الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 46 الرجوع إلى "الثقافة"

تجربة

Share

أما أنها نحجت نجاحا باهرا فاهرا فذلك شئ لاشك فيه ، وأما أن نجاحها كان خيرا للناس وللحضارة ؛ فهذا هو الشئ الذى أشك فيه كل الشك ، ولعلى أقطع بما يناقضه من جميع الوجوه ؛ ولنعرف أولا ما هذه التجربة الناجحة المخفقة ، الرابحة الخاسرة ، التى أحيت ناسا كثيرين وعرضت خير ما فى الإنسانية للشر والتلف ، والتى خبلت إلى الناس أن حضارتهم قد بلغت من الرقى أقصاء ، وانهت من الكمال إلى غابته ؛ على حين أنها زلزلت أركان هذه الحضارة ، حتى انتهت بها إلى ما تتعرض له الآن من الانهيار ؛ وأريد بها تجربة الاعلان أو تجربة الدعاية.

وقد قلت إن نجاحها ليس فيه شك ، وما أظن أحدا بنازع فى أن الاعلان قد أصبح من أصول الحياة الحديثة وركنا من أركانها ، بل لعله أصبح أهم أصولها وأعظم أركانها خطرا . عظم شأنه فى التجارة والصناعة فكان مروجا للبيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، ثم عظم امرء فى السياسة وأمور الحكم ، فكان مروجا للأحزاب السياسية ، وكان حكما بين هذه الأحزاب يقضى لبعضها على بعض ، وبديل لبعضها من بعض . وكان مروجا للحكومات حين تنهض بأمور الحكم ، وللمعارضة حين تقاوم هذه الحكومات . وكان إليه الأمر فى كل ما يكون ، من قيام الوزارات وسقوطها ، ومن ظفر الأحزاب فى الانتخاب وانهزامها . أعانه على ذلك انتشار القراءة والكتابة وانتشار الصحف التى يحمل إلى كل قارىء ما يستطيع أن يقرأ والتى تدس على كل قارئ فيما يقرأ هذا الإعلان أو ذاك ، تروج به لما

تراد على أن تروج له ، من أمور التجارة والصناعة والسياسة ومن أمور الثقافة أيضا

ثم أتاح العلم والاختراع للصحافة شريكا له خطر ، وأثره فى الاعلان ، وهو الراديو . هذه تروج بالقراءة فى الصباح والمساء ، وحين يتوسط النهار ، وحين يتقدم الليل ، وهذا يروج بالإلقاء فى كل ساعة من ساعات النهار والليل ؛ بل فى كل لحظة من لحظات النهار والليل .

هذه تسلك إلى النفس طريق العين ، وهذا يسلك إلى النفس طريق الأذن ، وكذلك يحاط بالفرد وبالجماعة من جميع وجوههما ، ويؤخذ الفرد والجماعة من جميع أقطارهما ، يخضعون للاعلان فى كل لحظة من لحظات الحياة, والانسان كما قال أرسطاطاليس مدنى بالطبع ، وليس معنى ذلك أنه بطبعه يحب الحياة المنظمة تنظيها سياسيا دقيقا فحسب ، بل معناه أيضا أنه يتأثر أشد التأثر بهذه الظواهر التى تنشأ فى حياة الجماعات ، ويشتد تأثيرها فيها ، فلا تكاد ظاهرة من هذه الظواهر تنشأ ويدعى إليها ويقبل عليها بعض الناس حتى يتهالك الناس جميعا عليها ، وما أسرع ما تصبح لهم نظاما ، ولحياتهم قواما ، كأنها أصل من أصول الحضارة وضرورة من ضرورات العيش .

لقد عرفت القطارات فأعرضت عنها كثرة الناس إعراضا وأقبلت عليها منهم قلة ؟ ولكن وقتا قصيرا لم يمض حتى أصبحت القطارات أساسا من أسس الحضارة الحديثة ؛ ثم تقدم الاختراع وأنشئت وسائل أخرى للمواصلات أسرع وأبسر من القطارات ، فقاومها الناس وأقبلت عليها

قلة ثم لم تلبث أن أصبحت أصلا من أصول الحياة وكذلك كان الإعلان نفسه ، لم يقبل عليه فى أول أمرء إلا المجربون ثم المطمئنون إلى التجربة ؛ ثم لم يلبث هؤلاء المجربون أن كثروا ، ولم يلبث هؤلاء المطمئنون أن تزايدوا وأصبح عددهم صخما ، ثم لم يلبث الإعلان أن أصبح أصلا من أصول حياتنا الحديثة ، لا تكاد نتصور عملا من الأعمال الخطيرة أو الضئيلة التى يريد أن تقدم عليها ، حتى تقدر حظ الاعلان منه أو حظه من الاعلان . فإذا أهملنا هذا التقدير فعملنا معرض للخطر ، بل مقضى عليه بالإخفاق الذى لا مخرج منه ولا منصرف عنه

