ما ألذ ساعة يقضيها الإنسان في دار التمثيل يشاهد صورة حية من صور المجتمع، ينقلها بوضعها الصحيح، ووقائعها المحسوسة الملموسة، ممثلون كأنهم أصحاب الصورة في إبراز الشعور وفي أداء الأغراض التي رمى إليها المؤلف في الابتداع، وفي تقسيم الفصول، وفي التفنن في التمهيد لكل حدث يقع، ولكل كلمة تلمح إلى ما يليها، والنكتة المضحكة وما يتبعها من لذعة مؤلمة، وأين تقع العقدة وأين ومتى يحلها وفق ما هو مفروض لمثله الأعلى الذي تصوره في ذهنه قبل خلق روايته.
ما أحلى تلك الساعة وما أشهاها لنفس تعلم جيدا أن التمثيل سيبقى أبد الدهر برغم مزاحمة السينما له ودفعها إياه بمناكبها الجبارة من طريقها، وأن بقاءه منوط بالحياة ذاتها، والاستمتاع بها نفسها، عن طريق المشاهدة والسمع، بانتشار العلم بين جميع الأوساط،
وذيوع الثقافة الفنية، والإحساس الواعي بفتنة الفن وسحره. ما أحلاها ساعة يرى فيها نصير التمثيل أينما تلفت مقاعد دار الأوبرا ومقاصيرها وشرفاتها حافلة بأيقاظ الذهن والروح والشعور يطمئنون دعاة الأدب والفن على أن البلد بخير وعافية، وأن نهضته صحيحة سليمة، وأنهم يتلقفون صور الحياة، ناطقة بالحياة، حبا للحياة.
بل ما أحلى أن يعي جيدا، ويدرك جيدا، ويعمل جيدا أولئك المشرفون على إبراز التمثيل إلى عالم الواقع، إن من أقدس واجباتهم، وأسمى غاياتهم إظهار ثقافة الأمة على حقيقتها، والأخذ بيد هذه الأمة لتتوقل معها مدارج الصعود، وأن هذا ميسور
لها إذا قدرت أن مذهب الفن للفن هو رسالتها، وأن كسب المال الوفير هو وسيلة لا غاية.
لقد نعمت بهذه الساعة السعيدة في دار الأوبرا حيث كانت فرقة التمثيل تمثل رواية (تاج المرأة) لمؤلفها دوماس العظيم، ومترجمها الأستاذ الفاضل كامل البهنساوي.
لقد نعمت فعلا بساعة سعيدة، كانت تتجاذبني خلالها انفعالات شتى، وأحاسيس متنوعة، واضطرابات تميل بي تارة إلى كل جانب استجابة لعواصف الحياة وهي تعصف هوجاء دائما على غير قياس وبدون تدبر، وقد نسقها فأبدع تنسيقها مؤلف عظيم موهوب فطر على انتزاع أسرار الحياة ليبسطها على المسرح، وتارة تجذبني جمل وألفاظ، وإيماءات وإشارات وتنقلات،
وانخفاضات في الصوت وارتفاعات، ولين في خارج الكلمات أو شدة، وانفعالات واضحة في قسمات الوجوه، واللواحظ والابتسامات أتقنها الممثلون والممثلات أجود إتقان. ولم تصدم سمعي كلمة واحدة نابية، أو جملة واحدة مخلخلة قلقة، أو لفظة تدل على أن المترجم لم يؤد الأمانة حقها، أو إلى ضعف في التوفيق بين اللغتين الفرنسية والعربية، أو التصرف والتهاون ولو قليلا في مقاصد المؤلف، أو التراخي في إبراز روحه العظيمة على حقيقتها في العظمة والجلال، هكذا يكون الانسجام الحقيقي بين المؤلف والمترجم والممثل والمخرج، فيمثلون روح الرواية الواحدة كل من ناحيته متساندين.
إنها لساعة تدفع بي بغير تحفظ إلى إسداء الشكر لهذه الفرقة التي أتحفتنا بتمثيل هذه الرواية في هذا الفصل، وكنت أود أن أطالبها المزيد من هذه الروايات الرفيعة، لأنها على الأقل تنفع كتاب الرواية المسرحية منا فتفتح أمامهم آفاقا لم يجرءوا بعد على ولوجها، فضلا عن أنها تعالج مشكلات اجتماعية لا تختلف عن مشكلاتنا الاجتماعية والخلقية والعائلية في وسطينا الراقي والوسط، ولكني أوفر على نفسي مطالبة هذه الفرقة التي لا تريد أن تعترف بأن لها رسالة ثقافية، وأن عليها واجبات نحو الأمة والحكومة.
