حزب الشركة الاسلامية :
السياسة الاستعمارية الغربية فى أى قطر من أقطار العالم الشرقى ترى إلى استنزاف موارد البلاد المستعمرة وتسخير شعوب بـها فيما يعود اصالح الشعب الحاكم . وقد مثلت الحكومة الهولندية السياسة الاستعمارية فى اندونيسيا تمثيلا دقيقاً لم تحد عنه قيد شعرة . وكان للاستغلال الهولندي واستعباده للشعب الأندونيس أثر كبير فى قيام ( الشركة الاسلامية ) التى كان الغرض من إنشائها حفظ الثروة الأهلية ، وإنشاء صناعة حديثة ، تقوم بـها الأيدى الوطنية ،
ولقى قيام الشركة الإسلامية نجاحا عظما بين الشعب ، حيث إن حرب بودى أوتومو اثار الروح القومى والحركات التحريرية . ولا غرابة من أن نجد الشركة الإسلامية عطفاً ومؤازرة من الشعب ، فالعقول مضطرية ! والنفوس قلقة ! من جراء الضغط الهولندي علي الحريات العامة والحكومة الهولندية تنظر إلى هذه الحركات الوطنية الرائعة بعين قلقة ، لأنـها ستقضى على غترستها وكبريئها وعلى هيكاها
الذي دام ثلاثة قرون رمزاً لحكمها الاستعمارى فى اندونيسيا ! ...
فى عام ١٩٠٩ أنشأ الحاج محمد سمهودى شركة تجارية إسلامية مدينة (بوقور ) لحفظ الثروة الأهلية وإنمائها وإنشاء حياة اقتصادية جديدة للشعب . وقامت الشركة بمجهود عظيم فى سبيل تخطى العقبات الأجنبية التى وضعت أمامها لعرقلة سيرها ، وفى عام ١٩١١ تطورت أعمال الشركة وزاد نشاطها ، فأصبحت شركة تجارية إسلامية متحدة ، وأسندت عمل قانون جديد لها إلى السحافى الأندونيس ترنو اديسودنو محرر جريدة ( اليدان التجاري ) وأسندت أيضاً القيام بالأعمال الاقتصادية والدينية إلى الحاج محمد سمهودى . واصدرت جريدة تجارية باسم (saratomo) بمدينة سورابابا . وانضم إلى الشركة عضو جديد بارز فى المجتمع الاندونيسى هو الحاج عمر سعيد شكرو أمينونو .
وفى ١٠ سبتمبر عام ١٩١٢ زيدت كلمة واحدة على اسم الشركة يدل على مقاصدها وغاياتـها . وأصبحت تعرف باسم ( جمعية الشركة التجارية الإسلامية ) وأصبح عمر سعيد عضو الشركة العمود الفقري للجمعية فى السياسية والاقتصاد . فقد كان قبل التحاقه بالجمعية يتولى بتحرير جريدة (Oetoeam Hindia)أو (النتيجة الهندية)بمدينة سورابابا وجريدة (Fadjar Asia)أو (فجر آسيا)واشتغل أيضاً فى أحد المحلات التجارية الكبيرة فى سورابابا ،
وداعياً لحزب بودي أوتومو فى غرب جزيرة جاوا . وقد أكسبته هذه الأعمال دراية وإلمماً فى كيفية إيقاظ الشعب والدعوة للتحرر من النير الهولندى .
برامج الجمعية الاساسية :
١ - ملاحظة شروط الدين الإسلامى فى العبادة والمعاملات:
٢ - القيام بأعباء الحياة التى يتطلبها الدين . ٣ - عدم التعرض لقانون البلاد . ٤ - إنهاض الحركة الفكرية . ٥ - الدفاع عن الإسلام . ٦ - إصلاح الحالة الثقافية . ٧ - إصلاح الحالة الاقتصادية . ٨- تهيئة الشعب للأستقلال .
على هذه البرامج سارت جمعية الشركة التجارية الإسلامية فى طريقها ، واستطاعت أن تستولي على شعور الشعب وتحفزه للتوثب والنهوض . ففي مدينة ( مالانع ) بجاوا هجم البوليس الهولندي على فرع الجمعية ، وصادر أوراقه ورسائله ، لأن سكان هذه المدينة رفضوا أداء الضرائب الرسمية للحكومة الهوالندية واسكى يعلم القارئ مقدار ما يجبيه الحكومة الهولندية من كل أندونيسى نوضح له انواع الضرائب ومقدار رسومها .
١ - ضربية الرأس وهي ضريبة تؤخذ من كل أندونيسي ذكراً أو امرأة ، من ثلاث ربيات إلى مائة وثلاثين ربية ، تدفع سنوياً . ٢ - ضريبة الطريق وهى ضربية تؤخذ من كل أندونيسي مقابل سيره فى البلاد تبلغ خمس ربيات سنويا . ٣- ضريبة المسكن ، تؤخذ على كل منزل حسب مساحته وإيجاره إن كان مؤجراً ٤- ضريبة الزراعة والعمل والتجارة زيادة على رسوم المحصولات الزراعية والمنتوجات الصناعية والمواشى .
