تحديد النسل مشكلة جديدة ، وموضوع عصري حديث يشغل بال المجتمع ، لأنه إحدى المسائل التي لم يكن لها وجود فى الماضى، فبينما كان الوالدان يفخران بكثرة عدد الأنجال ، انعكست الآية وأصبح يرثى لحال من يكثر أطفالها .
ونشأت هذه المشكلة من تعدد مطالب الحياة في الوقت الحاضر، وعن ارتفاع مستوى المعيشة من جهة ، وارتباك الحالة الاقتصادية من الجهة الأخرى . فالبلاد تضيق بسكانها يوما بعد يوم، والمنافسة في اكتساب الرزق أصبحت حادة شديدة ؛ أضف إلى ذلك أن الكمالي في الحياة أصبح ضرورياً
إلا أن المبالغة في تحديد النسل أو منعه تضر بالأمة كثيراً ، ونعود بضرر كبير على الأزواج أنفسهم فالعاقل ضروري للزوجين ، بل لا بد من وجوده ، إذ هو الذى يجمع شمل والديه إذا تخاصما ، وهو سراج البيت الذي ينيره، وروحه الذي يبعث فيه الحياة حينما حل .
ومن النادر جداً أن تصادف زوجين لا يرغبان في وجود أطفال لها ، لكننا من حين لآخر نعتر على زوجين لا يرغبان في تضحية مالهما ونشاطهما ومسراتهما من أجل الأطفال. ولكن لا يزال العدد الأكبر - لحسن الحظ - راغباً فى أن يكون له أولاد.
ويعتقد البعض أن الرغبة في إيجاد الذرية ترجع إلى حب الاحتفاظ باسم العائلة ، أو بما تملك العائلة من تراث . ولكن نجد العدد الأكبر من الناس لا يملك لقباً
أو عقاراً ، ومع ذلك يرغب في إيجاد البنين بشغف لا يقل من شعف العظماء والأثرياء بالذرية
إن الصفات الحسنة تهيب بصاحبها أن يضاعفها كي ينشرها في أكبر محيط يستطيع نشرها فيه ويرى الحبيب أن حبيبه إنسان فريد في نوعه فيجب أن يخلد والزوجة الثانية والزوج الثاني لا يستطيعان أن يسدا الفراغ الذي نشأ عن فقد الحبيب الأول . فإن الحب يرغب دائماً في الاحتفاظ بأنموذج للحبيب الأول يمتاز عنه بإنصافه ببعض الصفات التي يتحلى هو ويعتز بها. وهو عادة يجد فى حبيبه صفات جديرة بالمحافظة يود أن ينقلها إلى جانب صفاته ، من جيل إلى جيل
وكثيراً ما يخامر النفوس القوية شعور بأنها جديرة بالخلود، وتجد أن الحياة قصيرة لا يستطيع المرء أن يحقق فيها كل ما تطمح إليه نفسه ، لأنه لا يجد متسعاً من الوقت يعد فيه العالم بكل ما يجول في خاطره ، فيأتي بالغسل كي يتعاون معه على تكملة ما بدأه من أعمال ، ويترك له أداء ما ضاق به عليه الزمان في أدائه. فإذا أخفق الأولاد في تحقيق أمانيه فلا ييأس ، بل يضع رجاءه في أحفاده أن يباشروا ما ألقى على عاتق أولاده.
وهذا الأمل عند الوالدين ثمين ، وإن كان غير محسوس أو مقوس، وهو نوع من الخلود يختطفه البشر من بين برائن الموت. فتجد المرء يدبر ويفتر على نفسه ويعمل ليله نهاره كي يضمن راحة نسله، فتراه بهذا لا يعمل لأولاده فحسب، بل يعمل للأجيال القادمة ، الأجيال التي لم تولد بعد
ولولا هذا الإحساس بأن البنين يحملون شيئاً من نفسه ، وبأنهم يتحلون بالصفات الممتازة فيه ، وبأنهم ينقلون آماله إلى المستقبل ، لما كانت الرغبة قوية في إيجاد نسل طيب، والسعى لراحة هذا النسل والعمل على إسعاده ؟ فيغادر المرء الدنيا بعدئذ بنفس راضية مطمئنة ، لأنه يتركها على أفضل من الحال التي وجدها عليها ، ويترك من يحل محله في اقتفاء أثر مثله العليا. وهنا يبرهن الأطفال على أن والديهم قد اختبرا الحياة ، وأنهما لسبب حتى وجداها هدية نفيسة جديرة بإهدائها إليهم، وأنها بالاهداء تزداد قيمتها ، فيهدونها لمن بعدهم.
ويزعم الكثيرون أن الوالدين يرغبان في البنين لكى يهيئا لهم حياة أمتع من الحياة التي قضياها ، أو ليعوضاهم ما فقدا من لذات . ونحن وإن كنا نقر هذا الرأى إلا أننا تحب أن تنشأ الرغبة في الأطفال من شعور بالسعادة ، لا عن إحساس بالنقص والحاجة . فليس من المستحسن أن يولد طفل في جو يشعر فيه بالحرمان والخوف والحبيبة ، وإن كان الوالدان يقاومان هذه الشدائد بجأش وثبات .
