي ؟ واسترعت مجموعة الأشعار الغنائية التي أذعها أنظار النقاد والقراء ومتذوقي الأدب اللباب ، فأخذوا يرددون أن نجما جديدا قد لاح في سماء الأدب ؛ وكان شباب الشعب الألماني في تلك الفترة قد أخذ يتنكر للشاعر العظيم والمربي الكبير منذ بدأت الحروب النابليونية ، واتهموه بفتور العاطفة القومية وضعف الوطنية ، وتطرف بعضهم فرموه بعدم الاكتراث والخيانة ، وأغراهم ذلك بالشك في أدبه ، وانتقاص عبقريته ، والنيل من مكانته ؛ ووجه إليه بعض النقاد نقدات مسمومة وحملات شعواء ، وأولع فريق اخر من النقاد بالموازنة بينه وبين صديقه وضريبه في الأدب الألماني شلر ، وفضلوا عليه شلر ، وأثنوا على مؤلفاته ، وأكبروا آياته الفنية ، على حساب انتقاص آثار جيتي وطرفه الأدبية . والجميل أن انقسام الناس إلي معسكرين يتعصب أحدهما لشلر ويسرف في مدحه ، ويتعصب المعسكر الآخر لجيتي ويبالغ في الإشادة بأدبه لم يفسد ما كان بين الصديقين من وثيق العلاقات وعميق التقدير وحسن التفاهم والتعاون ، وقد كانت صداقتهما من الصداقات النادرة القليلة في تاريخ الأدب .
وكان هيني الشاب الشاعر الطموح المشتعل الحماسة الحاد
اللسان اللاذع السخرية يشارك شباب عصره ضيقهم بجيتى وثورتهم به وتمردهم عليه ، وكان يزيد هذه الكراهة انقادا حد الشبان الطامحين من الشعراء والأدباء لرجال الأدب الشيوخ الذين توطدت مكانتهم ، وعلت شهرتهم ، ويغلب على الشبان الطموحين في مثل هذه الأحوال الظن بأن هؤلاء الشيوخ قد استأثروا بالشهرة وأقاموا العقبات في سبيلهم ، فلابد من هدمهم وإزالتهم من الطريق ليظهروا وينالوا حقهم ، ويظفروا بالمكانة الملائمة لنبوغهم وتفوقهم . وهيني نفسه قد اعترف في صراحته المحببة بأن الحسد كان من أسباب حملته على جيتي وكراهته له ! وهيني رجل ساخر لعوب بأطراف الكلام ، ولكني مع ذلك لا أرى داعيا لرفض ما ذكره هو عن نفسه ، فقد قال في بحثه الانتقادى الممتع عن المدرسة الرومانتيكية " من الصعب أن أتعرف الأسباب الخاصة التي بعثت كل فرد على أن يعلن كراهيته لجيتي ، ولكني أعرف الأسباب السرية الخفية لأحد هؤلاء الأشخاص ، ولما كان هذا الشخص هو أنا نفس فإني اعترف صراحة أني كنت أحسد (١) جيتي " . وفي ذلك الوقت كان يقيم في برلين فارنهاجن فون إنس مع زوجته راحيل ، وكان صالون هذه الأسرة لمدة سنوات ملتقي كبار المفكرين والشعراء والنقاد ، وكان ممن يغشونه الفيلسوف هجل والمفكر شليرماخر والروائي البارون دي لاموت فوكيه والبحاثة هيودلت وغيرهم . وقدم هيني أحد أصدقائه لثارنهاجن ، وفي بادئ الأمر اعتاق الحياه هيني في حضرة هؤلاء الأعلام الأكبر منه سنا ، والأرسخ منه قدما والأبعد منه شهرة ، والأسمى مكانة ، ولكن السيدة راحيل كانت امرأة مستنيرة مثقفة سامية الروح ، جمة العطف ، وقد استطاعت بوداعتها ولباقتها أن تروض جماح الشاب الثائر هيني وتؤنس وحشته وتطلق لسانه ، وقد اشتهرت راحيل بإعجابها الشديد
