الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 441 الرجوع إلى "الرسالة"

تحرز مفسر عن التكفير في رأي خطير:

Share

يجازف كثير من الناس في هذه الأيام بتفكير أصحاب الآراء الجديدة في الدين، ولا يكتفون بتخطئتها، وترك عقيدة أصحابها لمن هو أدرى بها منهم، ونحن نسوق لهم هذا المثل من تفسير غرائب القرآن لنظام الدين النيسابوري، ليعرفوا كيف  كان سلفنا الصالح يقابل الآراء الجديدة بالهدوء اللائق بكرامة العلم، ويحاول ردها في لين ورفق، فلا يقم في ذلك مناحة باسم الدين، ولا يجازف بالتكفير والتضليل كما نجازف اليوم. وقد جاء هذا الرأي الخطير في تفسير الآيات الواردة في قصة داود

وسليمان من سورة سبأ، وفيها ذكر تسخير الجبال وتسبيحها مع داود، وتسخير الرياح والشياطين لابنه سليمان، وكذلك إلانة الحديد وإسالة القطر، فقال النيسابوري: زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها  كانت تسبح كما يسبح كل شئ بحمده، وكان هو عليه السلام  يفقه تسبيحها فيسبح، والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح، والمراد من إلانة الحديد وإسالة القطر أنهم  استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها، والمراد  بالشياطين ناس أقوياء ولا يخفي ضعف هذه التأويلات، فإن  قدرة الله في باب خوارق العادات أكبر وأكمل من أن تحتاج  إلى هذه التكلفات.

فالجمهور يرى هذه الأشياء أنها كانت معجزات لداود  وسليمان عليهما السلام، ويفهمها على ظاهرها من الدخول في  باب خوارق العادات، فلما ساق النيسابوري ذلك الرأي الذي يخرجها من هذا الباب، لم يفعل إلا أن جعله حذلقة لا داعي إليها، لأن قدرة الله أكمل م تحتاج إلى مثلها، والحذلقة  يا معشر الناس شئ غير التكفير والتضليل، وإنما يقال  - حذْلق - إذا أظهر الحذق أو ادعى أكثر مما عنده كما فعل  هذا المتحذلق.

ولو أن مثل ذلك الرأي ظهر في عصرنا لقامت له الدنيا وقعدت، وامتلأت صفحات الجرائد والمجلات بألفاظ الكفر والضلال والإلحاد والزندقة، وما إلى هذا من الألفاظ المؤذية،  وشر الإيذاء ما يتعلق بالعقيدة.

فهل لكم يا معشر المجازفين بتكفير الناس أن تنتفعوا  بسوق هذا المثل، وان تقتدوا بما فيه من الظرف واللباقة في الرد، فقد سئم العقلاء جدلكم النابي في الدين، لأنه يضر  ولا نفع، ويبغض في الدين أكثر مما يحجب، ولهذا أمرنا أن  نجادل بالتي هي أحسن.

اشترك في نشرتنا البريدية