الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 170الرجوع إلى "الثقافة"

تحليلات نفسية :، شخصية الحجاج

Share

من الطبيعي ان يتأثر النقاد المعاصرون بظروف الحرب الحاضرة ، وان يتجه الكثيرون منهم - حين يفقدون بعض جبابرة التاريخ في الحرب والسياسة - إلي العناية بنواحي عظمة أولئك الجبابرة من جهة ، وإلي التخفيف من حدة الاحكام الاخلاقية على اعمالهم من جهة اخري .

ولعل من أبرز هذه الشخصيات في تاريخ الاسلام واحزابه ، وطرائق الحكم فيه ، شخصية " الحجاج " التي عرض لها الأستاذ شفيق جبري ( في العدد ١٦٥ من الثقافة ) عرضا طريفا ، وبين اهم النواحي التي يرجع إليها - في نظره - نجاح الحجاج وتوفيقه ، من أول خطبة خطبها في الكوفة

ويبدو لي أن هناك عناصر رئيسية أخري في شخصية هذا الحاكم الجريء ، هيأته للدور الذي لعبه في سياسة عصره واتاحت له النجاح في خططه واليا وقائدا وزعيما ؛ ولقد كشفت خطبة الكوفة عن بعض هذه العناصر ، وجلت الخطب الأخرى بعضها الآخر

ليس هناك من شك في أن الحجاج كان ممثلا بارعا في أول موقف له بالعراق ؛ فقد عمد إلي نوع من التأثير النفساني جذب انتباه القوم ، وحرك فيهم الاحساس بالغامض والمجهول ، وأرهف اذهانهم لسماع النغمة القوية التي أعدها لهذا الموقف ؛ بل نجح في أن اثار عند بعضهم نوعا حائرا من الاستخفاف به والزراية على بني أمية لاختيار مثله واليا على العراق . حتى إذا بلغ الاستغراب والتهيؤ من الناس مبلغه ، رفع الستار ، وحسر الحجاج اللثام عن فيه ، وملأ القلوب والأسماع دويا ورنينا . هذه

حيلة بارعة في الخطابة ، لعل الحجاج هو أبو عذرتها . أما الرواية التي مثلها في هذا الموقف فتدور كلها حول بطل واحد هو شخصه فهو يعرض ذلك البطل في مقدسة الرواية لغزا مقفلا ، قد غطى أكثر وجهه ، ونقل سيفه ، وتنكب قوسه ، ومكث ساعة لا يتكلم ؛ ثم يختار للحن الافتتاح في الفصل الأول " أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ، وتتعاقب المناظر بعد ذلك مركزة كلها حول ذلك " الأنا  : " إني لأحمل الشر بحمله" - " إني لأري ابصارا طامحة وإني لصاحبها" - وكأني انظر إلي الدماء "  " إني ما يقمقع لي بالشفان " - " لألحونكم لحو العصا  ...."

ويقدم الحجاج البصرة فيخب أهلها قائلا : " من أعياه داؤه فعندي دواؤه ومن استطال أجله فعلي ان اعجله " ويقول من خطبة له بعد وقعة دير الجماجم : يا أهل الشام إما انا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ، ينفي عنها الدر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها  من المطر

هذا نوع من التفكير مركزه الذات كما تري ، وأنت إذا استعرضت بقية خطبتة ، رأيت عنصر الذات يحتل المكان الأول فيها ، ويظهر أن عصامية الحجاج وكونه قد بني صرح شهرته بيمينه ، كان لهما اثر كبير في تنمية إحساسه بنفسه . واعترازه بها ، واشتغاله بالحديث عنها فالمؤرخون يذكرون أنه بعد أن اشتغل بالتعليم حينا لحق بروح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان ، فكان في عديد شرطته ، وانه اظهر في اثناء ذلك قوة شكيمة ومضاء عزم جبلا الوزير بقترح على الخليفة تقليده امر العسكر ، فما تولي الحجاج هذا الأمر حتى ضبطه ، وحتي أصبح العسكر يرحلون برحيل الخليفة ، وينزلون بنزوله .