والأدهي والأمر من كل هذه الضرائب ، أن الحكومة الهولندية تأخذ رسماً على كل كرسي زائد فى المنزل وعلى كل طبق وعلى كل ملعقة، وإلا فالضرب والسجن . وقد أعطت الحكومة الهولندية سلطة تامة لجنودها اضرب الأندونيسيين إذا أظهروا استياءهم من دفع هذه الضرائب التى نكبت حياتهم وبلادهم شر
نكبة ! وقد صرح الدكتور سوكارنو رئيس الجمهورية الأندونيسية خلال جهاده في عام ١٩٢٧ للحكوية الهولندية مبينا لها ضعف حالة البلاد الاقتصادية والثقافية لعدم إفساح الحكومة الهولندية المجال للشعب بإنشاء صناعات وفتح مدارس عالية - صرح الدكتور سوكارنو بقوله : " لو جمعت الاموال التى سلبتها الحكومة الهولندية من الأدونيسيين منذ استعمارها اندونيسيا إلى اليوم لامكن بناء جسر عظيم من ذهب يمتد من المدونيسيا إلى هولندا."
وليعلق القارئ الكريم على هذا التصريح . وليصور حالة أندونيسيا . فهذا التصريح أكبر دليل على قظاعة الاستعمار الهولندى فى أندونيسيا . واسمع أيهـــــا القارئ ما ذكره الأستاذك . ك .برج بجامعة لبدن فى كتابه ( وجهة الإسلام ) فى الفصل الخاص عن اندونيسيا . قال :
" عندما بدأت الحكومة الهولندية تتدخل فى إنتاج نباتات استوائية معينة للسوق العالمى أدخلت " النظام الزراعى الإجبارى" وقوى حتى صار بالفعل وسيلة لنزف ثروة البلاد وتعمير خزاْن هولندا وقد عمل بهذا النظام فيى أقوى صوره نظرنا مدة أربعين سنة . وكان له نتائج سياسية عظيمة وان لم تنشأ عنه مباشرة . ذلك أنه جعل الزراع الأندونيسيين يشعرون تمام الشعور لأول مرة تقريباً بوطأة السيادة الاستعمارية الاقتصادية "
ليس النقد موجهاً من الأندونيسبين للحكومة الهولندية تجاه جشعها واستعباد الشعب . بل النقد ايضاً موجه من الهولنديين . وقد ذكر الاستاذك . ك .برج الهولندي فى بحثه عن اندونيسيا فى كتاب ( وجهة الإسلام ) ما يلي : " ولم يكن يد من أن يثير علو النظام الزراعى الإجباري آخر الأمر مقاومة ترتكن إلى أسس خلفية بوجهها له الهولنديون أنفسهم فى هولندا وفى المستعمرات أيضاً . ولم تمر السنة الثائرة ( ١٨٤٨ ) من غير أن تترك لها
أثراً . وسرت هذه المقاومة إلى الجمهور في شئ من الضوضاء بعد ان نشر " دويريكر " الهولندي كتاباً ثوريا في ١٨٦٠ ، انتحل هذا العالم الهولندي اسم " مولتانولى " من " ماكس هافلار " وشن الغارة على جشع التجار الهولنديين وعلى الحكومة الاستعمارية .
وفي ولاية سوراكارنا رفض المزارعون أعضاء الجمعية أداء الضرائب للسلطة الهولندية . وإزاء هذا العصيان المدنى ، أو الجهاد السلبى ، دعا حاكم سوراكارنا الزعيم عمر سعيد شكرو أمينوتو وحقق معه عن الأسباب الداعية إلى رفض المزارعين أداء الضرائب للحكومة الهولندية . وانـهم الحاكم الشركة الاسلامية بأنـها بثت بين اعضائها روح التمرد على الحكومة الهولندية . وقد دافع شكرو أمينوتو عن التهم الموجهة للشركة . فأصدر الحاكم منشوراً للشعب تمنع أى شخص من الأنضمام إلى جمعية الشركة الاسلامية ، ومنع الشركة من قبول اعضاء جدد لأنـها خطر على الأمن
العام . وعلى الرغم ذلك ، فان الشركة مستمرة فى تسجيل أسماء أعضاء جديدين مستندة إلى حق الشعب فى الحرية ، ولم تستطع المادة(١١١ ) من نظام الحكومة أن تقف نمو الشركة سياسياً واقتصادياً . قال الدكتور محمد حقى نائب رئيس الجمهورية الأندونيسية فى كتابه " الحركة الأندونيسية " المطبوع في أيدن حول نشاط حزب الشركة الاسلامية فى أعمالها السياسية " إن المادة ( ١١١ ) الخاصة بمنع الاندونيسيين من الاشتغال بالسياسة لم تستطع أن تقف تيارات الشعب السياسية المتدفقة على أسس حزب الشركة الاسلامية . فالشعب - أفراده وجماهيره - بنضمون إلى الشركة ، وبقومون بالدعاية لها . وهذه الروح الجديدة تثبت حيوية الشعب الاندونيسى وتطلعه إلى حياة جديدة ذات طابع استقلالى ، وليس اليوم الذى يستعد فيه الشعب ليتولى أمور نفسه بنفسه ببعيد مادامت روح الحرية تقمصته وجعلته بلتهب التهابا شديداً ، يحطم القوي الاستعمارية وبقضى عليها " .