بجيتي وإكبارها له ودفاعها الدائم عنه ، وكانت تحاول أن حمل الناس جميعهم على مشاركتها في هذا الإعجاب ، وقد رأت جيتي أول مرة في مدينة فرانكفورت ، وكانت تقله عربة ، فلما طالعها محياه كادت تفقد صوابها ، واندفعت تجري خلف العربة وهي تصيح " إنه جيتي ! إنه جيتي " فنظر جيتي حوله وسره تحمس هذه المرأة الشابة له ، وابتسم لها ابتسامة لطيفة رقيقة ، وبعد هذه الحادثة بقليل زارها في منزلها ، وحدثت هيني عن ذكري هذه الزيارة وقد غلبها الحياء فقالت : " كان كل شئ في ذلك الصباح يعمل علي معاكستي ، فقد استيقظت من النوم متأخرة ، وفي الساعة التاسعة كنت لا أزال أمام المرأة أصلح من شأني ، وجاء الخادم وأعلن أن أحد السادة يريد أن يتحدث إلي ، وقلت في نفسى " من عسي أن يكون هذا الزائر ؟ " وأرسلت دورا لتعرف جلبة الأمر ، فعادت إلي في التو واللحظة حاملة بطاقة جيتي ، وذلك لي " أخبرني السيد أنه يستطيع الانتظار " فقلت لها " ادخليه على الفور ! وأسرعت وتلفعت بمئزر ، وهكذا تقدمت للقاء جيتي ، ولا أزال حتى اليوم استشعر الخجل لذلك ، ولكن اثرت الاستهداف لعدم ارتياحه على أن أتركه منتظرا ، فليس من اللائق أن تجعل جيتي ينتظر ! . وقد ارتبكت ارتباكا شديدا ، وغاب على أن اعتذر له عن اللبس الذي لقيته به . وقلت له إني أشكر لك حضورك ، وتكلمنا في أشياء تافهة ، وبطبيعة الحال كانت هناك آلاف الأشياء التي كنت أريد أن أتحدث إليه عنها ، ولكن هكذا حالة الإنسان حينما يلقي الذي يعبده ويقدسه ويحبه ويجله "
وكان هيني يستمع إلي ثنائها على جيتي والتنويه بأدبه بشئ من الضيق والغيرة ، وكان يجد صعوبة في أن يحني رأسه إزاء تفوق جيتي وامتيازه ، وكان يعتقد أن راحيل تبالغ في تمجيده ، وتعطيه أكثر من حقه ، وقد اجترأ على مخالفتها في ذلك ، فقالت لخاصة أصدقائها " إن هيني لم يبلغ بعد السن التي يستطيع فيها تقدير جيتى ، ولابد من أن ينضح الإنسان ويهذب ويصقل ويثقف نفسه لكى يستطيع تقدير حكمة شاعر ويملر ،ويقدر توازن جيتي وانسجامه الذي يشمل العالم جميعه ، على ما في هذا التوازن والانسجام من
متناقضات " وكان إعجاب راحيل بجيتى "المربى" أكثر من إعجابها بجيتي الشاعر . وقد كان هيني يحترم راحيل ويعجب بها ويقدر عطفها عليه ، ولكنه مع ذلك يرى أن من حقه ان يثور ويطاوع أهواءه ونوازعه ويقتحم عالم القلق والفوضى والاضطراب قبل أن يصل إلى الأتزان والانسجام .
وكان هيني يستمتع في صالونها بالحرية التامة ويعارض ويجادل ويناضل عن آرائه في قوة وعنف ، وكان صالونها من العوامل الهامة في تكوين أفكاره واتجاهاته ؟ وفي هذا الصالون استمع إلي هجل وهو يشرح آراءه في فلسفة التاريخ ، واسترعت راحيل نظره إلى جهود سانت سيمون وانصاره ، فأقبل على دراسة مشكلات القرن التاسع عشر الاجتماعية وعني بها طوال حياته ، وقد كانت حياة هيني ملأى بسوء التفاهم والمعارك والخلافات والدسائس والعداوات ، ولكن علاقته بأسرة فرنهاجن ظلت الناحية المشرقة في حياته التي لا تغشاها السحب ولايخيم عليها الظلام.
