الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 467الرجوع إلى "الثقافة"

تخليط ووسوسة ...

Share

هذا مقال قصد به إلى الفكاهة والدعابة  قال الكاتب :

إنه  تخليط ووسوسة أن يعيش السيد " بط " ووجهته فى المياة فعل الخير . . .

فهو مهما يكلفه فعل الخير من وقت وجهد ، لابد فاعله . وسواء بدا على الناس أنهم فى حاجة إلى معاونته ، أو فى غنى عنها . فهو لا بد  معينهم على أمرهم .

وهو لا يجعل وقته ومشورته وقفا على الذين هم فى حاجة إلى رأيه ومشورته ، بل يسخو بهما  سخاء لا يدانيه سخاء على أولئك الذين تدل الظواهر كلها على أنهم فى غنى عن رأيه ومشورته .

وأنت فقد تراه باسما متهللا ، وهو واقف على أبواب دور أصحابه الذين مستهم الحياة بالأقل الأمل من متاعبها .

وهو كلما سمع أن فلانا من أصحابه يريد أن ينتقل من بيت إلى بيت ، أو أنه يريد أن يشتري أثاثا لبيته أو يبيعه . أو يبحث عن خادمة ، أو يطرد خادمة ، أو يبغي سائقا لسيارته ، أو يطلب سباكا لبعض شئون بيته ، أو يريد شراء " بيانو " - إذا  سمع شيئا من هذا ، وقف إلى جانب صاحبه ، ولازمه ملازمة الظل .

فلما لقيته ذات ليلة فى النادى يرتدى معطف المطر ، ويضع الخف فوق حذائه ، ورأيت وجهه يفيض بشاشة ، ويقبض شرا ، عرفت أنه فى طريقه إلى عمل من أعمال الإحسان والخير .

ثم قلت له : هيا بنا نلعب لعبة " البلياردو " .

فقال لي : لوددت أنى كنت أستطيع إجابة طلبك ! ولوددت أن لو كان وقتى يتيح لى ذلك ! وأنا أعرف أن فى هذا ما يسرك ويرضيك ، ولكنى خارج لمهمة .

فقلت له : وإلى أين ؟

وقد وجهت إليه هذا السؤال ، لأنى أعرف أنه يريد أن يوجه إليه هذا السؤال بذاته فقال :

- إنى ذاهب لألقى الزوجين " إيفرلى جونس " وأظنك لا تعرفهما ، فقد وصلا إلى المدينة منذ ساعات . وقد حطا رحالهما فى بيت من بيوت حى " سلضم " .

فقلت له : ولكن الشقة شاقة . وأظنها تبعد ميلا عن نهاية طريق العربات أليس كذلك ؟

قال : يكاد يكون الأمر كما تقول .

فقلت : والوقت يهدف إلى الساعة العاشرة ، والجو ينذر بالمطر !

قال ( ووجهه متهلل ، وهو يصلح خفه ) : هون عليك ! فما باليت المطر يوما . بل لعله ينقمنى ! أما

البيت الذى سكنوه فلست أعرف مكانه . ولكنى أستطيع الاهتداء إليه فى سهولة ويسر . ولى فى الاستدلال على البيوت أثناء الليل طريقة مبسطة . وهى أنى أطرق كل باب حتى أعثر على البيت الذى أقصد .

قلت ( معترضا ) : ولكن الوقت قد فات !

قال ( فى غيرة بادية  ) : قلت لك يابنى إنى لا أبالى ذلك مطلقا ! والأمر الذى يهمنى فى هذا هو أن هناك زوجين صغيرين لم يمض على زواجهما غير بضعة أسابيع . وقد حطا من فورهما رحالهما فى بيت جديد . وقد يكون كل شئ عندهما مقلوبا رأسا على عقب . ولا صاحب لهما ولا أنيس ،

وكان وهو يقول هذا القول يلتف بمعطفه ، ويبدو كأنما انتابته نوبة من تحمس الرجل المحسن المنفضل . وقال : يا إله السموات ! إنى لم أعرف أنهما قد هبطا المدينة إلا ساعة الغداء . ولو قد علمت من قبل لذهبت إليهما منذ أيام . . . ! نعم منذ أيام . . . !