وهذا سبب من أسباب انحطاط نسبة المواليد في أوربا في السنين الأخيرة ، فارتباك الحالة الاقتصادية في جميع الأمم ، وشبح الحرب ، وعدم استقرار النفوس، تدفع الأهالى إلى الاقلال من العسل وتحديده تحديداً كبيراً، مما جعل بعض النواب البريطانيين يخاف على مستقبل بلاده لأنه وإن كان السبب المباشر للمسمى وراء السلام ، هو ضمان سلامة الدولة ، إلا أنه يجب أن يكون القرض هو أن يحضر البنون إلى عالم مطمئن هادئ .
الأولاد يتطلبون التضحية، والأزواج المتحابون لا يكترثون بهذا النوع من التضحية ، لأنهم يميزون الفرق بين التسلية والهناءة فالإنسان حيوان ضاحك ،
لكن الإنتاج أهم لديه من الضحك. وأعن شيء عنده هو ما يكد فى الحصول عليه ، أو ما يتعب في إنتاجه وأى نتاج أفضل من الطفل ؟ فما لا شك فيه أن الرجل والمرأة على السواء يجدان سعادتهما التي لا تفضلها سعادة بين أطفالهما .
ويقول علماء النفس إن الأطفال الذين يولدون في جو مشبع بالعطف والمحبة يكونون أفضل نفساً وأرق إحساساً ممن يحرمون العطف والحب، ويقولون فى الأطفال الممتازين إن نسبة العطف بين الوالدين تنعكس في تكوين الذرية بانتقال المواد الحيوية من الآباء إلى الأبناء ، ويقولون فى الأطفال غير المرغوب فيهم أو المولودين في جو مغمور بالحرمان إنهم عادة يكونون ضعفاء غير أصحاء
إننا نجدد بأولادنا حياة الطفولة مرة ثانية ، لأنهم يهيئون لنا أبواباً من التسلية والفكاهة كنا نسيناها ويعيدون إلينا ذكريات حلوة عن الطفولة البريشة فيذكروننا أن هذا العالم الذي عرفناه فاعتدناه وستمناء كان فيما مضى ساحراً مبهما كان أقل صوت فيه يحمسنا ، وكانت أقل حركة تدفعنا إلى الفضول . وهم بهذه الأمور التافهة البسيطة يدفعوننا إلى التحمس للحياة من جديد ، والنظر إليها منظار آخر مختلف ، فيفتحون أعيننا لأشياء كانت خافية عنا، ويلهموننا استنباط أعمال واشكارات تزيد فى رزق الأسرة
ولسنا في حاجة إلى التحدث عن السرور الذي يبعثه الأطفال حينها حلوا ، ولا عن اللذة التي تشيع في نفوسنا كما تفتحت أمامنا شخصياتهم ، وظهرت خصالهم واحدة فواحدة ، ولا عن أن الأعياد تفقد بهجتها إن لم يكن هناك أطفال نشاركهم فيها ألعابهم وسرورهم .
فيتضح من ذلك أن الأسباب التي ترغبنا في الأطفال كثيرة ولكن ليست المسألة هى الرغبة في الأطفال
وإنما هي : متى يصح الوالدين أن يأتوا بهم ، وكم من البنين يصح أن يكون لهما ؟ فالإنسان العصرى يجب أن يحتاط لكل أموره وأن يتدبر المسئولية قبل أن يقدم عليها
لا يصح أن يؤتى إلى هذا العالم بنسل جديد إلا إذا كان الوالدان في حالة صحية جيدة ، ونفس راضية ، وظروف اقتصادية تسمح لهما بقدوم طفل ، فهذه الأمور الثلاثة ، يرتبط بعضها ببعض، وإن كان كل منها مستقلاً في ذاته ، والحالة الاقتصادية مهمة جداً ، لأنها لو ارتبكت ارتبك معها الوالدان .
ويجب الامتناع عن التناسل إذا كان أحد الوالدين يشكو داء قد يضر بالطفل ، منعاً من إيجاد ذرية ضعيفة تتوارثها الأجيال المستقبلة لو قدر لها أن تعيش.
ونرى أنه لا يصح أن يكون لكل عائلة أقل من طفلين، فكل طفل يحتاج إلى زميل ، يحتاج إلى من يشاركه في اللعب واللهو. ومن مصلحته أن ينمو بجواره طفل آخر يشاطره محبة والديه، وإلا نشأ أنانياً، إذ يرى نفسه محور اهتمام والديه وخدم المنزل .
ومن صالح الوالدين أن يكون لهما أكثر من طفل إذ أن الطفل الوحيد يكون مصدر قلق ومبعث إزعاج شدید لوالديه عند ما يلم به أى داء ، وإذا غاب منهما يتلهفان على رؤيته في كل ساعة من النهار
ومن جهة أخرى فالمشاهد أن الأطفال الذين يعاشرون الكبار على الدوام ، والذين يحرمون زمالة أمثالهم الصغار، يفقدون حلاوة الطفولة وصفاتها البريئة الساذجة ، وتكبر نفوسهم قبل أن تكبر أجسادهم ، وهذا ضار بهم أقصى الضرر.