وفي مدينة كوتجن عرف هبني إكرمان الذي أصبح فيما بعد موضع ثقة جيتي والذي سجل احاديث جيتي في كتاب قيم مشهور ، وكان إكرمان قد بدأ يعرف بحبه لجيتي وشدة إعجابه بعبقريته . وقد نقل فرانسوا فينو مترجم حياة هيني مما زعم أنه مذكرات إكرمان غير المطبوعة ما يستفاد منه أن إكرمان سجل في هذه الذكرات يوم ٢ أغسطس سنة ١٨٢٤ ما يأتي :
" يحاول هيني أن يظهر في مظهر الرجل الغامض الشأن ، فقد قال عرضا إنه زار فيمار ، فأجبته أفي الحق أنك زرت فيمار ؟ .
فتظاهر بأنه لم يسمع ، وأخذ يتكلم في موضوعات أخرى ، وبعد نصف ساعة عاد إلى الموضوع نفسه وقال : إنه زار فيمار ، وإن الجعة هناك جيدة .
فسأله سبتا : الجعة وحدها ؟ فأجاب وقد غشيته غاشية من الذهول : وكذلك اللحم المشوي .
فقال له إكرمان وقد نفد صبره : أمسك عن هذا السخف . وحدثنا هل رأيت جيتي ؟
ولم يرد هيني في ذلك اليوم على هذا السؤال ، وترك إكرمان وأصحابه في حيرة من أمره .
وفي لقاء آخر حدثه هيني عن لقائة لجيتي وأطلعه على هذه الرسالة التي وجهها إليه قبل اللقاء ، وهو يقول فيها : " يا صاحب السعادة - إني أسألك أن تتيح لي حظوة لقائك بضع رفاق ، ولا أريد أن أثقل عليك ، وكل ما أوده هو أن أقبل يدك وانصرف ، واسمى ههنريك هيني ، وقد ولدت في أرض الراين ، وقد عشت إلى وقت قريب في جوتجن ، وعشت بعد ذلك سنوات عدة في برلين حيث تشرفت بمعرفة أصدقائك القدماء ، ولد وأسرة فارنهاجن وغيرهما ، وفي كل يوم كان يزداد حبى لك . وأنا نفسى شاعر ، وقد اجترأت منذ ثلاث سنوات على أن أرسل إليك مأساة ومعها ديوان شعر ، وفضلا عن ذلك فإنني رجل مريض ، وقد ذهبت لقضاء ثلاثة أسابيع في الهارز طلبا للراحة ، وهناك استولت على رغبة شديدة في أن أحج إلى ويملر لأقدم احتراماتي لجيتي ، وقد فعلت فعل الحجيج فجيئتك سعيا على الأقدام ، وقد بيض ثيابي غبار الطريق . والآن أسألك أن تحقق رغبتي وتسمح لي باللقاء ."
واسترسل هينى في حديثه مع إكرمان وقال " إن جيتي كان عذبا رقيقا لطيفا في لقائه ولكن لم يكن إنسانيا وهكذا كان الرجل الذي حاولت أن أكبره وأجله رغم ما بيننا من الاختلافات وتفاوت المسارب ، ولقد أصبت بخيبة أمل شديدة ، وقد سألني عما اعمله فقلت له : إني مكب على موضوع فاوست ، فتغير وجهه وتجهم وقال لي في برود : وماذا يستبقيك بأمر هيني في ويملر ؟ فأجبته وقد انحنيت له مودعا : لاشئ بعد هذه الزيارة . "
والظاهر أن هينى أراد أن يضايق جيتي وينتقم منه لفتورة وتعاليه ، بادعاء أنه سيتناول موضوع فاوست من جديد وينافس جيتي بالكتابة فيه .
