الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 667الرجوع إلى "الثقافة"

بيْن المجَلةْ وقرائهَاْ

Share

وجودية توفيق الحكيم

في أكثر من قصة من قصص توفيق الحكيم استطعت أن أقف على بذور مما تسمونه بالأدب الوجودي . ولمحت هنا وهناك في أعماله ما يصح أن يكون عناصر لفكرة وجودية كاملة .. هل تعتقدون ذلك؟ وهل يمكن أن نحاول دراسة أدب الحكيم تحت هذا المنظار؟ .. (وزارة المالية)                         أحمد علي حسن

توفيق الحكيم رجل فنان، وليس رجل دعوة. كان من الممكن أن يظهر توفيق الحكيم في حياتنا الأدبية رجلاً ضخماً، واضح المذهب ، بيّن السمات . . ولكنه لا يستطيع أن يخرج على طبيعته كفنان ليحمل فيه في اتجاه نقدي يفسر به اعماله، ويعطى به معاني وتحليلات لجملة ما كتب. لم ينصرف عن فنه ساعة من الساعات  واقتصر على توسيع الأدوات الأدبية التي يبني بها تراكيبه الفنية، ويشيد عليها قصصه وتمثيلياته.

لقد شُغل توفيق الحكيم طيلة أيام حياته بتعميق الوسيلة الفنية وعناصر التكوين الأدبى للقصة، ودراسة التفصيلات الدقيقة والجزئيات الصغيرة التى ينسج الكاتب منها أعماله ومؤلفاته. ولكنه لم يحاول استعراض مذهبه الفني الخاص، ولم يسع لتفسير أعماله وتقويمها التقويم اللازم. فمثلا لم ينتظر العقاد شراحاً ومفسرين لأعماله الشعرية ولكتبه المؤلفة .. وإنما قام هو نفسه يعمل كل ما يلزم من التوضيحات، وكل ما من شأنه أن يقيم البناء المذهبي الكامل لأفكاره وفنونه. أما الحكيم فعلى عكس ذلك، ظل قابعا ينتظر المحللين والمفسرين، ولم يحرص على الدعوة لفنه يقدر ما حرص على التكوين والإبداع.

ولاشك أنه مما يضر بالكاتب أن يبقى على هذا النحو طالبا كان هو نفسه قادراً على أن يكشف لنا من أسلوب فنه، ومن داخلية ذاته، ومن باطن فؤاده، ما يلقي ضوءاً على

جملة مؤلفاته. بل نستطيع بهذه الطريقة أن نحصل على مذاهب نقدية مماشية للاتجاه الأدبي الخالص عند المؤلف.

ولا أدري ماذا سيكون رأي الأستاذ توفيق الحكيم فيما سأقوله تأييداً لفكرتك عن وجود وجودية عنده. وأكون شاكراً لو تبرع بالرد على ما سوف أسرده من كلام في هذا الصدد.

لمست أنا شخصياً ذلك الاتجاه منذ وقت بعيد، فحسبته مجرد تأثر بالأدب الفرنسي الذي أقبل على دراسته الحكيم منذ فجر حياته. ولكنني بالربط بين جملة من الظواهر استطعت أن أجد مبررات وشواهد على هذا الحكم. على أننا إذا استطعنا أن نتحسس هذه البذور الوجودية في أعمال الحكيم، فعلى أساس أنه من طراز آخر سوى ذلك الطراز الملحد في فرنسا، ذلك أن الوجودية نوعان: وجودية ملحدة يتزعمها سارتر، ويمضي تحت لوائها سيمون دي بوفوار ومارلو يونني وألبير كامو ، ووجودية مؤمنة على رأسها جابريل مارسل ، ويحمل في اتجاهها مارتن يوبر وكارل بارث. ولو أنني حاولت أن أتحسس اتجاهاً وجودياً معيناً لدي الحكيم، فعلى أساس أنه من الطائفة الأخرى، وأنه أميل بذوقه ومزاجه وشعوره إلى أن يوضع في قائمة المؤمنين.

هذه أول خطوة في سبيل الكشف عن المقومات الوجودية في أعمال الحكيم. والخطوة الثانية هي ألا تنتظر منه شروحا فلسفية، وكتابات فكرية تحليلية في الأسس التي قامت عليها الوجودية، لا تنتطر شيئاً من هذا .. بل لا تحاول أن تجد عنده تحليلاً لأفكاره هو نفسه ولو كانت من صميم الوجودية. وإنما لابد إذا شئت التماس لمحات وجودية أن تجمعها جمعاً من مؤلفاته. فيمكنك مثلا أن تقف وقفة طويلة عند قوله في أهل الكهف على لسان مارتوش :"إن الوجود المطلق هو العدم"، وقد صدرت منه هذه العبارة حين لم تكن الوجودية الفرنسية الحديثة قد انتشرت هذا الانتشار الواسع.

