الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 280الرجوع إلى "الثقافة"

تحليل رأى الجاحظ، عن الطيور المهاجرة

Share

فمنذ ألف المستشرق الهولاندي رسالته عن " الجاحظ الفيلسوف الطبيعي العربي في القرن التاسع ، اخذ المستشرقون ينظرون إلي الجاحظ بجانب ما له من المكانة في الأدب وفي الاعتزال كفيلسوف طبيعي من الطراز الأول . ترجم هذا الكتاب إلي لغات عديدة ، ولكنه لم يترجم مع الاسف إلي اللغة العربية رغم حاجة الناطقين بالضاد إلي ذلك الحاجة الماسة . ومن الضروري القيام بدراسة جديدة حول هذا الموضوع لمقارنة ما درسه ذلك الهولاندي وما غفل عنه ، سيما والعلوم الطبيعية قد تقدمت في زماننا الحاضر ، ولزم معها تجديد تلك الدراسات على ضوء جديد . ولعدم وجود المصادر وعدم اهتمام مجمعنا العلمي

في دمشق في مثل هذه القضايا الهامة ، فإني سأضرب صفحا عن هذه الدراسة ، مشيرا إلى أهمية هذه الابحاث بمثال بسيط عن الطيور المهاجرة التي تترك أوطانها ثم تعود إليها ، مقارنا بين رأي الجاحظ وبين رأي عالم إنجليزي معاصر ، كما نوه عن ذلك في كتابه نفسية الحيوان ، نشره باللغة الإنجليزيه منذ أمد قريب .

يحدثنا الجاحظ في كتاب الحيوان عن الحمام الزاجل ، وعن كيفية رجوعه إلى وطنه ، ولقد رأي ان في هذا الامر عجبا ، ذاكرا لنا محاورة جرت بين أبى إسحاق وبين مثني ابن زهير ، وقول الأخير إنه يبلغ من كرم الحمام ووفائه وثبات عهده وحنينه إلى أهله ، انه ربما قص الطائر دهر بعد ان طار منه زمنا طويلا ، فمتى نبت جناحه عاد إليه ، وكلما زهد فيه كان إليه أرغب ، ويعلق الجاحظ على هذه القصة سائلا : هل الطير يحن إلى صاحبه أم إلي عشه

الذي درج منه ؟ أرأيت أن لو رجع إلي وكره الذي ربي فيه ؛ ثم لم يجد صاحبه وألقاه غائبا أو ميتا ، أكان يرجع إلي موضعه الذي خلفه ؟ أخيرا يقرر الجاحظ أن الباعث على الرجوع الحنين إلى الوطن ، ويستدل بذلك بالطيور المهاجرة . التي خرجت تقطع الصحاري والبراري والجزائر والفياض والبحار والجبال حتى تصير إلينا في كل عام . فإن قلت إنها ليست تخرج إلينا على سمت ولا علي هداية ولا دلالة ، ولا على أمارة وعلامة ، وإنما هربت من الثلوج والبرد الشديد ، وعلمت أنها تحتاج إلي الطعم ، وأن الثلح قد ألبس ذلك العالم ، فخرجت هاربة ، فلا تزال في هربها إلي أن تصادف أرضا خصبا ودفئا فتقيم عند أدنى ما تجد ؛ فما تقول عنها عند رجوعها ومعرفتها بانحسار الثلوج عن بلادها ، أليست قد اعتدت طريق الرجوع ؟ ! ومعلوم عند أهل تلك الأطراف وعند أصحاب التجارب وعند القانص أن طير كل جهة إذا قطعت رجعت إلي بلادها وجبالها وأوكارها وإلى فياضها وأعشتها . . . ثم لا يكون اهتداؤها على تمرين وتوطين ، ولا عن تدريب وتجريب ، ولم تلقن بالتعليم ولم تثبت بالتدبير والتقويم " فالجاحظ هنا أمام لغز معقد لم يقدر العلم الحديث أيضا على حله ، كما سنري ذلك .