والظريف أن هذا التقدير لأمر الأعلان قد أصبح جزءا طبيعيا ، وهو مضحك بنوع خاص حين يتصل بأمور الثقافة ، وحين يتصل بالانتاج الأدبى الممتاز . ولا سيما فى أوربا ، فلا يكاد الأديب أو الفيلسوف بفرغ من كتابه أو بفكر فى إنشاء كتابه ويتحدث فيه إلى الناشر - وأنت تعلم أن من المؤلفين من يتفق على نشر كتابه قبل البدء فيه ، ومنهم من يتفق على ذلك بعد الفراغ منه - حتى يكون الاعلان أول شئ يعرض له الحديث . فالناشر يحسب ما سيكلفه الاعلان من نفقة ، والكاتب بحسب ما سيكلفه الاعلان من نسخ ؛ وقد نشرت ترجمة الأيام بالفرنسية ويحدث إلى فى أمرها الكاتب الفرنسى العظيم دى هامل ، فكان مما قاله فى يجب أن توطن نفسك على توزيع ٣٧٠ نسخة مجانا على الصحف ليعرف الكتاب ، فيغير هذا لا سبيل إلى معرفته . وقد حدثتك فى الأسبوع الماضى عن كتاب دى هامل " الدفاع عن الأدب " وهو من أشد الكتب بغضا للاعلان وسخطا عليه ؛ وما أشك مع ذلك فى أنه قد قدر أمر الاعلان مع الناشر حين هيأ كتابه هذا للنشر ، قدر ما سيكلفه الاعلان من نسخ وما سيكلفه الناشر من مال ، يحسب عليه هو فى آخر الأمر .

فالإعلان إذا أصل من أصول الحياة الحديثة قد تغلغل فى فروعها كلها ، فلم يبق للناس سبيل للتخلص منه أو القرار من سلطانه ؛ وهو من هذه الناحية قد نجح نجاحا باهرا قاهرا ؛ بل هو قد نجح من ناحية أخرى ؛ فهو يفيد الذين يلجأون إليه ويحسنون الانتفاع به فائدة قريبة محققة ؛ وهو يضر الذين لا يلجأون أو لا يحسنون الانتفاع به ضررا قريبا محتوما . فالتاجر الذى يحسن الإعلان ، ويتفق عليه الأموال الضخمة ناجح رابح ، والتاجر الذى يقصر فى ذات الاعلان أو تقصر بدء عما ينبغى له من الضحابا والقربان خاسر مقضى على تجارته بالكساد من غير شك . والكتاب الذى تعلن الصحف ظهوره ومحاسنه سريع النقاد ، والكتاب الذى تجهله الصحف أو لا تذكره إلا قليلا بأثر على مؤلفه وتأشره جميعا بإذن الله .

والحزب السياسى الذى يظفر بالصحف المنتشرة الرائجة كثير الأتباع موفق إلى الظفر فى حياته السياسية مهما تختلف ألوانها ؛ والحزب الذى يقصر به الفقر أو ترتفع به الكرامة عن الإعلان مخذول مدحور فى حياته السياسية مهما تكن مبادئه ومذاهبه ، ومهما كانت استقامة أعضائه ، ومهما يكن حظهم من رجاحة الحلم ونزاهة المقصد وحب الوطن وإيثار المنفعة العامة على كل شئ .

وقل مثل ذلك فى كل ما يمس حياة الجماعة وحياة الفرد ؛ لا سبيل إلى الإقدام على عمل تنشئه إلا إذا قدرت حظ الإعلان فى الترويج له , ولا سبيل إلى الإقدام على شىء تحتازه احتيازا ماديا أو معنويا إلا إذا عرفت رضى الأعلان عنه ، وما أنتج من حسن رأى الناس أو سوء رأى الناس فيه .

كل هذا حق واضح قد أطال الناس فيه حتى أصبح ذكره حديثا معادا .

