الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الثقافة"

تاريخ النقائض، في الشعر العربي

Share

هذه طرفة جديدة يهديها مؤلفها إلي الباحثين في تاريخ الشعر العربي، يحاول أن يسد هذا النقص في دراسة النقيضة وتاريخها وما مر بها من أحداث وأطوار، وما من ريب في أننا نعجب بهذا العمل الذي يحاول فيه صاحبه أن يفسر موضوعاً من الموضوعات الصعبة في تاريخ أدبنا العربي؛ وهو يبدأ هذا الكتاب ببحث واسع عن القبضة ما هي؟ وما مفارقاتها من العارضة والمنافرة والماطلة؟

حتى إذا استوفى ذلك استيفاء دقيقاً تقدم بملل لظهور النقيضة في العصر الجاهلي من الوجهتين النفسية والاجتماعية، وقد ذهب إلى أن الشعر ينشأ هجائياً، وأمله يتأثر في ذلك رأي أرسططاليس القائل بأن أصل المهزلة عند اليونان شعر الهجاء، وكأنما تطور شعر الهجاء عند اليونان أنتج المهرلة، بينما تطوره عند العرب أنتج النقيضة، تلك القصيدة التي يرد فيها شاعر على آخر من نفس الوزن. ونفس القافية، ينقض له آراءه وأفكاره

ويضم الكتاب حديثاً مفصلا عن مقومات النقيضة وعناصرها، فيعرض للأنساب والأباء وما كان من تفاخر بهما عند عرب الجاهلية، مما أدى إلى هذه الحال المعروفة في تاريخ العرب، حال العصبيات التي لم يستطع الإسلام أن يحد من شوكنها إلا قليلا؛ وقد هاجمها الرسول عليه السلام فقال في خطبة الوداع: أيها الناس! إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالأباء، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالنقوي غير أن هذه الصرخة الإسلامية العظيمة لم تؤثر أثرها المنشود، إذ استمرت المصبات واستمر معها الشعر الذي

كان يؤجح نارها، ونقصد شعر التفائض الذي أبلى قيمه الإسلام نفسه بعض البلاء على نحو ما هو معروف في تاريخ البعثة المحمدية، إذ كان شعراء المدينة ومكة في معارك جدلية دائمة، ثم تسلم مكة وتدخل الجزيرة العربية كلها في الإسلام وتخمد نار هذه النقائض وما يتصل بها من عصبيات، ولكنا لا نكاد نتقدم بعد عصر الخلفاء الراشدين، حتى تعود هذه النفائض جذعة، ولعل من الغريب أنها لم تعد في الحجاز، فقد كان مشغولا بضروب من شعر الغناء وما يتصل به من لهو، وأيضاً فإنها لم تعد في نجد، فقد كانت مشغولة هي الأخرى بضروب من الغزل الرقيق عند جميل وأضرابه؛وإنما عادت في العراق، بين هذه القبائل التي فتحت فارس، ثم رجعت فأقامت في البصرة والكوفة اللتين اختطهما عمر لهذه الجيوش التي هدمت إطار الدولة الفارسية هدما.

وكأنما كان ارتداد هذه القبائل الظافرة إلي المعيشة على هامش الجزيرة الشرقي إيذاناً بانتكاسها وعودتها إلى الحياة القديمة بكل ما فيها من فخر وعصبيات وما يتصل بذلك من هجاء ونقائض ويظهر أنه كان لفراغ هذه الجماعات العربية أثر في هذه الظاهرة، فقد رجعوا -بعد ما أفاء الله عليهم من الغنائم- إلي هاتين البلدتين، وأخذوا يعيشون فيهما معيشة فارغة باطلة، إلا ما كان من ثوراتهم على الأمورين. وهذا التعطل وهذا الفراغ هما اللذان أعدا لاشتعال نار الهجاء بين الشعراء حتى يشغل الناس وقتهم الفارغ الطويل بشيء يسلون أنفسهم به، وبماذا يسلى العربي نفسه؟ إنه يجتر حياته القديمة مما فيها من آباء وأنساب وأخبار وأيام. وقد دفع هذا الاجترار الشعراء إلى أن ينظموا نقائضهم يصورون فيها أعمال قبائلهم في الجاهلية والإسلام وما كان لهم من مأثر مضيفين إلي ذلك الغض من القبائل الأخرى غضاً فيه إقناع قبيح.

وكان الناس يحتشدون في المربد لسماع هذه النقائض التى كانت تقع منهم حينئذ موقع الصحف من حياتنا الحديثة، فهم يسمعون فيها حوادث الجاهلية كما يسمعون فيها حوادثهم اليومية. وما من ريب في أنهم كانوا يعلقون على ما يسمعون بضروب من الآقاصيص والروايات، ويعجب الباحث إذ يرى الحزازات الجاهلية بين القبائل تعود كما هي، فقد سعرها الشعراء وعلى رأسهم جرير والفرزدق والأخطل. وما يزال هؤلاء الشعراء الثلاثة يمدون نيران هذه الحزازات هم وأمثالهم بكل ما يمكن من وقود وسباب وهجاء.

