يذهب بعض الباحثين إلى وجوب تجريد الفعل الماضي التالي للنفي والاستثناء من الواو، ولست معهم فيما ذهبوا إليه، والسماع خير شاهد، واليك الأدلة:
١ - قال الأصمعي: (يستحب من المهاوي أن نقصر أذنابها، وقل ما ترى مهرباً إلا - ورأيت - ذنبه المصل كأنه أفعى) أوهام شعراء العرب لأحمد تيمور باشا ص٤٣ نقلاً عن التبريزي في شرح المعلقات.
٢ - قال دعبل: (مضى علي ستون عاماً ما تصرم منها يوم إلا - وقلت فيه شعراً -) عن مجلة الرسالة الغراء السنة
السنة الخامسة ص١٥٨٧، وفي الصفحة التالية من المرجع نفسه يقول لأحد أصدقائه. (ما كانت لامرئ عندي من منة إلا - وتمنيت موته -) .
٣ - وقال البديع في المقامة الناجمية: (وما سكنت حرب إلا - وكنت فيها سفيراً -)
٤ - ومن أبيات الشواهد:
نعم امرأ هرم لم تعر نائبه ... إلا - وكان - لمرتاع بها زورا
٥ - وقال عنترة:
أنا الشجاع الذي ما رمت منزلة ... إلا - وأدركها - سعدي وإقبالي
٦ - وقال أبو فراس:
وما اشتورت إلا - واصبح - شيخها ...
ولا احتربت إلا - وكان - فتاها
٧ - وقال المبرد يشرح بيت الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ...
ولم تكثر القتلى بها حين سلت
وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله لم يشيموا لم يغمدوا ولم تكثر القتلى: أي لم يغمدوا سيوفهم إلا - وقد كثرت - القتلى حين سلت. اهـ بلفظه نقلاً عن تهذيب الكامل للأستاذ السباعي جـ ١ ص٣١٢.
فقد أني مع الواو بقد وورد مثل هذا شعراً ونثراً. أقول: والذي هداني إليه البحث وتنبع الأساليب العربية، إن تجريد الفعل من الواو في مثل هذا اكثر، وهو مع كثرته لغة القرآن الكريم، ودخول الواو على الفعل وحدها أو مع قد مسموع في الفصيح شعراً ونثراُ؛ ولسنا في حاجة إلى صرف هذه الشواهد إلى الضرورة أو الشذوذ أو لأن بعضها لا يحتج بقائله، وليسع أدباؤنا المعاصرون الذين يشيع على ألسنتهم، وفي كتاباتهم هذا التعبير ما وسع هؤلاء الأفاضل، فليس من الخطأ على كل حال، وان كان التجرد اكثر على ما يظهر.
