الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

بين ڤولتير و الجاحظ

Share

هل كان بين كبير ناثرى الفرنسى فولتير وبين شيخ كتاب العربية أبى عثمان الجاحظ ثمة محاكاة وشبه في حياتهما وأخلاقهما وكتاباتهما ؟

هذا ما بدا لى أن أبحث فيه ، فلعلى واجد شيئا من هذا القبيل .

هناك فارق كبير بين عصرى الرجلين ؛ فعصر الجاحظ عصر حرية وانطلاق أفكار ، عصر حطم فيه كثير من قيود الماضى ، قال عنه أبو عثمان : " وقد أمكن القول ، وصلح الدهر ، وخوى نجم التقيد ، وهبت ريح العلماء ، وكسد الغى والجهل ، وقامت سوق البيان والعلم " ، فاستطاع الجاحظ أن ينشر آراءه ، ويدلى بأفكاره في كثير من الحرية والصراحة ، لا يخشى اضطهاد سلطان أو عسف ذي بطش .

وأما عصر فولتير فكان على النقيض من ذلك ؛ عصر الحكم الاستبدادى المطلق ، وكان على من يكتب فيه أو يتكلم أن يكون صاحب التاج راضيا عما يكتب ويتكلم ، وإلا فالبا سنئيل بالمرصاد لمن يتمرد أو ينتقد ؛ فكان رجال الفكر والقلم في ذلك العصر مقيدين بأغلال تحول دونهم ودون ما يروءون البوح به .

إذا كانت سبيل الجاحظ ممهدة معبدة ، بامكانه أن السير فيها ويتوغل دون محاذرة ولا وجل ، بينما كان فولتير يسعى قلقا محاذرا فى طريق محفوفة بالأشواك والأخطار . فإذا رجعنا إلى تاريخ حياة الحاحظ ، ونظرنا فيما وصل إلينا من آثاره وتآليفه ، نجد أن صاحبنا كان مطبوعا بطابع عصره ، أي أنه كان حر التفكير ، أو ما كان من

المعتزلة الذين سماهم فريق من الغربيين " المفكرين الأحرار " ، وكان مذهبهم قائما على العقل وحده ، يعمدون إليه في التفسير والتأويل ، وتصحيح الأحكام ، وتمييز الأحاديث ، بل إن الجاحظ نفسه لم يقبل مذهب المعتزلة كما كان ، بل كانت له آراؤه وأنظاره الخاصة ، وكان له مذهبه الخاص وهو المدعو " بالجاحظية " .

ولما كان عصره يزخر بشتى المذاهب والفرق ، من سنيين وشيعة وخوارج وزنادقة وغيرهم ، فإنه لم ينج من أقلام وألسنة خصومه وحساده ، فتناولوه بالنقد وتعرضوا له بالطعن ، واتهمة بعضهم في دينه ، وآخرون بوضع الحديث . ولكن الجاحظ وقف لخصومه الكثر موقف المحجاج المناضل ، فرد عليهم افترا آتهم ، ولدغهم بسخريته . وقد تواطأ عليه فى أواخر حياته أعداء مذهبه وحساده من جهة ، والفالج والنقرس من جهة اخرى ؛ ومع ذلك فلم يكن ليتراجع أو يجبن ، كان مستمرا في الكتابة دون ملل او تقاعس ، وإذا تأملنا في آثاره وجدنا خيرها ما كتبه أبو عثمان إبان علته وفى أواخر حياته ككتاب الحيوان والبيان والتبيين وغيرهما .

هل نجد مثل هذا لدى فولتير ؟     وهل كان حرا فى تفكيره ، كالجاحظ ؟ أجل ، وأبرز شاهد على ذلك ثورته على رجال المذهب الكاثوليكى وعلى المذهب نفسه ، فكان دائم السخرية والطعن في هذا المذهب وشيوخه ، لا يفتأ يردد : " لنسحق المرذولة " : Écrasez l'infâme ، وفي كل ما كتب يتجلي حقده على هذا الذهب واضحا جليا ، وبلغ به الأمر إلي السخرية من القديسة جان دارك ، فكتب عنها

قطعة أسماها " العذراء " فيها كثير من الفحش والسفه .      بيد انه إذا كان فولتير حر التفكير ، فما كان عصره ليفهم مثل هذه الحرية ، خصوصا وأن نقمة فولتير كانت منصبة على المذهب السائد إذ ذاك في فرنسا ، وكان من أنصاره الملك نفسه .  على عكس الجاحظ الذي كان يدافع عن مذهب أخذ به المأمون وناصر ؛ فكان عمل فولتير فيه كثير من التهور والجرأة ، بينما كان الجاحظ لا يخشي مغبة ما يكتب ، وإن كان في آخر حياته ، زمن المتوكل ، اضطر أن يلزم جانب الاعتدال لاشتداد الخليفة على المعتزلة . وقد دفع فولتير ثمن تهوره واجترائه ، فزج في " الباستيل " مرتين وأبعد من البلاد وحرم عليه دخول باريس ، وأحرق كثير من كتبه ، وغضبت عليه الكنيسة الكاثوليكية ، حتى إنها عند ما مات رفضت الصلاة عليه ودفنه لولا ما قام به اصدقاؤه الفلاسفة من مجاهيد وحيل .