يقول عالم الحيوان الإنجليزي ه  مونرو فوكس في كتابه نفسية الحيوان الذي نوهت عنه في بحث الطيور المهاجرة ، بعد أن يصفها لنا وصفا شائقا ما يلي : " لعل مهاجرة الطيور هي من أكبر ألغاز العالم ، فالخطاف الذي يترك الجزر البريطانية في شهر اغسطس يطير إلي إفريقيا ويظل فيها مقيما طول فصل الشتاء ، وهو يعود في الربيع إلي نفس عشه . وهو ري ان المسافة شاسعة بين المكان الذي يهاجر إليه الطير وبين موطنه الأصلي التي قد تبلغ زهاه 6000ميل ، ورغم كل الفرضيات التي يسردها لا يقر على شيء ، معتقدا أن المستقبل سوف يكشف هذه القضية أيضا : " إنه لا يخامرني شك بأن التجارب العلمية

المستقبلية سوف تعطى التفسير ، فالمحاكمة التي يبديها الجاحظ في هذا الصدد هي محاكمة منطقية ، وهو لا يجد أي تفسير لهذه الظاهرة الطبيعية الغريبة . وها قد مضي على قول الجاحظ أكثر من ألف سنة وهي لا تزال لغزا معقدا ، حتى أن الجاحظ لم يتنبأ عن اي مستقبل لهذه الفكرة كما فعل الطبيعى الإنجليزي ، بل كان يكتفي في تبيان الأمر الواقع ساعيا لتمليل تلك الظواهر تمليلا منطقيا .

ينوه كذلك الجاحظ عن حوادث تدل على وجود الفكر والروية عند الحيوان ، ذلك البحث العصري الذي استرعي انتباه المدققين في زماننا الحاضر ، فقد أفرد له مونرو فوكس بحثا خاصا سماه العقل عند الحيوان ، لأنه وجد بعض أعمال منه تدل على فكر وروية ، لذلك طرح هذا العالم هذا السؤال : " إذا وضع الحيوان بحالة خاصة ، هل له القدرة من تلقاء نفسه أن يفكر بأشياء جديدة فيعمل رأيه ويقوم بأعمال جديدة ؟ وقد أجاب عن ذلك بنعم ، وضرب لنا أمثلة عن الحيوانات وخاصة عن القرد الذي استطاع تناول الموز المعلق بوضع صناديق بعضها فوق بعض والاستعلاء عليها . نعم إن الجاحظ لم يصل بتفكيره وخبرته إلى هذا الحد ، ولكنه ذكر لنا أشياء عن عالم الطير تدلنا على اقتناعه بوجود العقل عند الحيوان : " وللحمام حسن الاهتداء وجودة الاستدلال ، وثبات الحفظ والذكر ، وقوة النزاع إلي أربابه ، والإلف لوطنه . . ثم الدليل علي أنه يستدل بالعقل والمعرفة والفكرة والعناية أنه يجيء من الغاية على التدريج والتدريب والتنزيل ؛ والدليل علي علم أربابه بأن تلك المقدمات قد تجمعن فيه ، وعملن في طباعه أنه إذا بلغ الرقة غمز وأنه فطر إلي الدرب وما فوق الدرب من بلاد الروم ، بل لا يجعلون ذلك تغميزا لمكان المقدمات التي قد عملت فيه وحدقته ومرنته " . هذه الملاحظات والاستدلالات التي يدلى بها الجاحظ تذكرنا بالتجارب العلمية العصرية ، فهو يفرق بين الطيور المهاجرة التي تترك أوطانها

