اختلف المؤرخون في ديانة الإسكندر اختلافاً كبيراً، وعندي أن أسوأ تقدير في ديانته لا يمنع أن يكون هو ذا القرنين المذكور في القرآن الكريم، لأنه بقطع النظر عن ديانته كان فاتحاً عظيماً. وقد ابتدأ به التاريخ عهداً جديداً في سير الفاتحين، فلم تكن فتوحه كفتوح الملوك قبله، إذ كانوا جميعاً يدمرون البلاد، ويهلكون الأمم (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) أما الإسكندر فكان كلما فتح مملكة أسس فيها وجدد، وبنى وشيد، وأوجد وسائل العمران، وأحيا قلوب أهالي البلدان. وكان يرمي بفتوحه إلى غرض عظيم، وهو أن يجعل من شعوب الأرض أمة واحدة لا فرق فيها بين شعب وشعب، وقد ألف بهذا بين الشعوب الأوربية والأسيوية ومزج بعضها ببعض، فتعرف كل فريق روح الآخر في العلم والحكمة والعادات والأخلاق، ونشأ من ذلك حضارة جديدة أرقى من الحضارات التي سبقتها، ومثل هذا يستحق التنويه بقطع النظر عن دولة صاحبه، ولا شيء في أن ينوه القرآن الكريم به. ومن المهم هنا أن نبين رأي اليهود الذين سألوا عن ذي القرنين في ديانة الإسكندر، فقد ذكروا أنه لما قصد أورشليم لفتحها سار في بعض الطرق فرأى رجلاً بهيَّا لابساً ثياباً بيضاً، وبيده سيف مثل البرق اللامع، وهو يشير به إليه كأنه يريد قتله، ففزع منه وعلم أنه ملاك مرسل من الله تعالى، فسقط على وجهه وسجد، وقال: يا سيدي لماذا تقتل عبدك؟ فقال: لأنك تريد أن تمضي إلى القدس لتهلك كهنة الله وأمته، وأنا الملاك الذي أرسلني الله لنصرتك على الملوك والأمم. فقال الإسكندر:
يا سيدي، أغفر لعبدك فقد أخطأت، وإن كنت لا تشاء أن أسير في طريقي فإني أعود إلى بلادي. فقال له: أما وقد استغفرت عن مآثمك فلا ترجع، وإذا وصلت إلى أورشليم
ورأيت رجلاً على صورتي، فانزل عن فرسك واسجد له، واقبل جميع ما يأمرك به. فمضى الإسكندر في طريقه إلى أورشليم، ولما وصل إليها قابله كاهنها على صورة ذلك الملاك، فنزل الإسكندر عن فرسه وسجد له وسلم عليه وعظمه؛ وحمل إلى بيت الله مالاً كثيراً، ثم سأل الكاهن أن يتوسل إلى الله فيما عزم عليه من محاربة داريوس ملك الفرس، فقال له: أيها الملك، امض في طريقك فإن الله معك، وهو يظفرك بداريوس ومملكته. وقد سار الإسكندر بعد ذلك في فتوحه إلى أن ملك أقاليم الدنيا السبعة (تاريخ يوسيفوس ص٢٦ - ٣٨)
فالإسكندر عند اليهود كان ملكاً يشبه أن يكون نبياً، وقد جاب الدنيا غرباً وشرقاً حتى ملك أقاليمها السبعة، ولا شك أن هذا يتفق كل الاتفاق مع الشخص الذي ذكره اليهود في سؤالهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ويتفق كل الاتفاق مع ما جاء عن ذي القرنين في القرآن الكريم، وهكذا نجد الاتفاق بينهما قريباً على أي وجه فرضناه، ولست أرى بعد ذلك وجهاً لإعادة الكلام فيه.