وما إن قال صاحبنا هذا القول حتى رأيته يشق طريقه والسماء تمطر . ووجهه تضيئه الرغبة فى عمل الخير . . .

ثم لقيته غداة الغد فى العادى ، فسألته : هل لقيت صاحبيك ؟ قال : نعم . وأقسم لقد سرنى أنى لقيت فى سبيل العثور على البيت عناء ونصبا . ولكن لم ابال بذلك . بل لقد كنت أتوقعه . فقد كان الظلام حالكا ، وكانت الأرض موحلة ، والشوارع لم تعرف مصابيح الإضاءة بعد .

وعلى الرغم من ذلك فقد كنت أطرق كل باب . حتى إذا رأيت بصيص نور توجهت إلى مصدر النور وقلت : هل تعرفون أين يقيم الزوجان " إيفرلي جونس " ؟ فإذا أجاب مجيب بالنفي قلت : حسنا ! عد إلى فراشك ولا داعى لإزعاج نفسك بالنزول .

ولكنى أخيرا ، وبعد طول السؤال عثرت على البيت وكان الظلام يلفه بردائه . وقد أطل " جونس " برأسه

من شباك فى الدور العلوى . فناديته ، فقال : إننا آسفان فقد أوينا إلى مضاجعنا .

فقلت : لا داعى للاعتذار . ألق إلى المفتاح ، وسوف أنتظر حتى ترتديا ملابسكما ، ولا عليكما فى هذا . فليس فى الأمر ما أضيق به . . .

ثم قال السيد " بط " : صور لنفسك أن هذين المسكينين قد أويا إلى مضاجعهما فى منتصف الساعة الحادية عشرة . وذلك طبعا - بسبب ما انتابهما من كآبة الوحدة . . .

وأقسم لك أنى سررت لذهابى إليهما . وقلت لنفسي إن على أن أدخل السرور على نفسيهما ، وأن أضفى على جو المكان شيئا من البهجة . . .

ثم نزلا للقائى . فجلسنا كلنا على صناديق الأثاث . وأخذنا بأطراف الأحاديث . وأرادت السيدة أن تصنع لى قهوة فقلت لها ( ومعرفتى بها ترجع إلى يوم كانت هي وزوجها صغيرين ) : يا بنيتى ، إنى أرفض أن تصنعي أنت القهوة . فدعيني أصنعها أنا . فاحتج كلاهما ، وأصررت أنا . ثم ذهبت إلى المطبخ . وكل شئ فيه مشوش ، وكان على أن أفتح عشرين علبة على الأقل لكى أعثر على البن . وأخيرا صنعت القهوة . وطلبت إليهما أن يتناولاها معى . فاعتذرا بأنهما قد شرباها منذ ساعة ثم ظللنا نتحدث حتى انتصف الليل . وكان يبدو عليهما الملل أول الأمر . فأمسكت أنا بزمام الحديث أبدىء فيه وأعيد . وأنا - كما تعرف - أستطيع التحدث كلما أردت .

ثم نظر الزوج فى ساعته وقال : أقسم أن الساعة قد جاوزت منتصف الليل . وإنى لأظنه قال هذا القول من فرط المرح ، لا من فرط المل .

ثم طال بنا نفس الحديث ، فطالت متعتنا . وكان الزوج ينظر بين آونة وأخرى إلى ساعته ويقول : إن الساعة

تعلن النصف بعد منتصف الليل . . ثم الواحدة بعد نصف الليل ، وهكذا . . .

ولقد عنيت - طبعا - بأن لا أطيل السهر . . . وعند ما غادرتهما وعدت أن أعود إليهما فى صبيحة اليوم التالى لأعاونهما فى ترتيب المنزل وتنظيمه . فأصرا على الرفض . وأصررت على العودة .

