يتردد الحديث في الأوساط المصرية عن تحضير الأرواح ، والأفكار المتعلقة بهذا الموضوع وصلت الشرق عن طريق الغرب بعد ما حيرت العقول وشغلت الأذهان . والمروجون لهذه الأفكار مذاهب مختلفة مذهب دجال يصطنع طرفا خاصة لإحداث حركات واصوات غربية ،
يحقق بها غاية تجارية ؛ ومذهب آخر يقف عند الظواهر الواقعية دون تدخل منه ، بل احتاط في المشاهدة ودقق الملاحظة وكانت غايته البحث والمعرفة . ويوجد من بين الذاهبين هذا المذهب من استعجل الحوادث وذهب بعلل تعليلا ميتافيزيقيا - دينيا ، وأرجع تلك الظواهر إلي تأثير الأرواح ، واستغل عقائد دينية مثل عقيدة الأديان السماوية
في خلود الروح ؛ فهو يجعل من هذه العقيدة ؛ أكبر دعامة لإقامة مذهبه ، بل فإنه يذهب إلي أبعد من هذا إذ هو يزعم أنه يستدل بتحضير الأرواح على خلود الروح ؟ وهنا يظهر شئ من التلاعب في المنهج ، إذ يقلب هذا المذهب الوسيلة غاية . وأما الطائفة الأخيرة التي لا تزال تواصل جهودا جبارة في الملاحظة والتجربة وتحتاط في تعليلها كل
الاحتياط ، والتي لا تخطو خطوة إلا حسب ما يقره المنهج العلمي هي طائفة علماء النفس ، وترجي الكلام عنها بعد عرض سريع لظواهر الوسطاء ولن اتعرض إلي مسألة الأرواح ولن أحاول التصريح في شأنها ومصيرها بشئ إذ ليست من أمرى .
يرجع مؤرخو ظواهر الوسطاء أول مشاهدة لهذه الظواهر إلي آنستين أمريكيتين تدعيان فكس ( Misses ( Fox وذلك حوالى سنة ١٨٤٨ . ويقول البعض إن فرنسيا سبقهما إلي ذلك . غير ان الملاحظة قديمة ، وكانت تؤول تأويلات مختلفة ، ولم توجه إليها العناية الكافية كما هو الشأن
مع كل الظواهر الطبيعية التي لم تكن عرفت بعد أهميتها وأطراد قوانينها .
فهناك أمر واقع وهو أنه في إمكان بعض الجمادات أن تتحرك حركات تبدو ذاتية تلقائية ، أي دون أن تتصل حركتها بحركة أخري تكون سببا لها . وبذلك عرفت أولا هذه الظاهرة في الكتب الكثيرة التي ألفت فيها تحت عنوان المنضدات الدائرة tables tournantes والغريب أن هذه الحركات ليست حركات مبهمة بل هي حركات
منتظمة تحاول أن تؤدي معني ، وقد تثيرها أسئلة بعض الأشخاص حتى لا يشك أحد في أنها تجيب عن الأسئلة . وأمكن للمعنين بهذه الظاهرة أن يهذبوها ، وجعلوا الحركة تنحصر في خشبة صغيرة تدور حول أحرف وتشير إلي بعضها ؛ وإذا جمعنا هذا البعض تكونت منها كلمات وجمل لها معان معينة تهم بعض الحاضرين - ولوحظ أيضا أن
هذا ، الحركات لا تتم إلا بحضور أشخاص معينين هم الذين نطلق عليهم كلمة الوسطاء جمع وسيط ( Medium ) وأثبت الإحصاء ودلت المشاهدة ألا يمكن لكل الناس أن يكونوا وسطاء ، وهؤلاء أنفسهم تتفاوت قدرتهم في التأثير على الأشياء عن بعد ، ومنهم من يستعمل القلم ليكتب من
غير إرادته أشياء لا عهد له بها ، وقد ينطق الوسيط بكلام لا يعرفه هو وإنما يعرفه بعض الحاضرين ، ويستغرب هذا إذ يراه يصدر من غيره ، ولهذا يختار بعض " المصريين " وسطاءهم من عمال أميين عمدا حتي تزيد الغرابة ويزيد الإحراج .
كل هذا واقع وملاحظ ، ويمكن لأي شخص توفرت فيه شروط معينة أن يصادفه في الحياة . غير أن موقف الناس الخاصة منهم والعامة اختلف اختلافا شديدا أمام هذه الظواهر - لقد ذهب الأمريكيون حسب مذهبهم المعتاد واعتنوا بالناحية العملية ، واستعمل البعض هذه الظواهر
الغريبة كوسيلة للرزق ، كما كان شأن الظواهر الكيماوية عند أول ملاحظتها ، وأدخل الأمريكيون على تلك الظواهر الطبيعية تحسينات فنية ، واستطاعوا إحداث ظواهر اصطناعية ظهر ما يماثلها في فلم " العامل الخفي " الذي عرض قريبا في سينما رويال .
واتجه البعض الآخر في كل أنحاء العالم ، وخصوصا في فرنسا إلي محاولة التعليل . واستغل الفرصة بعض الفلاسفة لتدعيم مذهبه الفلسفي ، فأقبل بعض الروحيين على هذه الظواهر يشيدون عليها كل مذهبهم في وجود الروح وخلودها ، وسهل لهم Allen -Kardec المهمة إذ جمع ما " نزل " على وسطاء مختلفين في كتاب واحد أسماه
" كتاب الأرواح " Le Livre des esprits شرح فيه حقيقة الأرواح وطرق تحضيرها وإثبات خلودها وعلاقاتها بالأحياء ( ١ ) Pierre - Janet وتكونت في أوربا وأمريكا جرائد ومجلات أطالت الكلام في هذا الموضوع وسارت تشرح " كتاب الأرواح " .