وقد كتب هيني ضمن رسالته لأحد أصدقائه المقربين عن لقائه لجيتي : " جيتي وأنا طبيعتان مختلفتان متناقضتان . فهو في الجوهر رجل حابته الحياة ،وهو يرى أن الاستمتاع بالحياة هو خير ما فيها ، وبالرغم من أنه في بعض الأوقات يلمح الحياة المثالية ويشعر بها شعورا غامضا ويعبر عن ذلك
في أشعاره ، فإنه برغم ذلك لم يفهمها ولم يعشها ، وأنا على نقيضه ، فإني في الجوهر متحمس ، ومعنى ذلك أن المثل الأعلي يلهمني ويستأثر بي ، إلى حد أنني على استعداد لأن أقدم حياتي له ، بل هو يغريني على ان اجعله يستغرقني ويحتويني . ولكنني تعلقت يمتع الحياة ووجدت فيها لذة وسرورا . ومن ثم المعركة الرهيبة الناشبة في نفسى بين عقلي الواضح الذي يوافق على استمتاعي بلذات الحياة ويرفض التضحية بالنفس وبعدها حمقا وسخفا . وحماستي التي تشتد وتقوي وتأخذ بأكظامي وتحاول أن تدفعنى دفعا إلى عالمها القديم المنعزل"
وعجب هيني من أمر نفسه في أنائه لجيتي ، فقد ظل أياما يفكر فيما يقوله لجيتي حين اجتماعه به ، فما سنحت الفرصة وسمحت الأيام بهذا اللقاء لم يجد ألمع شبان عصره وأصدقهم عبقرية ما يقوله لجيتى سوى هذه العبارة التافهة : " إن البرقوق الذي ذفته في الطريق بين بنا وويملر هو ألذ وأشهى ما ذقته من هذا النوع " .
وتحدث هيني عن جيتي في الفصل الطويل والبحث الفضفاض الذي كتبه عن المدرسة الرومانتيكية ، ومن أقواله عن جيتي في هذا المقال : " كان جيتي يخشى كل كاتب فيه طرافة وله استقلال ، وكان يمجد ويمدح صغار المؤلفين وضعاف الكتاب ، وقد أمعن في ذلك حتى أصبح مدح جيتي لأي كاتب دليلا على أنه من الكتاب العاديين "
ولكنه مع ذلك حينما عرض للخلاف بين أنصار شلر وانصار جيتي في هذا المقال لم يأخذ جانب أنصار شلر وقال : " إن المعجبين بشلر يمتدحون في حماسة طهارة ماكس يكولوميني وصفاء تكلا وبوزا وغيرهم من أبطال روايات شلر ، ومن ناحية اخرى يعيبون أخلاق فيلين وكانتش وكلارش وسائر بطلات جيتي وأبطاله ويعدونهم خارجين على الآداب ، ويقابل أنصار جيتي ذلك بالإبتسام ، ويقولون إن أبطال جيتي وبطلاته لا شان لهم بالأخلاق ، وإن عالم الفن لا يعبأ بالفوارق الأخلاقية ، والفن مثل الكون قد وجد لأجل نفسه لا لأجل الآداب والأخلاق ، وبالرغم من أن آراء الناس عن الكون تتغير وتنسخ فإن الكون نفسه يظل على حاله ، ولا يطرأ عليه تغيير ، ولذا يجب أن يظل الفن كذلك بعيدا عن التأثر بآراء الجيل المعاصر من
بني الإنسان . ويلزم أن يظل الفن مستقلا بوجه خاص عن المذاهب الأخلاقية ، لأن هذه المذاهب تتغير كلما ظهرت ديانة جديدة وحلت محل المعتقد القديم " ويعلق هيني على وجهة نظر أنصار جيتي التي أطال في عرضها عرضا نزيها وافيا بقوله : " إني لا أقبل هذا الرأي بدون تحفظ ، ولقد أدى هذا الرأي بأنصار جيتي إلى أن يعلنوا أن الفن هو أسمي ضروب الخير ، وقد أغراهم ذلك على أن ينأوا بأنفسهم عن مطالب عالم الواقع الذي يجب أن تكون له المكانة الأولى ".