ثم لقينى بعد حين وقال لى : لقد ذهبت إليهما . وخلعت ردائى ، وبدأت العمل ، فعلقت الصور أولا . وكانا قد علقاها من قبل فلم يحسنا التعليق .

ثم جاءني بعد أيام . وأكمل لى حديث الأثاث . وحديث فكه وتركيبه .

ثم لقيته بعد غيبة طال أمدها . وقلت له : كيف حال الزوجين . وهل طاب لهما المقام فى بيتهما الجديد ؟ فهز رأسه وقال : لقد كان ما خفت أن يكون ؟ فلم يستريحا إلى البيت ، وإنى لساع إلى نقلهما إلى بيت قريب من المدينة . ولقد قضيت ساعات الصباح كلها أبحث عن شقة . فإذا عثرت بها توليت نقل المتاع .

وبعد أن تم له ما أراد . طفق يبحث لهما عن " بيانو " .

ثم جاءني بعد أيام يقول : هل سمعت بما حل " بجونس " ؟  قلت : لا ! قال : إنه مريض ، وهو يعانى آلام  الحمى منذ ثلاثة أيام ، وقد أخفيا الأمر عني كعادتهما . وإنى لذاهب إليهما من فوري .

وظل السيد " بط "، ينبئني بتطورات مرض صديقه يوما بعد يوم . فيوما يحدثنى حديث هذيان صاحبه المحموم ، ويوما يحدثنى حديث إفاقته . ويوما يحدثنى حديث إيلاله . ويوما يحدثنى حديث ما عاناه فى أسابيع مرضه .

ثم قال لى : ولقد كوفئت من الزوجة أجزل المكافأة . فقد طلبت إلى - اعترافا منها بفضلى - أن أعنى بنفسى وأن أغادر البلاد فى سفر طويل لكى أستعيد

قواى التى أضر بها طول الجهد .

وفى مثل لمح البصر كانت هذه السيدة الشابة تدرس خرائط مختلف الأقطار . فمرة تشير بالسفر إلى الجنوب ، ومرة إلى الشمال ، وآونة تنصح بالسفر إلى كندا . وتارة تقترح السفر إلى أمريكا الجنوبية . . .

فقلت له : إنى معجب بهذا التقدير الجميل ، فقال : وكذلك أنا ، وإنه لأ كثر مما استحق . . . ثم أضاف إلى ذلك قوله : إنى وحيد فى هذا العالم . وإن خلانى وأصحابى هم كل ما أملك فى هذه الدنيا . وإنى لا أستطيع أن أنبئك عن مقدار ما أحسه من عاطفة الود عند ما أرى إخوانى هنا فى النادى ، و كذلك فى المدينة يفرحون بلقائى ، ويبالغون فى تقدير ما يلقونه منى من قليل العون والمساعدة . وهم لا تهدأ نفوسهم إلا بمشاورتى فى كل الأمور .

ثم استطرد يقول : وإنى لأضرب لك مثلا بالسيد " جونس " الذى أسلفت لك وصف ما أديت له من عون . فقد حدثنى خادم النادى - وهو رجل صادق - قال :

إن أول شئ يفعله السيد " جونس " كلما جاء النادى هو السؤال عنى ، ( وهذا ما يثلج صدرى وتقر به عينى ! ) ثم توقف عن إتمام الحديث ، فرأيت الدموع تكاد تطفر من عينيه من فرط التأثر .

ثم تركنى صاحبى حيث أنا ، وسار إلى ردهة النادى ، وما إن غاب عن بصرى حتى رأيت رجلا صبيح الوجه ، وضاح المحيا ، يدخل النادى وهو يسترق الخطى . وينظر حوله ، والخوف ملء إهابه . ثم يهمس في أذن الخادم وهو يسأله : هل السيد " بط " في النادى ؟ وما إن سمع من الخادم كلمة نعم حتى أسرع الخطى . ثم ولى فرارا وغاب عن النظر . فسألت الخادم : من يكون هذا السيد ؟ قال : إنه عضو جديد ، واسمه السيد " إيفرلى جونس " .

اشترك في نشرتنا البريدية