ورغم هذا الاضطهاد لم يكن فولتير يتقاعس عن الكتابة ونشر آرائه وأفكاره ؛ ولما انعزل في ضاحية " فرني " كان الكبراء و النبلاء والأدباء واناس من كل طبقات الشعب تفسد إليه وتستمع إلى أحاديثه ، وتدعوه " الملك فولتير " ، وقد دخل العاصمة باريس في آخر سنة من حياته دخول الظافر واستقبل كما تستقبل الملوك ، وتوج حين حضوره تمثيل روايته " إيرين " بإكليل من الغار ، وصفق له الشعب المتفرج طويلا .

فالجاحظ وفولتير اشتركا في هذه الصفة ، أى في ميلهما إلي الحرية الفكرية ، وإلى إعمال العقل ، فكثر خصومهما وطعن في اعتقادهما واتهما بالإلحاد والكفر . ونتيجة ميلهما إلى إعمال العقل التحري عن الحقيقة ؛ كان كلاهما يدعم أبحاثه بالحجج والأدلة ؛ فالجاحظ يقوم بتجارب ومعاينات ومشاهدات في الحيوان وغيره ، لكى يستوثق من صحة ما يثبته في كتبه ، وعلى الأخص في كتاب

" الحيوان " الذي ملأ ، بذكر تجاربه ومعايناته في شتي أصناف الحيوان ، ورحلاته في سبيل التحقيق ، وهو القائل : " لا تشفيني إلا المعاينة " .

فإذا تركتا كتاب " الحيوان " جانبا ، ونظرنا في " عصر لويس الرابع عشر " و " تاريخ شارل الثاني عشر " نري أن فولتير قد شحنهما بالبراهين والأدلة ، وتحري في تاريخه مطابقة الواقع والحقيقة . ففي خلال العشرين عاما التي قضاها في كتابة " عصر لويس الرابع عشر " كان يتلقف المعلومات التاريخية من أفواه ذوي المناصب الكبيرة ، ومن كانت صلتهم وثيقة ببلاط الملك ؟ وكان يملك إلي جانب هذا عددا كبيرا من المؤلفات التاريخية التي تبحث في تاريخ ذلك العصر . بل إنه زار بنفسه الميدان الذي حدثت فيه معركة " روكروا " المشهورة ، و أكثر الأماكن التي وقعت فيها أحداث ذات شأن .

يجوز أن يكون فولتير قد أهمل تحري الحقيقة والطابع المحلى في قصصه ورواياته ، ذلك لأنه كان يكتبها لا لغاية تاريخية ، وإنما تحقيقا لأهداف وغايات أخري ، كمعالجة الأمور الاجتماعية والنيل من المذهب الكاثوليكي ؛ فكان يفعل كل شئ في سبيل إبراز فكرته في القصة ، وما عدا ذلك فلا يهمه في قليل ولا كثير ؛ ولكنه في التاريخ علي عكس ذلك ، الحقيقة والواقع أولا .

وإذا تغلغلنا في نفسي الرجلين ، وجدنا أن حب التفوق والتميز متمكن منهما ، وإن كان هو لدى فولتير أشد منه عند الجاحظ ؛ كان فولتير شديد الأثرة ، لا يحب إلا نفسه ولا يري في العالم عبقريا سواء ، ومن تجرأ على انتقاده فقد قذف بنفسه بين فكى الأسد ، إذ يرد عليه فولتير بتهكمه المشهور ولا يزال يلاحقه حتى يلفظ أنفاسه ، ففولتير طاغية جبار لا يرحم خصومه .