كذلك نلاحظ أن الإنسان يعمل في الوجودية الفرنسية حسب الظروف والمواقف التي تحيط به، ويكون متجاوباً مع الأوضاع من حوله. إن الإنسان في وجودية فرنسا حريص على أن يكون ابناً للعصر والزمن الذي ينشأ فيه، ويستحيل أن يتجاوب مع الأزمنة الأخرى التي لم يتفق معها بتجاربه وروحه وشخصيته. وشيء من هذا نلمسه بوضوح في أهل الكهف عندما جاء الفتيان الثلاثة إلى المدينة ولم يمكنهم أن يستمروا في حياتهم مع الأهالي المقيمين هنالك. فقد جاءوا بتكوين شخصي مغاير لما يتطلبه الوضع الزمني من حولهم .. جاءوا ليعيشوا في عالم آخر ليس بينه وبين ما في نفوسهم من التجارب أدنى رباط .. إن هذا الزمن الذي جاءوا ليعيشوا فيه لم يخلق لهم، ولم يكن زمنهم، بل هو زمان قوم آخرين. وفكرة الالتزام في الوجودية الحديثة إنما تبعث من هذه المطابقة بين مسئوليات الإنسان وظروف العصر. وقد كانوا هم شيئا آخر .. شيئا غريباً على هذا الزمن ، فلفظهم في النهاية ولم يقبلهم. ويسري نفس الخيط من أهل الكهف إلى آخر مسرحية من مسرحيات "مسرح المجتمع" وهي المسماة "لو عرف الشباب" فتجد فيها عين الفكرة باسقة يانعة.

وتستطيع أن تحس من جملة أعمال الحكيم أنه أخذ موقفاً مقابلاً لموقف سارتر .. فسارتر يقول إن الإنسان حر وإن وجود الفرد ملزم بأن يخضع لهذه الحرية .. بل إن تجاريب الشخص هي التي تحدد معاشه وترسم خطوط حياته وتكون نسيج وجوده. أما عند الحكيم فحرية الإنسان وهم ... إن الإنسان ليس حرا ولكنه سجين زمانه وزمنه هو الذي يصنع وجوده. ووجود أى إنسان مرهون بالزمن الذي يظهر فيه.

كذلك نشعر أن الحكيم لم يستطع أن ينزع نفسه من الوسط الشرقي الذي عاش فيه، وكانت عقيدته مرهونة بما يسري الآن بينا من النزعات الدينية، وجاءت أفكاره الوجودية متمشية مع أديان الشرق التي تؤمن ببعث الإنسان ولا تحرم الإنسان من آماله في حياة أخرى. هذا بينما وجودية سارتر ملحدة إلحاداً تاماً قوياً عنيفاً وتذهب إلى حد تأليه الإنسان، ولو أخذنا تعدد بذور الوجودية في

أعمال الحكيم لكان واجباً علينا أن نكون حذرين بحيث نضمه إن أمكن بين الوجوديين المؤمنين.

ويحاول الحكيم أن يكون متفائلا في وجوديته ... إذ يبدو لأول وهلة أمام الرائي كما لو كان حاول تضييق الخناق على الإنسان بوضعه داخل إطار زمني يوحي بالتقاعد والتواكل، ولكنه فيما أرى قد أحس بأن الوجودية الأوربية جرت الوبال على أوربا، إذ يظن أن الإنسان الحر عند الأوربيين قد ادفع في حربه ضد الإنسان بعد أن شعر يحربته المطلقة وبأن شيئا ما لا يحده وانه فوق كل شئ، ولا يقوى كائن ما كان على صراعه؛ فهي إذا نظرية نتيجتها تدمير الإنسان لذاته، هكذا خيل إلي توفيق الحكيم، فأراد وضع وجودية مقابلة تشعر الانسان بأنه ليس وحده صاحب السلطان، وإنما هو موضوع في دائرة الوجود أمام كائن جبار هو الزمن، وكان لزاماً على الإنسان أن يكافح الزمن، وأن يجد وسيلة ذلك في العمل المتصل لقل أسلحته وبئر عوامل الفناء، فقام يناضل ويسعى لبناء كل ما من شأنه أن يحول دون تأثير الزمن فيه بكل ما يكفل له البعث من جديد سواء مادياً أو معنوياً، وهكذا يفتح الحكيم أبواب التفاؤل في الانسان ويدعم إحساسه بحرارة الحياة، ويأخذ آمال الإنسان وأعماله مأخذ الجد، وينشيء لنا ما يصح أن نسميه وجودية مصرية إذا سلمنا بالمقدمات. والرأي بعد هذا للأستاذ الحكيم نفسه، وأرجو أن يتفضل ببيان.

اشترك في نشرتنا البريدية