لقد حطمت القوى القومية المتركزة فى حزب الشركة الإسلامية الوسائل التى وضعتها الحكومة الهولندية لمنع الشركة من المضى فى أعمالها . وأثبتت الشركة أنـها لا تمس سياسة الحكومة الهولندية بنقد أو ثم . وقد أقامت مؤتمرا عاما فى ٢٦ يناير سنة ١٩١٣ بسورابابا لإيضاح سياسة الشركة والدفاع عنها . وحضر هذا المؤتمر آلاف الرجال والنساء ، وترأسه الحاج عمر سعيد بصفته رئيس الحزب . ولما وصل إلى محطة سورابابا استقبله اعضاء الحزب وحمل على الأعناق بين هتاف الجماهير حتى مقر المؤتمر ولما افتتح المؤتمر وخطب شكرو اميلونو قال ضمن خطابه : " إن هذا المؤتمر يعد أول بوادر النهضة الإسلامية الشعبية فى أدونيسيا ، ويشعرنا بأننا مطالبون بالعمل
لاستقلالنا . وثقوا أن أية قوة تريد قمع حركاتنا القومية ستجد قوى متحدة متبعثة من نفوسنا لتصرعها وتقضى عليها وإن علينا أن نعمل فى جميع الميادين التى تستلزم تقوية نـهضتنا الحديثة وقد أنشأنا مؤسسات قومية للتربية والتعليم والصناعة والاقتصاد . وإن حزب الشركة يسعى بجد ونشاط لإيجاد رابطة اسلامية عامة تجمع الشعوب الإسلامية فى جامعة واحدة لتأييد الإسلام . وإن سياستنا تجاه سياسة الحكومة الهولندية واضحة جلية ، وهى السعى للحرية بالطرق المشروعة . وذلك بإنشاء برلمــــــــان وحكومة وطنية . وسنسعي إلى إيجاد حكومة وطنية للشعب بعد أن
لمس قوُته وعرف مستوي ثقافته وتربيته السياسية . وإن الحزب لا ينشر آراء وافكاراً تناوىء سياسة الحكومة الهولندية . وما الحوادث التى حدثت في ولاية سورا كارتا من رفض القرويين أعضاء حزب الشركة الإسلامية أداء الضرائب للسلطة الحاكمة إلا دليل ناصع على بلوغ الشعب مرتبة سياسية حسنة ، تهيئة للحرية والاستقلال . وإن الحزب لنن يتوانى فى أعماله التى وضعت على أعناقه وسيقوم بتنفيذها ما دام رائدنا الإخلاص لخدمة الدين
والوطن . إن الإسلام يدعونا إلى الجهاد لإعلاء كلمته وسيعلو الإسلام فى هذه البقعة الإسلامية التى يعيش فيها ما يزيد على سبعين مليون مسلم . فعلينا أن نضع أمامنا الطرق المثلى التى نسعى إليها ، لتستطيع أن تحقق برامج الحزب كاملة " .
لقد صرح الزعيم عمر سعيد عن مقاصدا لحزب وأهدافه . فاضطربت الأداة الحكومية الهولندية اضطراباً ظهرت آثاره فى رفض الحكومة الهولندية الاعتراف بفروع الحزب المنتشرة فى أنحاء أندونيسيا . وتجاء هذه السياسة الهولندية قرر الحزب إضافة كلمة واحدة تمكن الفروع من
الانضواء تحت لوائه . وهذه الكلمة هي " سنترال " وبذلك اصبحت هذه الكلمة قائمة بعمل مزدوج ، وهو ضم فروع الحزب إليه ، ووضع الحكومة الهولندية أمام الأمر الواقع . وأصبح الحزب يدعى باسم " سنترال الشركة الإسلامية " .
وفي مقال آخر سنوضح الحركات التحريرية التي قام بها " سنترال الشركة الإسلامية " واعتراف الحكومة الهولندية بالشركة انها حزب سياسي . وانقسام الحزب من جراء سياسته لاعتناق بعض أعضائه البارزين المذاهب السياسية الحديثة