ولكن هل أفادت الحضارة من هذه الظاهرة ما يصلحها ويرفيها ويديها من المثل الأعلى ، ويقربها من الكمال الذى يقال إننا نسعى لندركه ولندعو منه ؟ أم هل أفادت الحضارة من الإعلان ما يسوؤها وبغض من قدرها وبضع من مكانها ، ويردها إلى هذه الغلطة التى لاتلائم ارتفاع النفوس عن الصغائر وتنزهها عما لا يليق بالقلوب الكريمة ، هذه التى ينبغى أن تصوغها حضارتنا ذات الحظ العظيم من الامتياز فيما تزعم ؟

هذه هى المسألة التى أشك فيها كل الشك ، بل أكاد أقطع بأن الجواب عليها لا يرضى ولا يسر ، بل لا يشرف ، بل لا يسمح لنا بأن نفاخر بحياتنا الحديثة ، ومما أنتجت من حضارة ، وبما انتهت إليه من مثل عليا فى الأخلاق . ذلك أن الإعلان بفقد قيمته كلها إذا اعتمد على العقل ، وقام على ما يراء العقل أساسا للحياة الكريمة النقية من الفضائل وخصال الخير . فالإعلان الذى لا يقول إلا حقا ، والذى لا يتحدث إلى الناس إلا بالصدق ، والذى لا يتجه من الناس إلا إلى عقولهم وملكاتهم المفكرة المقدرة المتدبرة فيما تكون من رأى وما تصدر من حكم - هذا الإعلان لا وجود له ولا يمكن أن وجد ولا ينبغى أن يوجد ، لأنه لو وجد لما حفل أحد ، ولا أقبل عليه أحد ، ولا أذعن لسلطانه أحد . ولكان أمرء كفلسفة الفلاسفة وعلم العلماء ، مقصورا على طبقة من الخاصة ، بل من خاصة الخاصة ، وكانت نتيجته إخفاقا تاما ، وإفلاسا محتوما . وليس من العسير أن توازن بين الكتب القيمة ذات الخطر العظيم التى لا يعلن أصحابها أو ناشروها أمرها إلا بمقدار وفى صحف معينة قد خصصت لها ولأمثالها ، وبين الكتب الأخرى المتوسطة أو ذات الخطر الضئيل أو التى لا خطر لها ، ولكنها تظفر بالاعلان الهائل الذى لا يصدر عن عقل ولا عن صدق ولا عن نصيحة للغارىء وإنما

يصدر عن رغبة فى البيع وحرص على الرواج ,  فيسترى نتيجة هذه الموازنة مصدقة لهذه الحقيقة الواضحة وهى أن الاعلان لا نفع له إلا إذا اعتمد على شىء غير الصدق ، وصدر عن مصدر غير العقل ، وقصد إلى شئ غير النصح والارشاد

وتعليل ذلك يسير عند علماء النفس وعلماء الاجتماع ، فصاحب الاعلان مروج ومروج في بيئة اجتماعية تختلف طبقاتها وتتفاوت أقدار أفرادها وحظوظهم من العلم والجهل ، ومن الذكاء والغباء ، ومن قوة الحس وبلادة الطبع ، ومن سرعة التصديق والإبطاء فيه ، ومن سهولة الانقياد وصعوبة المراس ، ولابد من أن يتجه الاعلان إلى هؤلاء جميعا ، ولابد من أن يبلع هؤلاء جميعا ، ويصل إلى نفوسهم ، ويحدث فيها الأثر الذى يريده صاحب الإعلان . فالإعلان لون من الخطابة التى تتجه إلى الجماهير ، ولكنه لا يتجه إلى جمهور يمينه قد اشتمل عليه مكان محدود وأحاط به إطار معنوى محدود ؛ وإنما هو خطابة مكتوبة فيه خصائص الخطابة التى نتجه إلى عواطف الجماهير ، وتهاجم منها مواطن الضعف لتقهرها وتبهرها ، وتبلغ منها كل ما نريده ؛ وفيه خصائص الكتابة التى تتجه إلى الغائبين منفردين ومجتمعين ، فتقرأ جهرا وتقرأ سرا ، ويقرأها الفرد وحده ويقرأها الفرد مجتمعا إلى غيره ؛ وهو من هانين الناحيتن بعيد كل البعد عن أن يكون شيئا عقليا ممتازا ، أو متوسطا قوامه الصواب والصدق . والنصح والاخلاص ، إلا أن يكون الأخلاص متصلا بما يريد المعلن أن يروج له ويدعو إليه

فالاعلان إذا شئ يقوم على غير الصدق وعلى غير الصواب فى أكثر الأحيان ، وتلاحظ أبى متحفظ محتاط لا اصطنع كلة الكذب ولا كلمة الخطأ ؛ لأنى لا أريد هاتين الكلمتين ، وإنما أريد شيئا وسطا بين الصدق

والكذب ، وشيئا وسطا بين الخطأ والصواب ، وشيئا وسطا كذلك بين النصح والغش ، وبين الاخلاص والنفاق ، وأرد شيئا أقل مما يتصف به أنه غامض من جميع نواحيه إلا من ناحية الترويج لما يريد المعلن أن يروج له ، والدعوة لما يريد المعلن أن يدعو إليه ، أى من ناحية تحقيق المنفعة القريبة العاجلة مهما يحط بها من الظروف الحسنة والسيئة ، النقية والكدرة ، البريئة والمدخولة

