ولا نسمع عنه ، ولا للقاء إلا وهو غارق فى الاعلان إلى أذنيه ، قد اتخذ لنفسه من الاعلان معطفا وعصا مكان معطفه وعصاء اللذين طالما تحدث عنهما الناس ، وسيتخذ لنفسه من الاعلان سها بشغله عن أصنامه تلك التى كان مفتونا بها كل الفتنة ، والتى كانت نسمى الموسيقى والتمثيل والغناء والقصص ، فكان من أول الشر الذى جناء نهالكنا على الاعلان فى وزارتنا الجديدة تعقيم توفيق الحكيم . وأنا أستأذنك فى الضحك من هذه الكلمة ، فقد أراها تصلح عنوانا لرسالة طريقة تصور صديقنا حين كان أدبيا خالصا للفن . وتصوره بعد أن أصبح يعادا خالصيا للاعلان.
ولكن أمر الأعلان فى وزارة الشؤون الاجتماعية - وقد كدت أملى فى وزارة الدعاية - لا يقف عند هذا الحد ، بل يتجاوزه إلى ما هو شر منه من إضافة الوقت والجهد والمال فى غير نفع ولا غناء . فإدارة الدعاية فى هذه الوزارة تريد أن تعظ الناس وترشدهم إلى الخير والاصلاح ، والأزهر قائم بهذا الارشاد والوعظ منذ زمن بعيد ، ووزارة . الداخلية قائمة بهذا الارشاد والوعظ منذ زمن بعيد أيضا . وما أظن أن وزارتنا الجديدة ستبلغ من التوفيق من الوعظ والارشاد إلى ما لم يبلغنه الأزهر ووزارة الداخلية.
وأكثر من هذا أن كل وزارات الحكومة لم تنشأ عبثا ، وإنما أنشئت لمصلحة الناس قبل كل شئ ، وهى من هذه الحهة محتاجة إلى الاعلان كما يحتاج الاصلاح الاجتماعى نفسه إلى الاعلان . فما رأيك لو أنشأت وزارة العدل إدارة للإعلان تذيع فى الناس فضائل العدل وتدعوهم إليه ؟ وما رأيك لو أنشأت وزارة التعليم ووزارة الأمن ووزارة الرى والصرف إدارات للاعلان ، تذيع فى الناس فضائل التعليم
والأمن والرى والصرف ، وتدعوهم إلى ما يصلح من ذلك وتردهم عما لا يصلح ؟ وما رأيك لو انشأت وزارة المال والاقتصاد ووزارة الدفاع عن الوطن ووزارة البر والاحسان إدارات تدعو الناس من طريق الاعلان إلى الخير وتردهم عن الشر فى كل ما تعالج من مرافق البلاد؟
وأظرف من هذا كله أن وزارة التجارة وهى وزارة الاعلان ، بأصح ما لهذه الكلمة من معنى ، ثم تنشئ إدارة للاعلان أو أنشأها ولكن لا نتحدث عن نفسها ولا تشغل الناس بنفسها!
أليس يكون من أغرب الأمور أن تنشئ كل وزارة إدارة للإعلان وأن تختار لها الموظفين وتنفق عليها المال وتغذى منها الصحف والراديو ، وتصبح أمور الحكومة كلها إعلانا فى إعلان ، ولا شئ غير الإعلان ؟ ألست توافقني على أن هذا كثير ، وعلى أن الخبر أن نرجع فى هذا كله إلى القصد والاعتدال ؟ ألست توافقنى على أنى لا أسرب على وزارتنا الجديدة إذا طلبت إليها ناصحا لها أن تلغى هذه الإدارة الجديدة ، وأن ترد موظفيها إلى أعمال أنفع وأجدى وأحسن ملامعة المصلحة من أعمال الإعلان هذه ، وأن ترد توفيق الحكيم إلى أدبه وكتبه وأحاديثه فى الصحف ؛ فذلك أحسن موقعا عند الناس من هذا الجهد الضائع الذى يضر كثيرا ولا ينفع شيئا ، والذى أقل ما يوصف به أنه تهالك على الكلام الذى لا يدل على معنى وعلى الدعاء الذى لا يحصل منه شئ ، وأظنك تستطيع أن تؤكد معى لوزارة الشؤون الاجتماعية أن المصلحين إن كانوا قد ستموا شيئا من مصر والمصريين ، فقد ستموا الكلام والإعلان ، وطال شوقهم إلى أن يفكر المصريون تفكيرا صحيحا منتجا فى كلة قاسم أمين رحمه الله : " إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تعلن عن نفسها " .
