يستنكر الأستاذ العقاد على العرب أن يذكِّروا القمر (وهو مقرون بالحنين والحياء، موصوف بالاتباع والاقتفاء، قليل فيه ساطي المضاء، وساطع الضياء، عارض له من المحاق ما يعرض للنساء) ، ويؤنثوا الشمس وهي مصدر الحياة والحيوية؛ وذلك على عكس أكثر اللغات. ثم تساءل: (أهي زلة من زلات البداهة عند الشرقيين، أم هم المستضعفون للأنوثة لا يفطنون لهذا المعنى الذي فطن له الغربيون؟ أم هو إمعان في البداهة أدركوا به من سطوة المرأة ما لم يدركه مذكرو الشمس ومؤنثو القمر، وأقاموا به ما عكسه أولئك الخاطئون؟)
والحقيقة أنها ليس بزلة من زلات البداهة عند الشرقيين أو الغربيين، وليست إمعاناً في البداهة من أي الفريقين، ولكنها اختلاف نظر وملاحظة
فالغربيون لاحظوا في التأنيث الرقة والوداعة، والاستسلام والليونة فكان (القمر) مؤنثاً، ولاحظوا في التذكير القوة والفتوة، والقسوة والغلظة فكانت (الشمس) مذكرة عندهم.
أما الشرقيون فلاحظوا في الأنوثة الخصب، والإنتاج، والإخراج والولادة فكانت (الشمس) مؤنثة. والشمس هي التي ترسل بأذرعتها إلى معانقة الأكمام فتنفتح، وتبعث بها إلى الثمار فتنضج، وتبخر المياه في البحار، وتحرك السحاب في السماء فهي منتجة أي إنتاج، مخصبة أعظم إخصاب. ولاحظوا في الذكورة العقم، وعدم الإنتاج والإخراج، فكان (القمر) مذكراً
والقمر لا أشعته تذيب جلمداً، ولا تهيج ساكناً
ومنشأ ذلك - كما يقول المازني، عافاه الله - (لأن آباءنا الأولين كانوا يقيسون حياة الطبيعة على حياتهم، ويتصورونها قائمة على ما تقوم عليه حياتهم من التناسل وغيره. ومن هنا أنثوا الشمس في لغتنا والريح وغيرها) من أرض ونخلة وروضة.
فالريح - مثلاً - أنثت دون الهواء، لما بينهما من فرق في الخصب والإنتاج؛ فالهواء الهادئ لا يحمل الديم، ولا ينقل اللقاح، وعلى العكس من ذلك (الريح) فهي تفعل ذلك وأكثر منه.
(الزقازيق)
