الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 675 الرجوع إلى "الثقافة"

تأثير الاستعمار، في الاتجاه الفكري الحديث

Share

من الواضح المعلوم أن الاستعمار يقوم على الاستغلال . وان بقاءه متوقف على إبقاء الشعوب المستغلة مشغولة عن حقوقها باستغراقها في المضى وراء الرزق ، ثم بما يبثه دعاة الاستعمار في روعها من معتقدات ومثل خلقية تحيب إليها الصير والقناعة والطاعة والرضا بالواقع والتعلل بآمال ليست في الحقيقة إلا أضاليل أوهام ، وأضغاث أحلام .

والاستعمار لا يستغل البلاد التي يستعمرها فحسب ، ولكنه يستغل شعوبه كذلك . فمستعمراته تزوده بالخامات التى يحتاج إليها ، ثم تشتري أسواقها جل منتجاته الصناعية بأفدح الأثمان . أما شعوب البلاد المحتلة بجيوشه فتستنفد جهدها في إدارة دولاب مصانعه لتوفر له ما يطمع في انتاجه من بضائع ، وتحقق له ما يحلم به من أرباح ، دون أن تستفيد هي بشيء مما تنتجه وتبذل في سبيل إنتاجه صحتها وأعصابها ، بل وحياتها في بعض الأحايين .

ومن الواضح كذلك أن الاستعمار يتوق إلي بقاء هذه الحال ما بقيت الأيام ، وهو لذلك لا يحاول استبقاءها بجيوشه ونفوذه وماله فحسب ، ولكنه محاولة بما يبثه في نفوس النشىء وغير النشئ من عقائد تخدم غرضه مستعينا على ذلك بالمدارس والمعاهد والجامعات والمنشآت الثقافية . وهكذا استطاع أن يخلق البيئة التي تمده بنوع من رجال العلم والأدب والفن يحققون له من حيث يعلمون أو لا يعلمون أغراضه بما ينشرون بين الناس من إنتاجهم الثقافي الميتافيزيقي . وكلما ازداد الاستعمار ثروة وقوة . وازدادت الشعوب المستغلة نتيجة لذلك فقرا وذلة ، اشتدت الحاجة إلى تجريع تلك الشعوب جرعات جديدة من تلك الثقافات الرائعة أقوى مفعولا حتى لا تفيق مما هي عليه من غفلة . .

ويسهل على من يختص تاريخ أوربا خلال القرنين الأخيرين أن يتبين العلاقة بين إنتاج البلاد الأوربية الصناعي

وبين إنتاجها الثقافي . فكلما أزدادت الصناعة أزدهارا ، وترتب على ذلك استشراء النزعة الاستعمارية ، ازداد ميل الإنتاج الثقافي إلى النوع العاطفى أو الروحاني أو الفكري المجرد الذي يدعو إلى احتقار مطالب الحياة المادية . والاستعاضة عنها بالمتع الروحية .

ظل الفريق الاكبر من حملة الأقلام ، خادعين أو مخدوعين ، يحاولون منذ نشأة النهضة الصناعية الغربية الحديثة . تزهيد قرائهم ، والشعوب التي تتأثر بقرائهم ، في خيرات الوجود . وحملهم على احتقار الحاجات الدنيوية وتقديس الروحانيات والمعنويات . ولم يتركوا أسلوبا من أساليب الفصاحة المضللة ، أو حيلة من الحيل البيانية الخادعة إلا لجأوا إليها ليصرفوا الأقوام المستغلة ، بقصد أو بغير قصد سئ . عن المطالبة بحقوقهم المادية المشروعة المهضومة . وكانوا يلقون من سادة الاستعمار ومن يدورون في فلكهم كل تقدير وإعجاب . وكل إجلال وإكبار . كانت تفتح لهم أبواب القصور ، ودور البيونات ، والمحافل المؤسسات ، وتبذل لهم الخبرات ، وتهش لهم الوجوه ، وتفتر الثغور . وهكذا وجدوا ما يحفزهم على قطع شوطهم حتى آخره . أما الكتاب الأحرار فلم يكتب لهم في عالم الاستعمار إلا الفقر والحرمان والاحتقار ، وهكذا لم يجدوا إلا إنكار الفضل ، وتثبيط الهمة .

