الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الثقافة"

تحت مصباحى الاخضر

Share

عادت الفتاة بعد اسبوع وطرحت أمامي الكتاب ، وتنفست الصعداء كأنها تلقي حملا ثقيلا . فبادرت أسألها وأنا أحد البصر إليها قلقا :

- أقرأنه ؟ فتجنبت النظر إلي . وقالت :

- بضع صفحات وضاق صدري . . فتنفست الصعداء انا بدوري ، اطمئنانا . إنها إذن لم تعرف شيئا مما احتواه . غير أن شعور الراحة هذا لم يطل كثيرا . فسرعان ما انقلب الامر ، واحست الأسف والغيظ وخيبة الرجاء لما حدث . فالتفت اليها

قائلا في صوت الحانق : - إذن فشلت التجربة ! فقالت وهي تصبغ شفتيها بأصبع الأحمر :

- ليس الذنب ذنبي . فلم يعجبني هذا الجواب . ولم أرض كثيرا عن مسلكها وهممت أن انتهرها طالبا إليها ان تكف عن هذا التزين والتصنع في حضرتي ، وان تحرص قليلا على

احترام الفكر . ولكني ذكرت أن ليس لي عليها هذا الحق . وان الذنب حقيقة ذنبي ؛ إذ أسرفت في حسن الظن بمثلها ، ووضعت بين يديها كتابا لا تستطيع أن تقدر قيمته

وفرغت من امر بهرجها . فالتفتت إلي وقرأت علي وجهي كل تلك المشاعر ، فابتسمت وقالت :

- أغضبت ؟ ألم تقل لي إنك تكتفي مني بقراءة بضع صفحات ؟ ها انذا قد فعلت !

نعم . لقد قلت لها ذلك حقا . فما الذي أغضبني ؟ لا شك أن في نفسى متبعا مجهولا تنبعث منه كل هذه المشاعر المتناقضة . فنظرت إليها وقد عاد إلي الهدوء

نعم ثم تفكرت قليلا وفلت وأما أعبث بصفحات الكتاب ؛

وما الذي منعك عن المضي في قراءته ؟ فقالت وهي مطرقة

الملل . فقلت لها :

إنه ليس كتابا مملا . شهد الله لقد استيظقت في جوف الليل لأقرأ فيه . ولم يستطع النوم أن يقهرني وهو معى ؟ فقالت في ابتسامة غامضة :

- لا أعجب . إنك تحب سير الرهبان والمعتزلين . أما أنا فما الذي يحملني علي متابعة القراءة في صفحات كلها وصف لنساك الصحراء الذين يعيشون في بطون الرمال مع العقارب والثعابين ، وينفقون شبابهم واعمارهم مع أطياف الملائكة وأشباح العفاريت ؟ !

ونظرت الفتاة حولها على الرغم منها . وجال بصرها في المكان . وانتقلت عيناها سريعا من أكداس الكتب القديمة المرصوصة كأنها المقابر تحوي أفكارا بغير جماجم وأرواحا بغير أجساد ، إلي النافذة المغلقة التي تحجب الشمس

والهواء كانها فوهة جب أو كوة دير ، إلي ذلك المصباح الاخضر الذي يشرف على حياتي المظلمة بأجنحته النورانية كأنة ملاك لطيف ، ويفترس في ذات الوقت اعمار ليالي الجميلة ليلة ليلة كأنه غول أو عفريت مخيف

وعاد بصرها من هذه الرحلة القصيرة في انحاء المكان ووقع علي . واحست شعاع عينها ينفذ في روحي . فاطرقت .

وساد صمت قطعته الفتاة بقولها :

إني بدأت أرتاب . لفظتها في صوت منخفض وكأنها تخاطب نفسها . فرفعت رأسي وقد سرت في جسمي رعدة .

واردت ان استفسرها مرمي عبارتها ، ولكنها سبقت في الكلام :

- أتذكر يوم جئتك أول مرة ، ورأيت نور الشمس لا يدخل هذا المكان ؟ فقلت كمن لا يفهم المقصود

- نعم . . أذكر . فمضت تقول :

- اتذكر بماذا أجبتنى عند ذاك ؟ فقلت :

- لا . لست أذكر . فقالت للفور :

- لقد كان جوابك : إنا نكتفى دائما بالنور المضيء في نفوسنا :

فقلت كمن يؤمن علي قول بديهي أو نص سماوي : - هذا صحيح

فبادرت تقول : - لا . هذا ليس بصحيح

فحملقت فيها دهشا . ورأت اتساع حدقتي . فقالت باسمة :

- أيدهشك هذا القول ؟ أظنك ستندهش أيضا إذا

قلت لك شيئا آخر ماذا ستقولين ؟ - شيئا لا يخطر لك على بال . - إن خيال الروائي يتسع لكل شئ . فابتسمت مرتابة : - إلا ما سأقول

فلم أنطق صبرا : إذن قولي وأسرعي . إنك بارعة في التشويق

فقالت في تؤدة : أريد أن أرجو منك أن تشرفني بالحضور لمشاهدتي فى لعب " التنس " صباح الغد .