أما العنصر الثاني في شخصية الحجاج فهو فنه البياني الذي يجمع بين التأثير الخطابي والصور الشعرية ؛ فلقد كان صاحبنا ظاهر الاحتفاء باللغة ومأثور أساليبها ، كثير الاستعمال للكنايات والتشبيهات التمثيلية ، واسع الخيال دقيق التصوير أرأيت لو أن شاعرا أراد أن يندر من أمامه ، وبدخل الرعب على قلوبهم ، ويشعرهم سطوته وسلطانه ، اكان يجيء في هذا التصوير بأروع من قول الحجاج " إني لآري ابصارا طامحة ، وأعناقا متطاولة ، ورءوسا قد أبنمت وحان قطافها ، وكان انظر إلى الدماء بين العمائم واللحي تترفرف

يقول الحجاج في خطبة دير الجماجم : " ثم يوم الزاوية ، وما يوم الزاوية ؟ بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم ، ونكوص وليكم عنكم ، إذ وليتم كالإبل الشوارد إلي أوطانها ، النوازع إلى أعطانها لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ عن بنيه ، حتى عضكم السلاح ، وقصمتكم الرماح ثم يوم دير الجماجم ، وما يوم دير الجماجم ؟ به كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقبله ، ويذهل الخليل عن خليله .

هذا المستوي البلاغي العالي الذي وصلت إليه خطابة الحجاج يقوي عندنا الظن ان الرجل كان واسع الثقافة اللغوية ، مزودا بمجموعة كبيرة من مأثور الأدب الرصين ولقد كان بيانه في نوعه قريبا من بيان الإمام على في خطبة التي كانت تفيض حرارة وغيظا ، وتقريبا وإيجادا . وهو نوع لا يجيء في العادة وليد تكاف او تصنع ! وإنما هو الوجدان المتقد ينساب علي اللسان فيضا خطابيا عندما يضطرب كيان النفس فتنسي نفسها الظاهرة ، وتنفتح عليها أبواب المخزون من معانيها وأساليها الباطنة . والذين يمارسون خطابة الجماهير يدركون الغرق بيه الخطيب وهو هادئ ، أو لابس مسوح الانفعال تصنعا ،

وبينه وهو مضطرب الجوانب في حالة من التأثر غير عادية ، وكثير من الخطباء لا يستطيعون الإجادة إلا إذا عرتهم هزة الوجدان وملكتهم صورته .

ومما يلفت النظر في بيان الحجاج - بجانب ما بينا من تلاحقه وتدفقه وتتابع صوره - كثرة استشهاده بالشعر ؛ فهو في خطبته الاولي بالكوفة يستشهد بشعر سحيم الرياحي (( انا ابن جلا وطلاع الثنايا )) ويقول رويشد العنبري : " هذا او ان الشد فاشتدي زيم.... وفي خطبة اخري بالكوفة يتمثل بقول عمرو بن براق الهمداني :

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم         فهل أنا في ذا بالحمدان ظالم

متي تجمع القلب الذكي وصارما      وأنفا حميا تجتنبك المظالم

وفي خطبة غيرها بتمثل بيتين لأحد بني ذبيان :

إذا حاولت في أسد فجورا              فإني لست منك ولست مني

فهم درعي التي استلأمت فيها         إلي يوم النسار وهم مجني

ويموت ابنه (( ابان )) فيقوم على قبره متمثلا بقول زياد الأعجم :

الآن لما كنت أكمل من مشي     وافتر بابك عن شهاة القارح

وتكاملت فيك المروءة كلها      وأعنت ذلك بالفعال الصالح

ولقد تقع له أحيانا صور ومعان هي بالشعر أشبه ، حتى ليتناولها الشعراء فيصفونها كما هي شعرا رصينا . كتب مرة إلى قتيبة بن مسلم " إلي نظرت في عمري فاذا أنا قد بلغت خمسين سنة ،

وانت نحوي في السن ، وإن امرا قد سار إلي منهل خمسين عاما لقمن ان يكون دنا منه " فسمع التبعي منه هذا فقال :