ولم يكتف المستعمرون بتلك الحملة الفكرية التى هيأوا لها سبيل النشوء والازدهار ، ولكنهم خشية من افتضاح أمرهم ، وظهور الحق سافرا ، اضطروا إلى النزول مذعورين الميدان بأنفسهم . فإنك لتسمع من هنا أو من هناك صاحب جاه عريض ، أو صاحب مال وفير ، أو سياسيا خطيرا ، أو وزيرا كبيرا ، أو رئيس دولة عظمي ، تسمع هؤلاء ينادون متباكين بأن خطر النزعة المادية الحديثة بتهدد تراث الحضارة الغربية ويكاد يودي بها . ويناشدون شعوبهم أن

تدفع ذلك الخطر باحتقار ماديات الحياة ، والاستمساك بالقيم المعنوية السامية ، والصفات الروحية النقية ، زاعمين أنها هي التي ترقي بالإنسان عن مستوي اليوم ، وتتيح له الحياة المرضية الكريمة . ولم يخجلهم أن يتكالبوا ، وهم يرددون هذه المزاعم المغرضة ، على متاع الدنيا ، وأن يحاولوا الاستئثار به لأنفسهم دون الشعوب المخدوعة التي استنزفوا دماءها ، وامتصوا نخاعها . وتمادوا في التغرير بها ليصرفوها بزخرف الأوهام عن الفطنة إلي حقها المهضوم والمطالبة به . . لم يخجلهم تمثيل هذا الدور المكشوف وهم يهضمون حقوقها علنا ، ويجردونها حتى من مقومات الحياة الضرورية . ويضربون حولها غبابة كثيفة من الجهل لتظل في غفلة عن حقها ، مخدوعة بإفك الأفاكين . وتضليل رجال الفكر ، سواء في ذلك المضللون منهم والضالون . على أن تلك الجرع المخدرة التي تمادي سادة الاستعمار ، ودعاتهم من الكتاب والفنانين ، في تجريعها للشعوب المستغلة ، ثم تحل دون استيقاظ فريق كبير من مهضومي الحقوق بعد طول الركود أو الرفاد ولم تحل كذلك دون هبوب الأحرار من الكتاب والفنانين للتعبير عن إرادة تلك الشعوب المكبوتة ، ومعاونتها على فهم حقيقة وضعها ، وسلامة حقها . وحفزها إلي تحطيم ما يكبلها من قيود . ومن ثم بدأ الصراع بين ثقافة البرج العاجي ، وبين الثقافة الواقعية المكافحة . وأخذت الشعوب تدرك فحوي رسالة الأدب الحر رويدا رويدا ، وتفهم معني ما يردده الكتاب الأحرار من أن الاستعمار يحي ويستغسل على المادة بينما يتظاهر باحتقارها . وانه يخادع ويرائي إذ يتغني بالعهد السابق على اختراع الآلة حيث كانت السيادة للمعنويات دون الماديات ، فهو يمقت ذلك العهد الذي كان سادة المال فيه عبيدا للأشراف ، ويزهي بنفسه لما حققه من ازدهار مادي . وهو إذ ينادي بوجوب استمساك الشعوب بالمباديء الشريفة يحطم كل مبدأ شريف في سبيل تمكنه من المضى في استغلاله المادي . وهو لا يعترف إلا بالمادة ، ولا يؤمن بغيرها حتى أصبحت علاقات الناس في نظامه لا تقوم إلا عليها ، وقيم الناس لا تقاس إلا بها . وصارت انبل العواطف خلف ركابها حتى لم يعد هناك حب أو تقدير ، أو أبوة أو

بنوة ، أو غير ذلك من صلات الدم أو العاطفة النبيلة ، إلا وقد اثرت المادة فيها ونالت منها . فالاستعمار هو النظام المادي المقيت الذي يتخذ من القوة المادية وسيلة للاستفحال والأستشراء على حساب الشعوب المغبونة التي تمده بتلك القوة .

حين استيقظت الفلسفة الأوربية من سباتها إبان القرن السابع عشر ، وأرادت التحرر من ربقة العقائد الفلسفية القديمة التي استعبدتها حقبة طويلة ، ومن تحكم رجال الكنيسة الذين حاولوا باسم الدين المسيحي أن يمنعوا حدوث أي تطور وتغير . ونادت بضرورة فهم الحياة على ضوء العقل المفكر دون النصوص القديمة ، على أن تكون الحواس دون الفكر المجرد هي أداة تمحيص الواقع وإدراكه على حقيقته ، شعر رجال النفوذ والسلطان حينذاك بالخطر الذي يهدد نظام الحكم في ذلك العصر من جراء انتشار تلك النزعة الفلسفية الناشئة التي تحاول تحرير الجماهير من أسر الجهل ، وتبصيرها بالحقائق التي كانت تبدو مشوهة من وراء ضباب الأوهام . وكان لزاما أن يلجأوا إلي من يمالئونهم من المتفلسفين المتهالكين على منفعتهم الشخصية لدحض المذهب الجديد الذي يحاول تنوير أذهان الناس ، فيهدم بنور المعرفة عهد الاستغلال الذي لا يترعرع إلا حيث يتفشى الجهل والضلال ولم يكن محيص لأولئك المتفلسفين من تشكيك الناس في الحقائق الواقعة الملموسة الفلسفية ، وراحوا يمطرون ميدان الفلسفة بالبراهين الكاذبة على أن الحقائق المادية ليست غير أوهام ، وأن الأوهام هي حقيقة الوجود ! . واشتدت حملات فلاسفة الأوهام على العقول التي تحاول التفتح وتنشد الفهم الصحيح ، حتى ظهر بركلي الذي شيد صرحا لتلك الفلسفة ضخم البناء ، فاستحق عن جدارة أن يسمي أبا الفلسفة الميتافيزيقية الحديثة .

