استأنف صديقى العجوز حديثه فقال : هبط مصر فى أواخر القرن الماضى عظيم من دولة آل عثمان . ونزل بفندق (( شبرد )) . وفى ذات يوم طلبت لمقابلة الغازى مختار باشا ( ١ ) فى سراى الإسماعيلية بميدان قصر النيل ، حيث كان يقيم . فلما دخلت (( الصالون )) رأيت فى حضرته شيخا وقورا ، مهيب الطلعة ، ضخم الجسم ، يلبس الطربوش العزيزى ( ٢ ) والاسلامبولينا ( ٣ ) ، جالسا فى صدر المكان .
ولمحت كذلك الشيخ محمد الحوت بلباسه العربى ، جالسا بوقار فى آخر صف الكراسى جهة الباب . وكانت عينى قد وقعت عليه لأول مرة ، عندما جاء فى العام السابق ، بهدية من الغزال لحديقة السراى .
فبادرنى فخامة الغازى قائلا : مصطفى بك ( ١ ) . جهز نفسك . نريدك أن تصحب غدا الشيخ الحوت إلى الصالحية لصيد الورن ( ٢ ) .
فوجمت لهذه المباغتة ، وقلت مبهوتا : الورن ؟ قال الغازى : نعم . الورن . إن دولتلو افندم الباشا ، قد جاء
خصيصا للقاهرة ، للتداوى من النقرس . بدفء مصر ، ومياه حلوان ، وبدهن الورن .
فالتفت بلهفة إلى شيخ العرب - وكنت واقفا وسط الصالون بالقرب منه - وقلت مستفسرا : الورن ؟ - قال نعم . يعنى البرص - وهذا موجود عندنا بالصحراء .
فالتفت للغازى وقلت : فخامتلو افندم . إن عندنا (( بحواصل )) منزلى بالصليبة كثيرا من هذه الأبراص . آلاف منها - افندم - لا ينقطع لها ديب لا بالليل ولا بالنهار .
فنظر إلى غاضبا متبرما : جاثم ! مصطفى بك ، البرص برص . والورن ورن . هيا . جهز نفسك ، وإياك أن تنسى بندقية الصيد .
فأجبت : فخامتلو افندم ! سمعا وطاعة ، وأحنيت رأسى بخضوع ، وخرجت ، وخرج فى إثرى الشيخ الحوت .
فى عصر اليوم التالى كنا ندخل قرية الصالحية . قادمين إليها من جهة الغرب . فبدت البلدة فى شمس الأصيل جميلة ، تحتضنها غابة كثيفة من شجر النخيل ، وتكتنفها الرمال الصفراء من خلفها ، وتمتد على جانبيها . وكان يهب فى وجوهنا نسيم رقيق ، يحمل أريج الصحراء ، وينعش نفوسنا بعد سفر شاق ، دام طول النهار . ونزلنا فى بيت ريفى بسيط ، فى ظاهر القرية ، أعد لنا فيه على عجل ، ما تيسر من أسباب الراحة والاطمئنان .
فى صباح اليوم التالى اصطحبنى الشيخ محمد فى زيارة لأخيه الأكبر الحاج عبد الرحمن ، ومررنا فى الطريق إلى منزله بجامع شامخ عتيق متهدم . فسألته عن اسم منشئه .
فقال : عند أخى عبد الرحمن الخبر اليقين ؛ فهو يعرف هذه البلدة بيتا بيتا ، وحجرا حجرا ، فاسأله ، ولا شك أنه يجيبك بما يشفى الغليل .