لكن الجاحظ لم يكن مثل فولتير في القسوة والأثرة ؛ على انه كان على شيء من الزهو والطمع وحب السيطرة

والتفوق ، ينال من منتقديه بشدة وصرامة ، ولربما فكر في أن تكون الخلافة له يوما من الأيام ، إذا لم يكن هازلا ؛ فقد سأله بعض الناس عن حاله فأجاب : " سألتني عن الجملة فاسمعها مني واحدا وحدا ؛ حالي ان الوزير يتكلم برأيى وينفذ أمري ويؤثر الخليفة الصلات إلي ، وآكل من لحم الطير أسمنها ، وألبس من الثياب أليها ، وأجلس على ألين الطبري ، وأتكئ على هذا الريش ، ثم اسير على هذا حتى يأتي الله بالفرج " . فقال الرجل : الفرج ما أنت فيه .  فقال : " بل أحب أن تكون الخلافة لي ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري ويختلف ، فهذا هو الفرج " .

وهذه الرغبة في التفوق دفعت الرجلين إلي الكتابة فى كل موضوع ، وإلى تناول كل بحث ، أي إلي الاحاطة ، ففولتير مؤرخ وقاص وكاتب مسرحي وفيلسوف وشاعر وناقد اجتماعي وله مؤلفات في بعض العلوم . ولكن هل كان ناجحا في كل ما كتب وعالج ؟ إن توزيعه جهوده في كل هذه النواحى جعله يخفق في أن يبرز فيها كلها كما كان يرجو ، بل كان كما قال " ديدرو " الثاني في كل شئ .

وكان الجاحظ أيضا ملما بكثير من النواحى ، بدافع من حب التفوق من جهة ، وبتأثير عصره من جهة اخرى ، فكتب في العلم والأدب والفلسفة والفقه وعلم الكلام والطبيعة والكيمياء والحيوان والأخلاق والصناعات والاجتماع والعاهات والألعاب وقرض الشعر الخ . . ولكنه لم يكن موقفا في كل هذا ، فلم يكن شاعرا بالمعنى الصحيح ، وخطأه الاخصائيون في الجغرافيا والطب والكيمياء وفيما عدا ذلك كان ناجحا أو مبرزا .

والذي يسمو بالرجلين سموا عظيما هو الاسلوب . فلكل منهما أسلوبه الفرد الذي لا يجاريه فيه أحد ، فيقال أسلوب فولتير وأسلوب الجاحظ  ولا يخلو الأسلوبان من تشابه في بعض الوجوه ، فكلاهما يمتاز بالسهولة

والوضوح الثامين دون غموض ولا تعقيد ، وكلاهما يرتفع فى أجواء البلاغة والبيان ، وكلاهما تتمشى فيه روح النكتة الخفيفة والتهكم اللاذع المر . وكما أن فولتير كان شيخ المتهكمين من بني جلدته ، فإن الجاحظ إمام المنهكمين من كتاب الناطقين بالضاد ، فيتهكم بالجهلاء من المفسرين ويدعوهم بالحشوبة ، ويتهكم برواة الأخبار الخرافية الغريبة ، ويتهكم بمن ينقده أو برد عليه ، ويتهكم بالمعلمين الحمق الخ . وحسبك أن تطالع رسالته في التربيع والتدوير ، فهي أبرز مثال عربي في التهكم ، يقول فيها مخاطبا الرجل الذي من أجله كتب الرسالة : " وأنا ، أبقاك الله ، أعشق إنصافك كما تعشق المرأة الحسناء ، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين . . " الخ .

وكأن في نفسي الرجلين ظمأ شديد للمعرفة ، يبحثان عنها في كل المواطن ، فكان فولتير كثير المطالعة والقراءة ، فلما فاتته مطالعة كتاب أو مؤلف ، وقد اطلع على كثير من الكتب الأجنبية ؛ وليس من المستبعد ان يكون قد أتى بترجمان عربي من الأندلس ليترجم له بعض الكتب العربية ، وإلا لما استطاع أن يكتب قصصه عن محمد وعن الاسلام ، وإن كان فيها كثير من الخلط .

ولم يعرف من هو أكثر مطالعة وشغفا بالمعرفة بين العرب من الجاحظ .  قال فيه أبو هفان : " لم أر قط ولا سمعت ممن أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ ، فانه لم يقع في يده كتاب قط إلا استوفي قراءته كائنا ما كان ، حتى إنه كان يكتري دكا كين الوراقين ويبيت فيها للنظر " .       وكان الجاحظ أيضا يلتعس المعارف من أفواء الناس ، فيحادث القصاصين والحواثين والسماكين والملاحين وغيرهم .       هذا ما وجدته من وجوه الشبه بين الرجلين ، وأكبر ظني أنهما لو تلاقيا علي صعيد واحد ، في عصر واحد ، لكان من الجائز أن يكونا توأمين في كتابتهما وأخلاقهما .     (دمشق : حي القنوات )

اشترك في نشرتنا البريدية