وإن امرأ قد سار خمسين حجة        إلي منهل من ورده لقريب

والظاهر أن طبيعة الحجاج كانت شاعرة ، وانه لولا ابهة الولاية ومشاغل الحكم لكان شاعرا ، وقد كان ينمي هذه الشاعرية فيه محفله بالشعر وتمثله به وتخيره الجيد منه في مناسباته ، وإرساله في طلب أهله . وكان يهش لرواية الشعر الجيد ويطرب له ويستزيده

وكان يقرب الشعراء إليه ويشجعهم على الانقطاع إلى مدحه ، وينقد شعرهم فيه ، ويتبسط معهم في الحديث ، ويلهو وإياهم بالمنادمة والسهر وكتب الأدب حافلة بالروايات التي تشير إلى هذه النواحي . ولعل اظهر مثال على عناية الحجاج بالشعر انه لم يكد يقدم البصرة حتى وصل ما بينه وبين جرير ، واعانه في مناقضاته مع الفرزدق ، فأنشد جرير في مدائحه غر قصائد ، وسار شعره فيه حتى بلغ الشام وعبد الملك بن مران

هذا العنصر البياني - إذا - لا يقل وضوحا واهمية عن  عنصر الذاتية في شخصية الحجاج ، وقد كان لكل منهما دوره من غير شك في تلك البيئة العربية الجامحة ، التي قامت فيها الثورات على قدم وساق ، والتي كان البيان فيها من أقوي أسلحة النزال والطمان

وهناك ناحية ثالثة متناقضة في ظاهرها ، هي جمع الحجاج في شخصيته بين القسوة والفتك وإراقة الدماء من جهة ، وبين التدين والوعظ وقراءة القرآن والاقتباس منه من جهة اخرى . فأما قسوته وتجبره فقد حفلت بأخبارهما كتب التاريخ ، وقد جلبا عليه كثيرا من الدم

وسوء الأحدوثة ، ولعلهما أشهر ما تذكره به الأجيال اللاحفة . وأما الجهة الأخرى المعارضة فانها طريفة كل الطرافة ، فهو يستشهد بالقرأن وبقتبس منه ، ويصوغ منه أقبسة طلبية حقا يقول في خطبة خطبها بمكة بعد مقتل ابن الزبير : " ولو كان شئ مانعا للعصاة لمنع آدم حرمة الجنة ، لأن الله تعالى خلقه بيده ، وأسجد له ملائكته ، واباحه جنته ، فلما عصاه أخرجه منها بخطيئته ، وادم على الله اكرم من ابن الزبير ، والجنة أعظم حرمة من الكعبة ، ولعل المتنبي يشير إلى ما يشبه هذا المعنى إذ يقول :

أبوكم آدم سن المعاصي     وعلمكم مفارقة الجنان

ويقول الحجاج في خطبة له في أهل الكوفة : " زعمتم اني ساحر ، وقد قال الله تعالى ( ولا يفلح الساحر ) وقد افلحت ، وزعمتم اني اعلم الاسم الاكبر ، فلم تقاتلون من يعلم مالا تعلمون " .

وأرجف أهل العراق مرة بموته فقال من خطبة له : " وما رايت الله رضي بالتخليد إلا لآهون خلقه عليه إبليس ، قال : انظرني إلي يوم يبعثون ، قال : إنك من المنظرين . ولقد دعا الله العبد الصالح فقال : ( رب اغفرلي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) فأعطاء ذلك إلا البقاء .

هذه الظاهرة جزء من ظاهرة أوسع يتمثل لك فيها الحجاج الجبار زاهدا ورعا تقيا ، يخاف الآخرة ويخوف منها ، ويرجو رحمة ربه ، كما استحالت نفس " الدكتاتور " بين جنبية إلى نفس ابي بكر او ابن ابي طالب او الحسن البصري . يقول في إحدي خطبه الوعظية : " . . المحاسب الله ، والصراط منصوب ، وجهنم تزفر وتتوقد ، وأهل الجنة ينعمون في روضة يحبرون ، جعلنا الله وإيا كم من الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " .

