أعرض كل حياتي الليلية. حياة رحبة مضيئة زاخرة بشتى الألوان. ميدانها لا في المراقص وحانات الليل، بل في حجرتي المنزوية ومقعدي الواسع قرب خزانة كتبي. حياة الليل عندي هي حياة النفس في اتصالها النبيل بما أقرأ في ساعات السكون، وفي إصغائها الطويل إلى الخواطر والأفكار التي تعمر عالمي الصامت”.
صدقت نفسي البارحة عن القراءة. فلم أدر ما اصنع. وإذا يدي تعبث على غير علم مني رسالة جاءتني منذ يومين. إنها من فتاة لم تجاوز العشرين تريد الاشتغال بالأدب، وتسألني في إصرار أن آذن لها بمقابلة كي تبسط لي أمرها وتتلقي فيه رأيي. وذكرت ما عبر راسي عندئذ من صور إني اعرف المرأة التي تعطي الأدب حياتها، إنها المرأة التي لم تجد رجلا تمنحه هذه الحياة. ولكنها ما زالت في أول الشباب. إذن لعلها تشعر ان الطبيعة قد جردتهما من ذلك السحر الذي تسيطر به علي قلب الرجل. والمرأة إذا
جردت من هذا " الرداء " فليس أمامها إلا ان ترتدي مسوح الراهبات. ولعل في " رهبنة الفكر " قوة جديدة قد تستخدمها المرأة في طرق باب الأمل من جديد. على أي حال لا بأس من مقابلة الفتاة. فضربت لها موعدا بمكتبي هذا الصباح. فحضرت. وما كاد بصري يقع عليها حتي انقلب كل شئ في رأسي، وفسدت الصور في سرعة البرق. فالفتاة التي أمامي جميلة رشيقة أنيقة. إنها من ذلك الطراز الذى يخطر فى حلبات السباق فى أحدث الأزياء » ناث رأ فى امهواء أحدث العطور تار كا تخلفه فى كل خطوة آلاف النظرات والحسرات والتنبدات !... إنها من ذلك الطراز الذى يرى ف المقاصير الأولى من المسارح » ليالى الافتتاح » فيلقى ال همس والافنتان فى صدور الجماهير !... اضطرب أمري وقلت فى نفسي : ليس هاهنا مكان هذه الفتاة » !... ورأت ما بي فبادرت بالتحية وقالت فى ابتسام وهي تجلس حيث أشرت إليها بالجلوس
- أريد منك يا استاذ أن تصارحني في كل شئ. فقلت لها كالمخاطب لنفسي وعيني ما تزال تفحصها: - بل أنا الذي أرجو أن تصارحيني بكل شئ . . فأطرقت قليلا، وقد ارحت اهدابا القت على حدها ظلالا:
- إني يا سيدي . . أحب الأدب. فقلت على الفور: - إن الأدب يا سيدتي بتشرف بهذا الحب. وبدا علي وجهي الارتياب فقلت: - لكن . . - لكن؟ - ماذا تقصدين بالضبط أيتها الآنسة . . ؟ أرجو منك أن تفصحي قليلا . . فأطرقت مرة أخري. وكانها لا تعرف كيف نبدأ
الحديث. ثم رفعت عينيها، وأخذت تتأمل المكان الذي أعيش فيه. فلم تجد شيئا باسما. فلا زهرة مفتحة، ولا اثاث أنيق، ولا حيطان زاهية اللون، ولاضوء كثير باهر !
فرأيت كان صدرها قد ضاق، وأنها تريد التنفس، وأن شفتيها القرمزيتين تهتزان، وأنها تكاد تصيح علي الرغم منها: " أهذا جو الأدب ؟ "
ولحظتها تنظر إلي النافذة وهي عارية ليس عليها أستار. وامامها بناء عال يحجب عنها الشمس. فخيل إلي أنها تقول: - أيكفيك هذا النور ؟. فأجبتها في هدوء: - يكفينا دائما النور المضيء في نفوسنا !
فلم يبد علي الفتاة آنها فهمت عني. فان سطور وجهها ما زالت تعم عن خبيبة الأمل !
على أن الذي أدهشني هو بقاؤها بعد ذلك ! ما الذي دفعها إلي المجيء ؟ وما الذي يربطها إلي هذا المقعد الساعة ؟ ونظرت إليها مليا ثم قلت:
إذا صدقت فراستي أيتها الآنسة فأنت لم تخلقى للأدب ! فقالت في غير تحمس وهي تبحث بعينيها عبثا عن مرآة في الحجرة: - لم لا ؟
فلم أحر جوابا: لم استطع أن أذكر لها السبب. إنها جميلة. إن الآدمي قد يعطي الأدب " حياته " لكنه لا يعطي الأدب " جماله ". وأردت أن استخرج سرها فقلت لها: - أي أنواع الأدب تحبين ؟
فظهر عليها الارتباك. لكنها أسرعت تخفيه بحركة من يدها فتحت بها حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها مراتها وإصبع أحمرها، وجعلت تتزين وهي تقول:
- لست أفضل نوعا علي نوع فحددت إليها النظر ثم سألتها فجأة: - لماذا شرفتني بالزيارة ؟ فأجابت وهي تنظر في مرآتها الصغيرة : - لأني سمعت عنك كثيرا. - أقرأت لي شيئا ! - بالطبع . . - ماذا قرأت لي ؟ آه ...
