الأستاذ محمد يوسف موسى عالم فاضل جمع بين الثقافتين، ثقافة الأزهر القديمة، وثقافة الغرب الحديثة، ويسرت له معرفته باللغة الفرنسية الاطلاع على المراجع الأجنبية في أصولها. وهو إلى جانب ذلك يبغي الحق لذاته شأن طلاب الحكمة. قلت له: قد لا يروقك ما أكتب، قال: إني لا أخشى النقد. ولعمري هذه هي روح العلماء، من الاعتراف بالخطأ، والسعي إلى الصواب. وإنما الكمال لله وحده
وكتاب (تاريخ الأخلاق) هو الأول من نوعه في اللغة العربية، ويعتبر بذلك سداً لفراغ عظيم في تاريخ الفلسفة على اعتبار أن الأخلاق فرع من فروعها
وفي الكتاب دراستان: إحداهما منقولة، والأخرى أصيلة: أخذت المنقولة عن المصادر الأجنبية وذلك فيما يختص بالأخلاق عن أمم الشرق القديم وعند اليونان وعند الأوربيين بعد عصر النهضة. والجزء الأصيل هو الخاص بالأخلاق الإسلامية. وهذا فضل للمؤلف غير منكور، وجهد مشكور
ولا أحب أن أعرض للأجزاء المنقولة بشيء، لأن نقدها يعتبر نقداً للمراجع الأولى التي استسقى منها المؤلف، ولكني أقول من حيث الشكل إنه عرض للسائل عرضاً سريعاً لا يشبع
النهم، وعذره في هذا هو طول الموضوع وضيق الورق. وما بالك بكتاب يريد أن يحيط بتاريخ الأخلاق من يوم أن ظهرت الحكمة الإنسانية حتى الآن، في بضع مئات من الصفحات
ونقف قليلاً عند الجزء الأصيل، وهو تاريخ الأخلاق عند المسلمين. قال المؤلف في مستهل الكلام عن الأخلاق في الإسلام ص ١٥٩: (إن الضمير، وإليه المرجع في بيان الخير والشر، فطري في جرثومته وأصله. . .) . وهذه القضية، وأعني بها فطرة الضمير، موضع خلاف بين العلماء والفلاسفة، ولم يكن ينبغي أن يقطع فيها المؤلف برأيي كما يقتضي التحقيق العلمي الصحيح
وتقسيم الأخلاق الإسلامية غير واضح، فهو يضع في القسم الأول الذين سادت كتاباتهم النزعة الدينية والأخلاق العملية كما فعل الماوردي في أدب الدنيا والدين. وفي القسم الثاني الذين سادتهم النزعة الدينية والصوفية مشوبة بالنظر الفلسفي كالغزالي. وفي القسم الثالث الأخلاق الفلسفية كما نجدها عند الكندي والفارابي وغيرهما. والتقسيم على هذا النحو يعتبر غير جامع ولا مانع كما يقول المناطقة
يرى المؤلف أن القرآن والحديث لا يكونان مذهباً أخلاقياً وفي ذلك يقول:(إلا أنه حذار من المبالغة والقول بأن ما في القرآن والحديث من أخلاق يكون مذهباً أخلاقياً، فإن هذا لا يعدو، كما نعرف جميعاً، طائفة لها قيمتها من المواعظ والحكم تدل على الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. أما أنا فأعرف أن في القرآن فلسفة وأخلاقا وتشريعاً وقصصاً كأغلب الكتب السماوية. والجانب الخلقي في القرآن عملي يصف ألوان السلوكالواجب اتباعها، على أن هذا السلوك العملي يستمد كيانه من قواعد نظرية نستطيع استخلاصها. والمجال لا يتسع لبسط هذه النظريات، وأكتفي بضرب مثل بإحداها وهي نظرية أن الفضيلة وسط بين طرفين، فهي سائدة في أغلب السور مثال ذلك:(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)
والأخلاق عند إخوان الصفا كسبية لا فطرية، لا كما ذكر المؤلف من أن منها (ضرب جبلي وآخر كسبي) ص ١٨٠.
وفي ذلك يقول إخوان الصفا ج١ ص ٢٣٦ (والمثال في ذلك أن كثيراً من الصبيان إذا نشأوا مع الشجعان والفرسان وأصحاب السلاح وتربوا معهم تطبعوا بأخلاقهم وصاروا مثلهم. وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق والسجايا التي ينطبع عليها الصبيان منذ الصغر) والسبب في اعتناق إخوان الصفا مذهب الكسب في الأخلاق، لأنه يخدمهم في نشر عقيدتهم التي يريدون تغليبها في الأمصار. ولو قالوا بالفطرة ما كانت هناك جدوى من نشر مذهب جديد
والغريب أن المؤلف أخرج الغزالي من زمرة المتصوفة حيث قال ص ١٩٧: ولسنا في حاجة للقول أن الغزالي أصاب الحق بمجانبته للمتصوفة وموافقته للنظار والفلاسفة. ونقول أن الغزالي يقصد بالنظار أولئك الذين يسلكون طريق التصوف عن نظر لا عن تقليد أعمى
هذه النقدات لا تنقص من قيمة مجهود موفق جليل، نرجو أن يتابعه بمؤلفات أخرى في القريب.