واستقبلنا الحاج عبد الرحمن فى داره بكثير من الترحيب . وبعد أن استقر بنا المقام سألته عن المسجد ؛ فانفرجت أسارير وجهه ، واطمأن فى جلسته . وقال : تسألنى عن المسجد ! إنه واحد من معالم أثرية كثيرة عندنا . إن
لبلدتنا تاريخا طويلا مجيدا ؛ فهى من بناء سلطان عظيم - الملك الصالح نجم الدين - أنشأها فى القرن السابع الهجرى ، لتكون محطة لعساكر المسلمين ، إذا خرجوا من مصر للجهاد فى الأراضى المقدسة ، أو عادوا إليها من الحرب . وبنى فيها المساجد والأسواق والمنازل . وتألق اسم الصالحية فى تاريخ مصر العربى ، وعرف صعيدها الكثير من العز والمجد . فهنا حشد الملك المظفر الجيوش لصد عادية التتار ، بقيادة هولاكو . عن ديارنا . وهنا جمع السلطان الأمراء . وقال لهم كلمته المأثورة المشهورة ، لما رأى قعودهم عن الجهاد : (( يا أمراء . لكم زمن تأكلون أموال بيت المال ، وأنتم للجهاد كارهون ، وأنا متوجه للقتال ، فمن اختار الجهاد يصحبنى ، ومن لم يختر ذلك يرجع لبيته ؛ فإن الله مطلع عليه ، وخطيئة المسلمين فى رقاب المتأخرين )).
ولما جاء الليل ركب المظفر وقال : " أنا ألقى التتار بنفسى " . فقويت العزائم ، وسار الأمراء معه ، وتحرك الجيش إلى فلسطين ، والتقى الجمعان فى بلدة " عين جالوت " وهى المعركة التى صرح فيها السلطان ثلاثا " وا إسلاماه " . فمن الله على المسلمين بالنصر المبين ، وخلصت الشام ، ونجت مصر .
طالت جلستنا بدار الحاج عبد الرحمن حتى الظهر . وتناولنا معه الطعام على طريقة البدو . ثم دار الحديث بعد ذلك حول المهمة التى جئت من أجلها . فقال : إن فخامة الغازى يطلب ( ورنا ) كبير الحجم . غزير الدهن ، وهذا النوع لا يوجد بصحراء الصالحية ، وسنبحث عنه بصحراء العجرود حول درب الحاج بالقرب من السويس ، وإن شاء الله ، غدا قبيل الفجر نرحل لصيد هذا الورن . ثم اصطحبنى إلى حظيرة الخيل لاختيار الجواد الذى أمتطيه فى هذه الرحلة .
استيقظت قبيل الفجر ، فى اليوم التالى ، فأبصرت الحاج عبد الرحمن وأخذه الشيخ محمد ، وبعض الأتباع ، واقفين بجيادهم فى الساحة أمام المنزل . تأهبا للرحيل . فامتطيت جوادى ، وسار الركب على بركة الله صوب قرية القصاصين
جهة الجنوب ، واجتزنا أطرافها والشمس تبزغ من وراء التلال فى الأفق البعيد ، فأخذتنى روعة الصحراء ، وامتلأت نفسى بنشاط عجيب ، وسادنا سكوت رهيب . فجعلت أحلق فى آفاق بعيدة فيما وراء النظر ، فيما وراء هذه الرمال ، حيث مشرق الشمس ، ومطلع سراج الدنيا .
ثم عبرنا ترعة الإسماعيلية ، وتوغلنا فى الصحراء . ثم علت الشمس ، واشتد الضياء ، وتقدم النهار ، ودخلنا منطقة التلال فتفرقنا فى الوديان نطلب الورن ؛ وبعد ساعة وجدنا أثر ورن كبير . فتتبعناه إلى جحره ، واشتغلنا بالبحث عنه ، ولكنا وجدنا الجحر خاليا من ساكنه ، فتتبعنا أثره إلى كومة من الصخور ، وظللنا ننبش الأرض عنه نحو عشرين دقيقة حتى أمسكناه ، وحمله أحد الأتباع بين يديه ، والورن يضربه بذيله الذى يشبه السوط فكاد يؤذيه .