وأما العلم الحديث مع كل احترامه للخدمات الكبيرة التي قدمها له هؤلاء المؤيدون لظواهر الوسطاء لا يوافق على طريقة فهمهم لها .
ومهما كان أمر الأرواح فالظواهر المذكورة تتعلق بالإنسان ، وهناك علم معترف به يدرس كل ما يتعلق بالإنسان ، ولا يمكن لأحد أن يشك في تقدم هذا العلم ونضوجه وخدماته للإنسانية .
فعلم النفس كعلم له منهج علمى محدد لا يسمح بهذه القفزة السريعة بعد مشاهدة ظواهر الوسطاء الغريبة ، ولا يسمح لنا أن نستعجل استعجال بعض الفلاسفة في الاستنتاج والتعليل . ولعلم النفس تجارب بسيطة وإن كانت هي الأخرى غريبة تبدو من نوع ظواهر الوسطاء - لقد اثبتت التجارب الكثيرة أنه يمكن لشخصين
بينهما صداقة وثيقة أن يختارا شيئا واحدا إذا وجه كل منهما فكره نحو الآخر في وقت واحد ، وهذا ما يسمي بـ Telepathie
وهناك أيضا تجربة أخري ثابتة وهي ظاهرة قراءة الأفكار ، فقد يمكن لبعض الأشخاص أن يعرفوا بالتقريب آراء شخص آخر يتصل به عن طريق اليد مثلا ، هذا فيما يتعلق بتأثير أشخاص على أشخاص أخر تأثيرا لا يشعر به الإنسان وخارج عن الإرادة ؛ وتجد تجربة De Chevrenil التي يمكن لأي شخص أن يقوم بها بأن يمسك الشخص خيطا علق في طرفه الآخر ثقلا بسيطا
فيستطيع ماسك الخيط أن يحرك الثقل في أي اتجاه يأمره به ويوحي إليه دون أن يحرك يده ولا أن يحس بأية حركة . وهناك تجارب عديدة في هذا النوع تثبت أنه يمكن لشخص أن يؤثر على بعض الأشخاص بمجرد الحضور بجواره أو باتصاله به . وهذا ما يحصل في الغالب في مسألة الأسئلة التي توجه إلي الوسيط ، فالشخص الذي وضع السؤال يفكر في الجواب أو يوجه على الأقل الوسيط إلي
ناحية تشغل فكر السائل ، وأضف إلي هذا أن الوسيط لا يجيب عن كل الأسئلة ، ويعتذر " المحضر " قائلا : " إن الوسيط قد تعب " ، ويعترف المحضرون أن طريقة الكلام في الاتصال " بالأرواح " أصعب طريقة ، وأنها تحتاج إلي شروط كثيرة واستعداد كبير ووسيط معين ، قلما يمكن العثور على أمثاله . وأسهل طريقة هي تحريك الأشياء مثل كوب ماء أو خشبة تدور لتشير إلي أحرف .
وفي هذا الظاهرة نجد تجربة De Chevrenil مع تجربة قراءة الأفكار فالوسيط يتقبل من الشخص العادي أفكاره عن طريق التأثر المغناطيسى الثابث في كل الحيوانات ، ثم يؤثر بدوره على الأشياء تأثيرا معينا يوافق ما يجول في خاطر الشخص العادي المتصل بالأشياء بواسطة الوسيط ( ولهذا احتفظنا بكلمة وسيط التي قصدوا بها أولا
الوسطاء بين الأحياء والأرواح ).
ويجب أن نعرف أن علماء النفس لاحظوا أن انتصار هذه الظواهر على الوسطاء ، راجع إلى حالتهم النفسية ، فهم في الغالب مصابون أو مهددون بمرض الهسترية أو أي ضعف في الأعصاب واضطرابها . ولذلك قد نجد أفراد عائلة يشتركون في هذه الميزة لاشتراكهم في المرض .
وهذه الخاصة وحدها تجعلهم يتأثرون بسهولة بأفكار الغير وحركاتهم ويؤثرون بدورهم بسهولة في الأشياء الخارجية . وقد يستبعد بعض الناس آراء علم النفس ، ولكن لا يجوز أن ننسي أن التعليل الميتافيزيقي أبعد إذا تخلينا عن أفكارنا السابقة ، وتعليل علم النفس هو بداية
بحث يظل مفتوحا للبحاث والمجربين ، وستذهب لاشك هذه الغرابة بعد مدة سنقضيها في البحث .
والمهم هو أن يعرف القراء أن ما سمعوه عن تعليل ظواهر الوسطاء التي تنسب إلي الأرواح ليقفل باب البحث يقابلها تعليل آخر علمي يتجه بهذه الظواهر إلي أسرار في النفس البشرية الحية ، ويحاول أن يكشف عن هذه الأسرار . ولا يهم العلم أن يصرح بجهله الموقت أمام
مظاهر اقتصر على وصفها وإحصائها ، وكل فلسفة تسبق العلم زائلة لا محالة ، وسيفضح علم النفس سر " تحضير الأرواح " وسيعقب علي ذلك التعليل اللذيذ بتعليل مفيد