أنكر بركلي الوجود المادي الذي لا تعترف الفلسفة الواقعية إلا به . وقال إن مشاهده التي تراها وتلمسها قائمة داخل ذهننا . وليس ما نشاهده ونلمسه إلا صورا لما في ذهننا . فالوجود كائن داخل ذهن الإنسان ، وليس له وجود حقيقي خارجه . فالكون المنظور الملموس ليس إلا خدعة من خدع الحواس

ولن تخوض في تفاصيل نظرية بركلى ونناقشها ، فليس هذا موضوع مقالنا . ولكننا نكتفي بالإشارة إلى ما ثرمي إليه هذه النظرية من محاولة صرف الناس عن عالم الواقع إلى عالم الأوهام حتى يظل الضلال المخيم على الأذهان حائلا دون انتشار الفلسفة الواقعية . وقد اتخذ أعلام الفلسفة الأوربية الحديث من تلك النظرية الوهمية موردا يستفون منه شطحاتهم الفلسفية التي تقوم على إهمال الواقع الثابت ، والبحث عن الحقائق في ذهن الإنسان أو في قلبه أو ضميره أو شعوره أو إرادته أو عقله الباطن أو غير ذلك من الغيبيات المفلتة الزمام ولو قطن أولئك الفلاسفة أو لو خلصت نيتهم لأدركوا أنه لا يوجد في باطن الإنسان شئ غير مستعد من العالم الواقع المحيط به .

وكثيرا ما ينزلق هؤلاء الفلاسفة المثاليون في مهاوي التفكير فيبدو اعوجاج مذهبهم وإضراره بالمجتمع للعيان . ومن أمثلة ذلك قول شوبنهور إن الحياة الدنيا سلسلة من الرغبات يحاول الإنسان تحقيقها ، ولكن السعي إلى تحقيقها متعب . والرغبة متي تحققت ماتت ، وموتها متعب ، وهكذا لا ينتهي الإنسان من تعب إلا إلى تعب وهو يتعب بغير جدوي لأن رغباته أوهام تبدد كلما أدركها ، وعلى ذلك لا يكون في هذا الوجود شئ جدير باهتمام الإنسان ، وحري بأن يوفر السعادة للإنسان ، غير الفنون الجميلة التي تطارد الجمال لتصطاده وتسجله . .

وهناك فلاسفة آخرون غير الذين يحاولون صرف الناس عن حياتهم الواقعية الحقيقية إلى الحياة الوهمية القائمة في أذهانهم أو عقولهم الباطنة ؛ أولئك هم الفلاسفة الذين يناصرون الفردية . ويمجدون القوة . فيزيدون القوي ضراوة ، ويبررون الصراع في سبيل الحياة ، واستغلال القوى للضعيف ، ولا يلبثون أن يجدوا أنفسهم ، شاءوا ذلك أم لم يشاءوه . من أنصار الاستعمار والاستغلال وسفك الدماء

وما يقال عن الفلسفة يقال عن علم النفس الذي يوهم الناس أن شفاءهم يرجع إلى عقد نفسية متى تمكن الفرد من حلها بواسطة طبيب نفسى أو رياضة روحية كان في ذلك نهاية لشفائه ، وبداية لعهد في النعيم المقيم . فالشفاء عند

علماء النفس نابع في نفس كل فرد ، والشفاء لا يلتمس إلا من طريق معالجة كل نفس على حدة ، حتى لكان الشعوب لا تشقي في مجموعها بسبب استغلال الاستعمار لها ..

وكذلك يحاول علم الاجتماع النيل من كل مذهب واقعي يحاول كشف القناع عن وجه الاستعمار . ولم يتخلف الأدب والفن كذلك عن السير في ركاب الاستعمار وممالأته بتحويل الأنظار عن الواقع الذي أصبح مسرحا لفك المستعمرين بالشعوب المهضومة الحق . إلى مواطن المتعة . أو إلي مسابح الخيال .

إن أهل الفكر وأهل الفن هم المدافعون الطبيعيون عن حقوق الشعوب . وهم الأعداء الطبيعيون للاستعمار الذي لا يقوم إلا على استغلال الشعوب ، وقد استطاع الاستعمار أن يضللهم حتى اليوم ، ونحسب أنه قد آن أن يتضح لهم الواقع على حقيقته فيجردوا أقلامهم أو أدوات عنهم ليحاربوا من ضللهم إحقاقا للحق المهضوم . وإذا كانت فلسفة الأوهام وأدب الأوهام قد أفادا حين كانا خطوة من خطوات التقدم وحلقة من حلقات التطور ، فإن الفلسفة الواقعية والأدب الواقعي هما اللذان يعقد هذا العصر عليهما آماله .

اشترك في نشرتنا البريدية