عهد المجمع العلمي إلى الأستاذ المحقق سعيد الأفغاني بنشر تاريخ داريا للخولاني فاستفرغ في تحقيقه وسعه، وقدم له مقدمة
ممتعة في تواريخ البلدان. ولهذا التاريخ مزيتان تسترعيان الإعجاب:
الأولى: تفرده بروايات ومعلومات لا توجد في المطولات
كتاريخ ابن عساكر الكبير. والثانية: بحث المؤلف عن داريا وأحوال أهلها وأنسابهم. وهو ينص آخر أكثر التراجم على ذراري أصحابها فنعلم مثلا أن صحابيا كأبي راشد الخولاني الذي سماه النبي وكناه بقي ولده يتناسلون بداريا حتى سنة ٣٦٥ وهو عام قراءة تاريخ داريا على المؤلف.
وداريا كانت قديما أم قرى الغوطة، والمعقل الأول لليمنيين، وهي اليوم ثانية قرى الغوطة، بعد دوما العاصمة، وحاضرة القرى الجنوبية منها؛ ولبثت قرونا كثيرة منار العلم والأدب، فكان يقال: (من أراد العلم فلينزل بين عنس وخولان بداريا) .
إن هذا التاريخ الذي يحق لأهل داريا أن يفاخروا به هو أحد تلك الكتب الجمة التي ألفها أسلافنا في تواريخ البلدان كالقاهرة والإسكندرية والصعيد ودمشق وبغداد وقرطبة وغرناطة وتونس والقيروان وغيرها. ومن مفاخر رجال داريا أبو الحسن علي بن داود المقري، وله خبر طريف يتصل بتاريخ دمشق وداريا معا ننقله على سبيل المثال لما في هذا التاريخ الممتع على إيجازه وحواشيه من فوائد. . ذلك أن أبا الحسن هذا كان يؤم أهل داريا فمات أمام جامع دمشق فخرج أهلها إلى داريا ليأتوا بإمامها إماما لجامعهم الكبير إذ لم يكن في دمشق خير منه، وكان فيمن خرج معهم القاضي أبو عبد الله بن النصيبي الحسيني وجلة شيوخ البلد. ولما بلغوا داريا مانع أهلوها بالسلاح في رحيل إمامهم إلى دمشق وخلو بلدتهم من فضله، فقال لهم قاضي دمشق:
- يا أهل داريا، أما ترضون أن يشيع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إلى إمام داريا ليصلي بهم؟ فقالوا:
- رضينا، وألقوا السلاح هذا، ويدل على مبلغ عناية المحقق الفاضل الأستاذ الأفغاني
الذي أخرج لنا تاريخ داريا بهذا الضبط والإتقان أن الناسخ لهذا التاريخ شبه عامي، فكثرت أخطاؤه في أعلام الرجال وأنسابهم تحريفا أو أسقاطا، فاقتصر المحقق في الحواشي غالبا على ما يتعلق بتحقيق النص وضبط أعلامه وشرح لغوياته، ولم يتعرض لذكر الروايات المختلفة للحديثلأن نهجه الذي رسمه لنفسه أن يخرج للناس أصلا مضبوطا لا شرحا مبسوطا، ولم يغفل مع ذلك ذكر وفيات الرجال التي تركها المؤلف الذي لم يذكر من ٤٧ ترجمة إلا وفيات سبعة من أصحابها.
إن الأستاذ الأفغاني مثال لرجال العلم المفتونين بدمشق بالعلم والأدب، والذين وهبهم الله للتحقيق جميل الصبر والدأب، قابل الله جميل صنعة للآداب، بجميل حمده والثواب.
دمشق

