إن اعتناق الأتراك الإسلام فجأة وجملة واحدة موضوع خليق بالبحث والتفصيل. ذلك لأن الدين الإسلامى الذى نشأ فى الأمة العربية، وهى تحيا حياة البداوة والقبلية، كان أنسب الأديان لروح الأتراك، لكونه دينا واقعيا حربيا. أما نظرية أنهم اعتنقوا الإسلام للاشتراك فى الجيش العربى، وفتوحه المغرية بالغنائم، فلا تصلح لأن تكون موضوع بحث إلا فى ساحة النظريات، لأنهم عاشوا نحو مائتى عام أحرارا فى التركستان الخارجة عن نطاق الحكم العربى فى جهات بحر خوارزم وبحر الخزر والسهوب الشمالية، متأثرين إلى حد ما بالبوذية والمانوية واليهودية والنصرانية، فأوتوا فرصا عظيمة لدرس مزايا الدين الإسلامى والحضارة الإسلامية، بحرية مطلقة باتصالهم بالمسلمين زمانا طويلا. وقد حدث أن كثيرا منهم أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا. ومع ذلك فما لاشك فيه أن الإسلام انتشر بين الأتراك عن طريق الشيعية والعلوية والتصوف، وكلها مذاهب تتفق قليلا أو كثيرا مع سائر الديانات، كالبوذية والمانوية والوثنية الشامانية، وقد انتقلوا فى بعض الولايات من أحد مذاهب الإسلام إلى مذهب آخر. فغيروا مذهبهم بين الشافعى والحنفى، على حسب ما يتفق
مع مزاجهم الخاص وحاجاتهم. كان أهل طشقند وما حولها شافعية وانتقلوا إلى مذهب أبى حنيفة، كما انتقل أفراد كالسلطان محمور الغزنوى والسلطان أولجايتو، من مذهب الإمام أبى حنيفة إلى مذهب الإمام الشافعى.
كان معنى اعتناق الأتراك الإسلام انتقالهم من حضارة المشرق وآسيا الشرقية إلى حضارة الشرق الأدنى والأوسط. وكان تغيير الاتجاه عملا مباركا للأمة التركية، إذ أن الإسلام لم يبق بهذا دينا معتمدا على حضارات الشرق الأوسط فحسب، بل صار دينا عالميا معتمدا على حضارة الغرب كلها أيضا. عد البيرونى عالم التركستان العظيم، الحضارة الإسلامية امتدادا للحضارة الإغريقية، ثم أحصى نتائجها المباركة على الإنسانية بعد انتصارها الحاسم فى آسيا الوسطى. وذكر فى كتابه "تحديد نهايات الأماكن"، وهو كتاب غير مطبوع، توجد منه بمكتبة الفاتح نسخة مكتوبة بخطه، حين تحدث عن اتساع علم الجغرافيا، بفضل انتشار الإسلام (ص ٢٤٥-٢٤٧) فقال (١):
"إنى كنت قد تمكنت من تحديد العرض الجغرافى لمدينة غزنة، وتمكنت اليوم بعون الله وبفضل ولى النعم (السلطان محمرد الغزنوى) من تحديد طولها أيضا، حدد طول الأماكن البعيدة (عن بلاد اليونان) وعرضها فى جغرافية بطلميوس بناء على روايات مسموعة، لأنها كانت فى ذلك الزمان بلادا تحكمها أمم يعادى بعضها بعضا، فلم يمكن الرحلة إليها بحرية، وكان بعض الشعوب كاليهود مثلا يدلون أبناء السبيل الغرباء على طرق مهلكة تقربا إلى الله؛ وبعضهم كالروم يأسرون الرحالين ويستخدمونهم عبيدا أرقاء، ويشتبهون فيهم أحيانا فيقتلونهم وأما الآن فقد تغيرت الدنيا، وانتشر الإسلام فى البلاد الممتدة من
الصين شرقها الأقصى إلى حدود أسبانيا غربها الأقصى؛ ومن بلاد الحبش والزنج والهند جنوبا إلى بلاد الترك والصقالية شمالا، وألف بين قلوب هذه الأمم المختلفة المنتشرة فى تلك الأصقاع، المعادية بعضها بعضا فى الأزمان الماضية؛ فما بقى مانع من الرحلة بحرية إلى تلك البلاد سوى بعض الأوباش وبعض قطاع الطرق. حتى إن الشعوب غير الإسلامية مضطرة الآن إلى مجاملة المسلمين، فالحصول على معلومات صحيحة من البلاد والأماكن الجغرافية أسهل فى أيامنا مما كان فى أيام اليونان القدماء، والطرق أسلم، وبات ممكنا أن يحدد مكان بأنه غربى نقطة كذا، وقد قيل فى جغرافية بطلميوس إنه شرقيها، أو إثبات موقع فى الغرب ذكر فى تلك الجغرافية أنه فى الشرق".
يتفق رأى البيرونى هذا اتفاقا تاما مع آراء بشل
Peschel العالم الألمانى الذى ألف فى أيامنا هذه كتابا فى تاريخ الجغرافيا. فهو أيضا يتحدث عن الفوائد التى جنتها الحضارة العالمية والجغرافيا فى تطورهما، من اتحاد الشعوب المختلفة بفضل الإسلام فى صورة لم يعهد لها مثيل فى تاريخ الإنسانية.
ظل الأتراك فى قلق معنوى دائم قبل دخولهم فى الإسلام لوقوعهم تحت تأثير حضارات مختلفة. وقد حال أمراء الإقطاع التابعون لسائر الأديان، كالبوذية والمانوية واليهودية والنصرانية، دون تكوينهم دولة قوية قائمة على ثقافة سليمة. ففى العهد الإسلامى بدأت قدرة الأتراك على تأسيس دول قوية دامت قرونا، وهم أمة واحدة متجانسة متدينة بدين واحد.