ويستغل الأمويون هذه الفرصة فيعملون على إثارة هذه النيران حتى تشغل العراق نفسهم بما فيها من معارك الهجاء وما يستتبع ذلك من انقسام القبائل بعضها على بعض. ونحن نعرف ان العراق منذ حروب علي ومعاوية كان يقف موقف الخصومة من الأمويين، فكان ذلك سببا في أن يثيروا هذه المعارك الجدلية بين الشعراء وأن يعملوا على استمرار نيرانها مشتعلة متأججة هناك.

ويفسر كتاب تاريخ النقائض هذه الصور كلها، حتى إذا ألم بتاريخها وأطوارها أخذ يتكلم عن فن النقائض في كل عصر من العصور الثلاثة للنقيضة، وهي الجاهلية والبعثة المحمدية ثم عصر الأمويين، وإنه ليعنى خاصة ببيان فن الفرزدق وصاحبيه، وقد وقف وقفة طويلة عند تعقيد الفرزدق وما امتاز به من شذوذ على اللغويين والنحويين ومقاييسهم، ويظهر أنه كان يقصد إلى ذلك قصداً حتى يمنت على ابن أبي إسحق وأضرابه من النحويين الذين كانوا يعرضون له، ويكثرون من الرد عليه وما زالت الخصومة ترتفع بينه وبين ابن أبي إسحق الذي كان يراجعه ويلومه كثيراً حتى قال فيه:

فلو كان عبد الله مولى هجوته

                ولكن عبد الله مولى مواليا

وقد تعلق النقاد بهذا الجانب في الفرزدق ورووا منه شعراً كثيراً. وأظن ليس منا إلا من يحفظ هذا البيت الذي يرويه البلاغيون في أوائل كتبهم في البلاغة:

وما مثله في الناس إلا مملكا

                      أبو أمه حيّ أبوه يقاربه

وماذا في هذا البيت سوى أن الفرزدق يريد أن يقول إن الممدوح لا يماثله أحد في الناس إلا ملكا أبو أمه أبوه أي أنه ابن أخت الممدوح، فانظر كيف عقد الفرزدق تعبيره؟ ولكن هل هذه العقد كان يأتي بها الفرزدق عامداً ليؤذي النحويين ومن يتصلون بهم من اللغويين، أو أنه كان يعبر بها عن المرحلة الأخيرة للشعر الإسلامي الذي يعد امتداداً للشعر الجاهلي، وكان ذلك كان إيذانا منه بما ينبغي أن يتحول إليه الشعر العربي في العصر العباسي، من اتخاذه لموضوعات جديدة؟ أكبر الظن أن هذا التعقيد عند الفرزوق كان تعبيراً عن المرحلة النهائية للشعر القديم، وأنه ينبغي أن يعدل الشعراء عنه إلى الشعر السياسي الحديث. ومن هنا ترتفع ملاحظة الأستاذ الجليل أحمد الشابب، إذ يلاحظ أن الشعر العربي تعقد مرتين مرة في القرن الأول عند الفرزدق، ومرة أخرى في القرن الرابع عند المتنبي.

والحق أن كتاب تاريخ النقائض يفتح آفاقا ظريفة في دراسة الشعر العربي، وقد عانى فيه صاحبه جهدا شديدا في جمع الملاحظات وبيان الصلة بين النقائض والتاريخ السياسي والاجتماعي؟ وقد أضاف طائفة من التحقيقات الجديدة حول بعض النقائض بين جرير والفرزدق، أما نقائض جرير والأخطل فقد رأى أنه يصفهما ما يصف اختيارات أبي تمام دائماً من أنها لا تروي القصائد جملة، وهذا هو سر اضطرابها وسر قصرها. وإذا كان هناك شئ يمكن أن يلاحظ على هذا البحث الطريف، فهو كثرة ما حشد فيه المؤلف من تفاصيل ودقائق، وأيضاً

فإنه عنى بفكرة التطور للنقيضة، ولذلك قدم لدرسها في العصر الأموي بمقدمات طويلة ستظل محل نظر بين الباحثين وخاصة فيما اعتدَّ به من شعر. وقد جرى مع الفكرة العامة بين النقاد وهي أن جريراً والفرزدق والأخطل يؤلفون شعراء الطبقة الأولى في العصر الأموي. ولكن هل حقا ما يقوله النقاد أو أنهم يغالون بعض الشئ حين يجعلون شعراء الهجاء والنقائض هم الشعراء الأولين، بينها يجعلون شعراء الغناء من أمثال عمر بن أبي ربيعة شعراء ثانويين؟ وأكبر الظن أنهم اعتنقوا هذه الفكرة متأثرين بما ذهبوا إليه من تفضيل الشعراء المتبدين على الشعراء المتحضرين، وخاصة أنهم وجدوا في شعرهم بنيتهم من الشواهد والأمثال التي كانوا يطلبونها. على أن هذا لا يقض من قيمة ذلك البحث القيم الذي اتاح فيه صاحبه لقرائه أن يطلعوا من خلاله على تاريخ النقيضة وما تمتاز به من خصائص اجتماعية وتاريخية وفنية، فقد ساق ذلك كله في استقصاء بالغ وتحقيق بارع.

اشترك في نشرتنا البريدية