فنظرت إليها مليا لأري مبلغ جدها من هزلها ونظرت إلي خائفة لتري مبلغ حلمي من غضبى . . وفكرت في الأمر ، ماذا أقول لهذه الفتاة ؟ ! لكن قبل كل شيء لا ينبغي أن نثور . ولنأخذ الأمور باللين والرفق .

- أيتها الآنسة . ماذا تقصدين ؟ فنظرت إلي بعينين متسعتين ؟

اكلامي مغلق مظلم يحتاج إلي نور كثير ؟

من غير شك . فحدثني بنظرة غريبة :

تقول هذا ، أنت الذي اعتدت الحياة فيما هو مغلق . مظلم

فصدمتني هذه الجملة . ولكنها أسرعت تشير بيدها إلي المكان :

لست اقصد طبعا غير هذا ! فلم أحر جوابا . ولبثت بلا حراك انظر إليها وأسأل نفسى : اتراها ترسل الكلام بسيطا بريئا ، أم انها تنطق بكلام مبطن بمعان اخرى غير المدلول الظاهر ؟ إذا كان هذا الأمر الأخير فهو عجب من العجب ؛ ولي ان ابحث

عما ترمي إليه أولا ، وعما علمها لغة الرموز ثانيا ، على أنه يحسن بي ان احتاط ، فلا شئ منها يتم بعد عن اتجاه بعينه . وينبغي دائما ان أسئ الظن بهواجسي . فليست هذه أول مرة تختلط فيها الأشياء برأسي . إن خيالي الذي اعتاد طويلا خلق الأشباح من الحقائق ، وذهني الذي تعمره مخلوقات ، بعضها يعيش في الحياة وبعضها يعيش في الكتب .

ونفسي التي تسبح في أعماقها عوالم ، وتقوم بين طياتها دول وتدول دول ، وتشرق شموس وتغيب شموس . وروحي المنعزلة التي تدور في فلك لها بسدمها بعيدة عن مدار الأرض . كل هذا يقصيني احيانا عن حقائق هذه الحياة .

ويضعني في موضع من يري الدنيا من خلال كرة بلورية تحملها يد ساحر ساخر ، فوق دخان البخور وفحمام الأوهام على أن هذا الساحر في حالتي إنما هو أنا نفسى نعم أنا الذي صنعت بيدي كرة البلور . أنا الذي خلقت من مادة ذهني دنيا اخري ، مماثلة للاولي ، انا الذي اضع كلا العالمين في كف . وإذا انا العب بالسكرتين لعب الحواة حتى النبس على الأمر . وما عدت أميز عالم الوهم من عالم الحقيقة .

نعم ، تلك كارثتي الكبرى . وتلك هي النقمة التي تصب على كل ساحر !

واسترسلت في تأملاتي حتى نسيت وجود الفتاة . وإذا صوتها الرقيق ينبهني ويخرجني إلي منطقة الوعي .

- لم أتلق جوابك بعد . أتأتي لمشاهدتي غدا ؟ لمشاهدتك غدا ؟

- في لعب " التنيس " كما قلت لك . فقلت كالمخاطب لنفسي :

- ما شاء الله ! ما شاء الله فقالت باسمة :

- ليس هذا جوابا فقلت حانقا :

- أهنتك وأهني نفس لهذا النجاح الباهر ! لم يكفنا العجز عن إدخالك عالم الفكر ، حتى تعملي انت على إخراجنا إلي عالم اللعب :

فراعني منها أنها ضحكت . نعم ، ضحكت بفمها الجميل ضحك المسرور المرح ، ومضت في ذلك وأكثرت ، حتى كادت تضحكني ، وخشيت على جلال موقفى ، وعلى طبيعتي الجادة ، وعلي سمو العلاقة التي بيننا ، ونبل الغابة التي نرمي إليها ، فملكت نفسي في الحال ، وقلت في شيء من الصرامة :

- أخبريني ، كيف خطرت لك هذه الفكرة ؟ وما الذي دفعك اليوم إلي مثل هذا الطلب ؟ وكيف تهيأ لك ان تحادثينىي في مثل هذه الأشياء ، ؟ ولماذا ؟ .

فقاطعتني قائلة : - السبب بسيط . وسكت كائفكرة . فاستعجلنها : - ما هو هذا السبب البسيط ؟

فرفعت رأسها : تلك الصفحات التي قرأتها من كتاب " نابيس " أفهمتني ان الراهب " بافنوس " هو الذي ذهب إلي الغانية في ملعبها لينتشلها ، انت ايضا ينبغي ان تفعل ذلك . يجب ان تهبط إلي ملعبي لترتفع بي . هكذا يفعل الرسل والأنبياء دائما . يهبطون إلي الناس ، حتى يستطيعوا بعد ذلك أن يصعدوا بهم إلي السماء ولم يحدث قط غير ذلك . ولا تنتظر ان اصعد أنا إليك توا بغير ان تهبط انت إلي ، وتأخذ بيدي

سمعت منها هذا الكلام وأنا لا اكاد اصدق أذني . . ولقد اشتبه على الامر ، وخيل إلي انها سريرتي التي تدوي بهذا الكلام الكلام وتصبه في اذني . . ولكن فم الفتاة يتحرك وصوتها ينطلق جليا صافيا كانه يتدفق من ينبوع . .

اشترك في نشرتنا البريدية