ولم نكد نبدأ البحث عن آخر حتى سخن الجو فجأة وهبت ريح عاصفة ، فنظرت إلى وجه الصحراء ، فإذا سطح الأرض قد تغير تغيرا غريبا ، وإذا ذرات الرمال ترتفع قليلا ، وتنبجس وتدوم كأنها بخار يتصاعد من ثقوب لا عد لها ، ثم زادت ثورة الرمال شيئا فشيئا ، كلما ازدادت الريح قوة . حتى خيل إلى أن سطح الصحراء كله يرتفع إطاعة لقوة دافعة رافعة تحته ، وأخذ الحصى يتناثر ورشاش حبات الرمال يتصاعد ، ويلطم وجوهنا وأجسامنا ، ويدوم فوق رءوسنا ثم غامت السماء . فلم نر إلا الأشباح القريبة منا ، وثارت الطبيعة ، ودفعت العاصفة ذرات الرمال . فاخترقت كل شئ كان معنا فملأت ثيابنا وحوائجنا ، وكنا نحس بها ونتنفسها ، ونأكلها ونشربها ، وهكذا استمرت الصحراء فى شدتها وقسوتها ، فى غضبها وثورتها مدة ساعتين . ثم لم تلبث أن سكنت الريح فجأة كأنها أمرت فامتثلت ثم فرت حبات الرمل الدقيقة ، كأنها ضباب يستقر ، ثم عادت الصحراء فكشفت لنا عن وجهها الجميل فعاودنا البحث عن الورن .
ولم يكد يقتصف النهار حتى كان قد وقع لنا ثلاث ورنات ، ومل الحاج عبد الرحمن هذه المطاردة ، ونظر
إلى أخيه وقال : كفى إن فى هذه الورنات الثلاث من الدهن ما يكفى لعلاج جيش من داء النقرص ؛ ثم لوى عنان جواده ، وانطلق يعدو صوب الغرب ، ونحن فى إثره .
ولم يأت الغروب ، حتى كنا ضيوفا مكرمين في دار صديقه القديم عمدة ( النعامنه ) , وأكواب الشاى الساخن اللذيذ تدور علينا . وصفا المجلس ، وطاب الحديث ، وشارك الحاضرون فيه كل على سجيته . وقال الحاج عبد الرحمن :
نحن عرب الصالحية من بنى سليم ، لا زلنا نرعى التقاليد والعادات ، كما ورثناها عن الأجداد . فتأتي في موسم معين من كل عام إلى هذه الصحراء ، لصيد الغزال بواسطة الصقر ، كما كان يفعل الآباء . فنخرج من بلدتنا راكبين الخيل ، تتقدمنا كلاب الصيد ، وتتبعنا الجمال حاملة الزاد والمتاع ، حتى إذا توسطنا منطقة الجبال ، حططنا الرحال ، وأقمنا المقيم ؛ ثم نتفرق في الوديان ، بحثاً عن الغزال فإذا لاحت لنا غزالة طاردناها على متن الجياد ، وأطلقنا عليها الصقور فتحط عليها ، وتهاجمها الكلاب ، وتشاغلها حتى نصل إليها ونمسكها . ثم أردف يقول : ونحن فى هذا نلتزم قواعد الصيد ، فلا نسرف فيه ؛ بل نكتفى بالقليل ، إبقاء على الغزال من الانقراض . فغرضنا الرياضة والتسلية والرحلة ، في جو يسوده البشر والصفاء وهدوء البال .
قال مصطفى بك : وفى صباح اليوم التالي كنت في محطة بلبيس حاملا قفصاً من الجريد به الورنات ، ومن حولى الحاج عبد الرحمن والعمدة والحشم والأتباع يودعوننى قبل قيام القطار . واستقبل الباشا القفص في السراى بإحتفال كبير ، وحمله الخدم إلى داخل الحريم ، وداروا به على المقاصير ، لنري " الهوانم " أفندى هذا الحيوان العجيب ، الذي قال عنه شيخ العرب الحوت ، إنه يشفى النقرس والكساح من " دهنتين " .
أما أنا يا صاحبى ، الذي ذهب وجاء ، وشقي كل هذا الشقاء . فلم يكن نصيبه سوي كلمتين " عفارم امصطفى بك " تفضل بهما على دولتلو افندم الباشا المريض .