ومعنى هذا كله أن الاعلان حين اندس فى الحضارة الحديثة وتغلغل فى أعماقها حتى أصبح لها قواما ، قد دس فيها عنصرا غامضا مبهما خطرا ، قوامه الشهات ، وقد أضعف بهذا العنصر حظ العقل من التأثير فى الحضارة ، وحظ الاختيار القائم على التفكير الصحيح وعلى تجرى الصواب والاخلاص فى هذا التحرى . وهو بهذا قد ألغى حظا عظيما جدا من حرية الفرد ومن حرية الجماعة ، واستعبد الناس لفريق قليل ضئيل من هؤلاء الذين ينظمون الاعلان ويسوغونه ويذيعونه ويشرفون عليه

ومعنى هذا أن الاعلان فى حقيقة الأمر خصم من خصوم الحرية الفردية والاجتماعية ، وخصم من خصوم العقل ، وخصم من خصوم التفكير وتحرى الصدق والصواب ونتائج هذا كله ظاهرة فى حياتنا وحضارتنا ؛ فالاعلان هو الذى أفسد قلوب الألمان وخدعهم بزخرف القول حتى أضاع عليهم عقلهم ، وحتى سلبهم حريتهم ، وحتى أخضع ملايينهم الضخمة لفرد أو لأفراد يصرفونهم كما يحبون ، ويتصرفون فى أنفسهم وأموالهم وعقائدهم وآرائهم كما يشتهون . والاعلان هو الذى دفع الألمان ، بعد أن صاغهم هذه الصبغة ، إلى هذه الطاعة المطلقة التى انتهت بهم ويجزء عظيم من العالم إلى هذه الكارثة التى تشهدها ، والتى ترجو ألا تشمل العالم كله بآثارها المنكرة

فالاعلان إذا شر قد لا يكون منه بد ، ولكنه شر لابد من الاحتياط حينما نضطر إليه ، وحينما تكرهنا

الظروف على اصطناعه ؛ وما أكثر الشرور التى لابد منها ، ولكن ما أشد ما يجب على الناس أن يصطنعوا من الحذر والاحتياط حين يضطرون إلى بعض هذه الشرور ؛ فهل نحن نصطنع شيئا من الحذر والاحتياط فيما يكون بيننا وبين الاعلان من صلة تضطرنا إلى أن نصطنعه فى بعض شؤوننا ومصالحنا ؟ أم هل نحن قد فتنا به كما فتن غيرنا ، وأذعنا له كما أذعن له غيرنا ، وأهدينا إليه عقولنا وقلوبنا فى غير تحفظ ولا احتباط كما أهداها إليه غيرنا ؟

وأنا لا أريد بالطبع أن أقوم مقام الواعظ المرشد ، فليس بى أن أقوم هذا المقام ، ومصر والحمد لله غنية بالوعاظ والمرشدين ، قد امتلأت الصحف والراديو والأندية بوعظهم وإرشادهم ؛ وإنما أنا باحث يحاول أن يفهم ويحاول أن يدعو غيره إلى الفهم والاستقصاء . ولست أخفى عليك أن الذى حملنى على التفكير فى أمر الإعلان هو هذه الظاهرة الغريبة التى رأيتها فى مصر حين عدت من فرنسا آخر هذا الصيف ، ظاهرة النهالك على الإعلان ، فى بيئات قد كانت حقيقة ألا تفكر فى الإعلان الآن ، فضلا عن أن تتهالك عليه . وقد قرأت فى بعض الصحف ما دعانى إلى هذا التفكير ، وهو أن الذين يعلنون يجب أن يكون عندهم ما يعلنونه إلى الناس ؛ فأما أن يعلنوا قبل أن يظفروا بما يريدون إعلانه فهذا هو الشئ الغريب حقا ؛ وواضح جدا أن هذا الكلام إنما يمس وزارة الشئون الاجتماعية ، التى لم تكد تنشأ ، ولم يكد الناس بيتهجون بإنشائها حتى كان أول ما أقدمت عليه وآخر ما أقدمت عليه وأهم ما أقدمت إلى الآن الاعلان . أنشأت له إدارة ، وعينت له موظفين أستغفرالله ، بل أساءت إلى الأدب الخالص ؛ فأخذت أديبا كان الناس يحبون أن يقرأوا له ، وكلفته أن يفرغ لأبعد الأشياء عن الأدب ، وأبغضها إلى الأدب ، وأسوئها أثرا فى الأدب وهو الاعلان . وأخذنا لا نعرف توفيق الحكيم ( البقية على صفحة ٤٣ )

اشترك في نشرتنا البريدية