وعجيب أن يحرف معنى بيت بالنحو وهو لم يوضع إلا لصون اللسان عن الخطأ في الكلام، ليصح المعنى ويستقيم الفهم، وهذا البيت الذي حرف النحو معناه هو قول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر
فأو في البيت من النواصب التي تنصب الفعل المضارع بنفسها عند الكوفيين. وبأن مضمره عند البصريين، وهي في البيت بمعنى إلى، وعلى هذا يكون معنى البيت: ليكونن منى استسهال للصعب إلى إدراك المنى، لأن الآمال لا تنقاد إلا لمن يصبر على تحمل الصعاب في سبيلها - فهناك صعاب يستسهلها أولاً؛ ثم يكون بعدها إدراك المنى، ويجتمع في ذلك الأمر أن اجتماع السبب والمسبب؛ ولكن علماء النحو لا يرضون إلا أن تكون أو عاطفة مع كونها ناصبة، ويجعلون المعطوف المصدر المنسبك من الفعل المنصوب بها، ويجعلون المعطوف عليه مصدراً متصيداً من الكلام السابق عليها، ويكون تقدير البيت على ذلك العطف الذي يتكلفونه: ليكونن منى استسهال الصعب أو إدراك المنى - وهنا يقع التحريف في معنى البيت، لأن أو العاطفة لها معان غير معنى أو الناصبة، وقد جمع ابن مالك معاني العاطفة في قوله:
خَيِّرْ أبحْ قَسِّمْ بأو وأبْهِمِ واشكك واضرب بها أيضاً نُمى
وربما عاقبت الواو إذا لم يُلف ذو النطق للبس منفذا
أما أو الناصبة فتكون بمعنى إلى أو إلا، وكلاهما ليس من من معاني أو العاطفة، ولهذا كان تقدير البيت على العطف تحريفاً لمعناه، وخروجاً به عن معنى إلى المقصودة منه.