ويقول : " أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فانها أسأل شئ إذا أعطيت ، وأعصي شيء إذا سئلت ، فرحم الله امرأ  جعل لنفسه خطاما وزماما ، فقادها بخطامها إلي طاعة الله ، وعطفها بزمامها عن معصية الله ، فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله " .

ويقول الشعبى : " سمعت الحجاج يقول بكلام ما سبقه إليه أحد ، سمعته يقول : إن الله عز وجل كتب على الدنيا الفناء . . ويروي الجاحظ عن أبي عبد الله الثقفي عن عمه قال : " سمت الحسن البصري يقول : لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج . قلت : وإن كلام الحجاج ليقذك ؟ ! قال : نعم ، سمعته على هذه الأعواد يقول : إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته "

ولقد تنبه معاصرو الحجاج لما في شخصيته هذه من تناقض ، فقد سمعه الحسن البصري يقول في إحدي خطبه : " أيها الناس ، قد أصبحتم في أجل منقوص وعمل محفوظ ، رب دائب مضيع ، وساع لغيره ، والموت في أعناقكم ، والنار بين أيديكم ، والجنة أمامكم خذوا من أنفسكم لأنفسكم ، ومن غناكم لفقركم ، ومما في أيديكم لما بين أيديكم . فكأن ما قد مضي من الدنيا لم يكن ، وكأن الأموات لم يكونوا أحياء ، وكل ما ترونه فإنه ذاهب . . فقال الحسن البصري : " ألا تعجبون من هذا الفاجر ، يرقي عتبات المنبر فيتكلم بكلام الأنبياء ، وينزل فيفتك فتك الجبارين ، يوافق الله في قوله ، ويخالفه في فعله "

هذا - إذا - فرض من رجل مثقف معاصر للحجاج ، يحاول به ان يفسر هذا التعارض الظاهر بين جانبي شخصيته

وهناك على الأقل فرضان آخران ، يصح ان يطرقهما

الباحث الحديث : أحدهما أن الرجل كان ذا شخصيتين مستقلتين ، تحيا كل منهما حياتها الخاصة ، فهو - إذا -  مثل قديم لشخصية ( دكتور جيكل آند مستر هابد ) ، التي صورها الكاتب الإجليزي ( ستيفنسون ) في روايته التي سماها بهذا الاسم ؛ فقد جعل بطل هذه الرواية يظهر في مظهرين مختلفين متناقضين ، كأنما هما  شخصيتا فردين مختلفين تماما

والفرض الآخر أن القسوة والصلاح جدولان يمتمزجان معا ، فيكونان هذه الشخصية الصاخبة . وعلى قدر إسراف الرجل في قسوته ، يكون شعوره بخطيئته ، وزهده في دنياه ، وتحذيره الآخرين عواقب عصيانهم ، وهو إنما يحذر في الحقيقة نفسه . والبحوث النفسانية الحديثة فياضة بأمثال هذه الشخصيات ، والحياة من حوالينا تزخر بضروب الناس الذين يمثلون - إن قليلا وإن كثيرا - أحد الفرضين أو الفرض الآخر

وكاتب هذا المقال يميل إلي ترجيح أن ناحية الصلاح كانت ناحية حقيقية عند الحجاج ؛ فكل خطبه الوعظية يغلب عليها روح الصدق ، وهي كثيرة كثرة ظاهرة . وقد اثارت العبرة في نفوس سامعيها ، وما يخرج من القلب يغلب أن يصل إلى القلب . اضف إلي هذا ما لمسناه من غلبة روح القرآن واساليبه علي معظم هذه الخطب ، مما يرجح أن صاحبنا كان كثير القراءة للقرآن .

وليس هناك من شك في أن هذا العنصر الثالث ، الجامع بين القسوة والصلاح في شخصية الحجاج ، كان سلاحا من اسلحة هذا الحاكم الجريء ، في عصر جمع بين الثورة والجموح ، وبين احتقار الدنيا وبذل الارواح سماحا في سبيل الله .

اشترك في نشرتنا البريدية