ويرى هيني أن شلر استجاب للعالم الحقيقة والواقع اكثر من جيتي ، وانه يستحق المدح من أجل ذلك ، وقد حمل شلر علم المعركة ، وتغني بأفكار الثورة الفرنسية العظيمة ، وهدم حصون باستيل العقل ، واشترك في بنيان معبد الحرية ، هذا المعبد الهائل الذي تأوي إلي ظله الشعوب ، وتلوذ بركنه الأمم ، وقد عني شلر بالتاريخ ، وتحمس للتقدم الاجتماعي . أما جيتي فقد أقبل على دراسة الفرد والطبيعة والفن ، وكان عدم اكتراثه نتيجة من نتائج تأثره بمذهب وحدة الوجود . ومما يؤسف له أن هذا المذهب كثيرا ما يؤدي بمن يأخذ به إلي ترك الأمور تجري في أعنتها ، لأنه إذا كان كل ما في الوجود شيئا مقدسا فسواء ان يشغل الإنسان بالسحب أو بالجواهر القديمة وبالأغاني الشعبية أو بتشريح القردة ؛ ولذا لم يحمل جيتي بمطالب الإنسانية ، وشغل نفسه بالتشريح ونظريات الضوء ودراسة النباتات ومراقبة السحب ، وحقيقة أن جيتي وصف بعض معارك الصراع العنيف لأجل الحرية ، ولكنه وصفها كفنان ، فقد كانت الحماسة المسيحية بغيضة إليه ، وكان ينفر منها وبمحتويها ، وهو لم ينغمس في الفلسفة التي سارت في عصرنا ، إما لأنه لم يستطع فهمها وإما لأنه خشي أن تفقده هدوء النفس ، ولست أنكر قيمة أعمال جيتي وطرائفه الفنية ، فهي تزين بلادنا المحبوبة كما تزين التماثيل الجميلة الحدائق ، ولكنها بعد كل شئ ليست سوي تماثيل ! وقد يعشقها الإنسان ولكنها ممحلة قحلاء ".
ويصرح هيني بأن ما ساء هيني وشباب ألمانيا في كتابات جيتي هو عقمها وتفرغ جيتي للفن وتأثيره الذي راخي من عزائم بعض الشبان وكان عقبة في سبيل التجديد السياسي الذي كان لازما لبلادهم .
وقد هاجم المؤرخ النقادة الألماني منزل جيتي هجوما عنيفا ، وانكر عليه عبقريته ، وفضل عليه شلر ، ويقول هيني عن هذا الهجوم العنيف : " كنت في ذلك الوقت من خصوم جيتي ، ولكنى مع ذلك لم تسرنى الخشونة التي أبداها منزل في نقده ، وقد شكوت قلة الاحترام لجيتي التي انطوي عليها النقد ، وقلت إن جيتي برغم كل شئ هو ملك أدينا ، وفي تناوله بسكين النقد يخلق بنا أن نعامله بالاحترام اللائق . مثل الجلاد الذي كان عليه أن يطيح رأس شارل الأول . فإنه قيل أن يقوم بواجبات وظيفته ركع إزاء الملك والتمس منه الصفح ".
ويعتذر هيني عن خصومته لجيتي بقوله : " ثم أكن مثل هؤلاء النقاد الذين استعملوا مناظيرهم المصقولة وادعوا انهم رأوا كسفا في صفحة القمر ، فإني لم استطع أن أجد عيبا في أعمال جيتي الفنية ، وما حسبه هؤلاء القوم ذوو البصر الحاد كلفا في وجه القمر هو غابات مزدهرة وجداول فضية وجبال شم وأودية باسمة ضاحية ".
ويرد هيني على الذين يفضلون شلر على جيتي بقوله : " لاشئ أدل على الحماقة من انتقاص جيتي لإعلاء شأن شلر ، وقد جرت العادة أن يمدح شلر من أجل النيل من جيتي ، ألا يعرف هؤلاء النقاد أن هذه الشخصيات التي صورها شلر في صورة مثالية أسهل في الخلق وأدنى منالا من هؤلاء الكائات الضعيفة الدنيوية التي يرينا جيتي لمحات عنها في أعماله ؟ الا يعلمون أن المصورين العاديين يختارون في أغلب الأوقات موضوعات مقدسة ويصورونها بغير إجادة ولا اتقان ؟ ولكن تصور فلاح له سنة منتزعة أو امرأة متقدمة في السن كريهة المنظر يستلزم أستاذا بارعا في التصوير ، وأعظم مزايا جيتي هي اكتمال أعماله الفنية ، فليست فيها أجزاء قوية وأخرى ضعيفة ، وليس فيها اختلاط وفوضى ، ولا تعصب لبعض الشخصيات ، وكل شخص يظهر في روايات جيتي وتمثيلياته كأنه الشخصية الرئيسية ، وكذلك فن هومر وفن شكسبير " .
وهكذا لم يستطع هيني أن ينكر على جيتي براعة فنه وعظيم مكانته في الأدب الألماني ، بالرغم من تمرده عليه ، وحسده له ، وضيقه ببعض الجوانب التي عدها جديرة بالنفور فى شخصيته ومسلكه وموقفه.