وتظاهرت بالنسيان ومحاولة التذكر. فلم أرد المضي في إحراجها. ولزمت الصمت، وجعلت أصابعي تعبث لحظة برسالتها. وأدركت أن هذه الفتاة تسخر مني. فما أكثر الفتيات المغرورات اللاتي يلذ نهن مداعبة الرجال المعتزلين، والهزء بالنساك المترهبين ؟ فقلت لها في شيء من الجفاء:
أيتها الآنسة ! لماذا كتبت إلي تقولين إنك تريدين الاشتغال بالأدب ؟ فقالت وهي تعيد مرآتها وإصبع أحمرها إلي حقيبتها: - لأني أريد ذلك أهو شيء عسير الاشتغال بالأدب؟
فلم أعرف كيف أجيبها. وشعرت في نفسي بما يشعر به رجل الدين، إذ يرى شخصا يقذف محرابه بحصاة. ولعلها رأت مني ذلك. فهي لا يخلو من ذكاء يلمع في عينيها الجميلتين ، فبادرت تقول لي: - أأعترف لك بالحقيقة
وصمتت قليلا. وتأملت نفس في جلستي وعباءتي وقلنسوتى، وتأملت عبارتها الأخيرة، فخيل إلي انى راهب تاييس يحادث الغانية. ورفعت الفتاة رأسها. واقبلت على تقول:
- الحقيقة أني لا أحب الأدب. ولم أقرأ كتابا قط منذ تركي المدرسة. ولا شيء يثقل علي نفسي مثل الكتابة والقراءة. إني لا أكتب رسالة إلي إحدي صديقاتي حتي أتناول بعدها قرصا من الاسبيرين. إني أحب السينما وسباق الخيل والرقص والموسيقي . . فقاطعتها قائلا: - " الجاز " طبعا
فقالت في نبرة المتحدث عن شئ مفهوم بالبداهة: - طبعا.
فشهدت وقلت كالمخاطب لنفسي : ألم أقل إن فراستي قد صدقت . . ولم تترك لي الفتاة وقتا للمضى في الكلام. فاسرعت تقول: نعم. ولكني مع ذلك أريد.
فلم املك نفسي وصحت: تريدين ماذا ؟
فارتفع صوتها في قوة وعزيمة : - أريد أن أحب الأدب.
فلبث فمي مفتوحا من الدهشة. ولم أدر ماذا أقول لهذه الفتاة المدلالة: - أتحسبين أيتها الآنسة أن الأدب فني جميل من فتيان الرقص، أو حصان " فافوري " من خيول السباق ؟ فتجهم وجه الجميلة وأسدلت أهدامها الطويلة، ورأيت كأن عراكا عنيفا يهز أرجاء نفسها. وأخيرا انتفضت وقالت متوسلة: - أرجوك، أرجوك لا تردني خائبة بائسة ! فقلت في رفق: - أنا طوع أمرك يا سيدتي. لكن . . فلنتتكلم في حدود المعقول.
نعم. اجعلني أحب الأدب، بأي ثمن، مهما كلفني الثمن. - هذا يا سيدتي غير معقول ! - لماذا ؟ - لأن الحب لا يطلب ولا يشتري، وأنت أدري مني بذلك. فهمست في ألم: - نعم، هذا صحيح. آه ! وأثر في نفسي يأسها. وذكرت أني لم أسألها بعد عما يدفعها إلي هذا الطلب الغريب. فالتفت إليها أستوضحها الأمر. فأسرعت قائلة: - لا تسألني ! ما الفائدة، ما دمت لا تملك لي شيئا ؟ ونهضت تريد الانصراف، فنهضت وأنا أفكر في أمرها. ومدت إلي يدها مودعة وهي تقول: - إني آسفة لإزعاجك. إني فتاة حمقاء، كنت اعتقد أن كل شئ في الإمكان . . فقلت لها ويدها في يدي: - نعم، كل شئ في الامكان، ما دامت الإرادة قوية والدافع نبيلا. فجذبت يدها في لطف وقالت علي عجل: - وإذا ضمنت لك قوة الإرادة، ونبل الدافع. أتعدني بالمساعدة؟
ورأيت في عينيها بريقا ينم عن أمل متجدد؛ فشق على ان اطفئه بكلمة. غير أني خشيت أن اقطع على نفسي عهدا لا استطيع الوفاء به، وانا اجهل بعد كل شئ في الموقف. فانا في ضباب، ونحن نتكلم في أمور يختلف معناها باختلاف المتكلم. وكلمة " الأدب " لها عندي