ثم تعود إليها من غير سابق تمرين ومعرفة ، وبين الحمام الزاجل الذي يتعلم ذلك ، فكأنه يدلنا على مصدري المعرفة في عالم الطير التي تشبه عالم الإنسان أيضا ، المعرفة الفطرية والمعرفة العقلية المكتسبة . ولعل هذا التفسير آت من من مذهبه في الاعتزال الذي يجمع بين الوحي الفطري الكائن في الجبلة دون سابق معرفة وتمرين ودون مقدمات ونتائج ، وبين عالم العقل المستمد من العالم الحسي مع عمل الفكر والروية . إذن إن الحاحظ سابق للعلماء العصريين أمثال أرنست هيكل القائل بأن طبيعة الإدراك في الحيوان والإنسان من جوهر واحد

نعم إن الجاحظ لا يذكر لنا شيئا عن طبيعة عقل الحيوان كما ذكر ذلك مونرو فوكس في القال السابق عن القرد ، بيد انه يضرب لنا مثلا شرودا عن حيلة القرد في تجهيز اللقمة ، وكسر الجوز واستخراج لبه ، وقابليته لتعلم السباحة ؛ غير ان تعلم السباحة يفترق فيها عن المثالين السابقين ، لأن ذلك لا يكون إلا بتمرين وتقليد ؛ حتى إن التدريب والتقليد هما كما يعدهما فوكس مرحلة بدائية من مرحلة العقل ، فعل هذا تكون فرضية العقل عند الحيوان قد أتى بها الجاحظ أيضا . وإذا صح ما جاء في المختار في عدد نيسان ١٩٤٤ عن حكمة الحيوان ، وكيف يتخذ تدابير عديدة تدل على فكر وروية ، لا تكفي معها تفسير الغريزة العمياء ، يكون الجاحظ ذلك البحاثة العربي الكبير سابق لهؤلاء العلماء بهذا الرأي

إن الأغرب من كل ما ذكره لنا الجاحظ مقارنته عالم الأسماك التي تعود إلي أوطانها بالطيور المهاجرة على مبدأ البحث الذي قام به العلامة الإنكليزي الذي نوهت عنه يقول الجاحظ : " واعجب من جميع قواطع الطير ، قواطع السمك الأشبور والجران والبزستوج ، فإن هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من اقصى البحار ، تستعذب الماء في ذلك الإبان كانها تتحمض بحلاوة الماء وعذوبته بعد ملوحة

البحر . . ونحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها الأشبور وأصناف السمك ، وهي تقبل مرتين في كل سنة ، ثم يجدها في إحداهما أسمن الجنس ، فيقيم كل جنس منها عندنا شهرين إلى ثلاثة أشهر ، فإذا مضي ذلك الأجل ، وانقضت مدة ذلك الجنس اقبل الجنس الآخر في جميع اقسام شهور السنة من الشتاء والربيع والصيف والخريف في نوع من السمك غير النوع الآخر "

إن التدقيق الذي دققه الجاحظ في الحيوانات المهاجرة قد لاحظه غيره ايضا ، حتى أن اكثر معلوماته استقاها من ملاحظات غيره كما يشهد لنا بذلك كثرة الروايات التي برويها ؛ ولكن عبقريته في هذا الموضوع تتجلي لنا في نقده لأخبار الطبيعة مستمدا ذلك من العالم المحسوس ، مقارنا بينها ، ذاكر المتشابه والمتباين ، ساعيا لإقامة البراهين بالحجج المنطقية ، متنقلا من المقدمات إلي النتيجة ؛ فمشابهة عالم السمك بعالم الطير المهاجر هو قياس منطقي صرف ، أقره أيضا التتبع الحديث

هذا وإن رأينا عدم الترتيب في المواضيع التي يعالجها ، فشفيعه بذلك حب نشر المعرفة على أكبر عدد ممكن من الناس ، وعدم إملال القارئ بالنظريات العلمية البحتة ، بل مزجها بالأقاصيص والشواهد ايضا ومهما قيل في حقه فيكفيه فخرا كما بينت بأنه قد قال بآراء وتفسيرات في عالم الحيوان لم يعرفها إلا اساطين العلم الحديث في العصر الحاضر

اشترك في نشرتنا البريدية