الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318 الرجوع إلى "الثقافة"

تحت سماء المعادى

Share

سألني الأستاذ الجليل أحمد أمين بك وأنا في لجنة التأليف والترجمة والنشر : "ما الذي أوحته إليك مصر من شعر أو نثر؟" فخجلت الخجل كله لما قلت: لم توح إلي بعد شيئا، وذلك لأني لما هبطتها لقيت فيها من الضوضاء ومن جيئة الناس وذهوبهم في الشوارع ومن زحمة السيارات ما جهد أعصابي، فبقيت أياما لم أقرأ جريدة ولم أفتح كتابا. أما اليوم فقد خطر بيالي أن أذهب في الصباح إلى "المعادي" هذه الضاحية التي ملكت علي مشاعري فأحببتها من سنين بعيدة وجعلت لها من قلبي نصيبا وافرا. ذهبت إلى "المعادي" في الصباح وأسرعت إلي "الكازينو" الذي ألفت التردد إليه من قبل، وما كدت أوقد "غليوني" وأشرب الشاي وأرمي بطرفي إلى السماء الصافية وإلى النيل الرنق، وإلى النخيل المنبسط من حوله حتى ازدحمت الأفكار في صدري، فوقف القلم لتحيره على تعبير ابن المقفع، ثم فتشت عن كلام أفصح به عن هذه الأفكار المزدحمة فلم تحضرني عبارة أرضى بها لأفصح عن هواجس الصدر، فأطلقت حينئذ القلم إطلاقا ورضيت بكل ما حضرني من الكلام دون شيء من التزويق أو الانتخاب:

يستطيع الأستاذ أحمد أمين بك أن يسألني الآن: "ما الذي أوحته إليك القاهرة"، وأستطيع أن أجيبه عن سؤاله دون شيء من الكلفة:

اليوم شعرت بأني في مصر، اليوم تمتعت بنبل مصر وريفها ونخيلها وسمائها. جمعت لي مصر في كلمتين وهما: الريف والنيل، كلمتان مضت عليهما أحقاب طويلة وهما لا تزالان قويتين، خالدتين. وإذا كان المتنبي يجد من ثدى سيف الدولة ريفا ونيلا فإني لا أجد من ثدى أحد على وجه الأرض مثل هذا الريف ومثل هذا النيل، لم يتبين لي وجه

القاهرة في شوارعها ولا في مبانيها ولا في سياراتها ولا في زحمتها، فهذا كله غير خالد في تاريخ البلدان. إن زلزالا واحدا يذهب بكثير مما تبنيه الأمم فلا يبقى له أثر. ولكن طبيعة البلدان التي تعيش فيها هذه الأمم خالدة على وجه الدهر. فالنيل خالد، والريف خالد، والهرم خالد، فإذا أحببت أن أفتش عن خلود مصر ففي هذه الألفاظ الثلاثة، فمنها عرفت وجه مصر، ومنها أحببت مصر. أما القاهرة فلم توح إلي شيئا فأنا لم أعرف وجه مصر فيها. ولولا أدباء فضلاء، ولولا أساتيذ أجلاء زرتهم وملأت نفسي من لذة أحاديثهم وسمعت لغتهم الحلوة، لكنت في مصر غريب الوجه واللسان، ولحسبت أني في مدينة من مدن أوروبة. في باريس أو في لندن، وأنا لم أزر القاهرة لأرى فيها صورة باريس أو صورة لندن أو صورة غيرهما من الأمصار. وإنما زرت القاهرة لأرى وجه مصر وطبيعة مصر وريفها ونيلها وهرمها ولأسمع لغتها وما شابه ذلك. ولست أدري لماذا أفرط أدب مصر في الانقباض عن هذه الظاهر الساحرة الخالدة، والانبساط إلى مظاهر ثانية غلبت عليها المادة! لست أدري لماذا لا أجد في أدب مصر إلا الشيء اليسير من التغني بعنوان عظمتها، بريفها ونيلها وطبيعتها! لا بأس الانتقال إلى سماء مادية، ولكن البأس كل البأس بالفناء في هذه السماء المادية ، فالأمم تعيش بالمادة وبالروح معا، والأمم التي اقتصرت على العيشة في المادة وحدها والذوبان فيها صائر التعب إليها ولا شك في ذلك. إنها ستجهدها في آت قريب عبادة هذه المادة وستشعر بشيء غير قليل من الحاجة إلي التعلق بالروح. قد تكون المادة بنت العقل ولكن المرء إذا كان يعيش بعقله فهو لا يستغني عن العيشة بقلبه أيضا . وكم كنت في دهشة لما كنت أطالع في أدب هجم علينا من وراء البحار مباحث فلسفية لا يتذمم أصحابها من أن يقولوا في أثناء كلامهم: ولقد جرب فلان صاحب معمل كذا هذه الطريقة الفلسفية في معمله فربح ربحا

عظيما؛ فالفلسفة غايتها الربح والعلم غايته الربح والأدب غايته الربح ، أفلا نجد في هذه النزعة ثمعب الأمم وجهدها؟ فالفلسفة فيها شيء أجل من الربح والعلم فيه شيء أسمى من الريح والأدب فيه شيء أرفع من الربح، ولو صبغنا هذه الآفاق الإنسانية بصباغ مادي محض لضاع على عقولنا وقلوبنا كثير من اللذة.

أراني قد خرجت عن موضوعي، ولكن ما هو موضوعي ؟ فأنا لم أبعث أفكاري على هذه الورقة على صورة منطقية تتصل فيها النتائج بالمبادئ . وإنما بعثرت فيها شعوري على صورة بسيطة غير مهتم بالمنطق فيها، فهأنذا أترك المنطق وأترك المادة واترك زحمة القاهرة، وأصوب النظر وأصعد، في سماء المعادي وفي نيلها وفي نخيلها وفي هذه الأهرام المترامية من وراء النيل ومن وراء النخيل. هأنذا أملأ قلبي من فتنة هذه المناظر كلها قبل الانحدار إلي القاهرة، ولكن المؤلم أني ثم أسمع وأنا في الكازينو

كلمة عربية ولا لهجة مصرية، فما سمعت إلا العجمة، فلا يحب المصري أن يتمتع بشيء من محاسن طبيعته، فقد انسحب من هذا الميدان فسرح فيه غيره، فلم يملك عليه حب طبيعة بلاده شيئا من قلبه. فأين الأدب ؟ أين هذا الأدب الذي يحمل المصري على الفناء في محبة أرضه وسمائه؟ أين هذا الأدب الذي يحمله على الذوبان في محبة ريفه ونيله؟

أطرح الآن القلم من يدي لأن الشمس قد اشتدت وطأتها علي، وأودع المعادي، أودع هدو الحياة لأعود إلى ضوضائها، أودع روح الحياة لأعود إلى مادتها، هذه المادة التي كانت سببا في شقاوة البشرية في حرب ما عرف التاريخ نظيرها، ففي اليوم الذي يستطيع فيه الأدب المصري أن يجعل لي ولأمثالي نصيبا من الروح ومن المادة مما في صفحاته في اليوم الذي يحملني ويحمل أبناء دياره على التغني بخلود مصر ومحاسن مصر وبفتنة كل بقعة من بقاعها، أشعر إذ ذاك بأني في القاهرة. أما الآن فلا أزال أحسبني في باريس أو في لندن!

اشترك في نشرتنا البريدية