فى عدد مضى من الثقافة الزاهرة كتب الأستاذ مندور داعيا إلى تدخل الدولة فى كافة مظاهر الحياة، وإلى محاربة الديمقراطية الحرة والاشتراكية العمالية ، مبينا أن الخوف على حرية الفرد وعلى استرفاق الدولة له - فى نظره - هراء فى هراء . ولما كانت الدعوة إلى هذا التدخل دعوة لا تتفق ومصلحة أمة فتية كأمتنا ، فقد آثرنا أن نوضح جلية هذا الأمر - على قدر استطاعتنا ...
لقد بحثت فى كتب شتى فى القانون والاقتصاد السياسى والاجتماع ، فلم أجد مؤلفا ولا مشرعا ولا كاتبا دعا إلى تلك الدعوة بمثل تلك الصراحة . . . إن التاريخ القديم قد بين لنا أن هناك تناسبا عكسيا بين تدخل الدولة فى كل شىء ، وبين اعتماد الأمة على نفسها فى كل شىء ؛ فلقد انحطت الأمم الصينية والهندية واليونانية لما صارت حكوماتها المسيطرة على كل شىء ، وهى العاملة لكل شىء . ولما وقفت الأمة موقف المتفرج أو موقف المنقاد . كما أن تاريخ العصور الوسطى يرينا أن الفرد كان عبدا ذليلا خاضعا للدولة بروحه وماله وفكره وتفكيره ، ذلك لأنها الحامية له والوصية عليه ، والقادرة وحدها على رقيه أو انحطاطه ، إسعاده أو إشقائه . . . لا يعمل إلا ما تهيئه له ، ولا يأخذ إلا ما تقدمه إليه ؛ وتنافست الكنيسة والدولة لا فى سبيل رقى الفرد ، ولا فى سبيل إسعاد الأمة ، ولكن فى سبيل إشقائه وإذلاله ، واتفقت الهيئتان طبقا لنظرية السينين وعاونت الكنيسة الفرد أكثر من الدولة ، ولم تتدخل فى شئونه مثل تدخل الدولة ، فمال إليها والتصق بها ، حتى حان حين القضاء على تدخل الدولة وعلى تحكمها ، فانهار هذا
التدخل ، وسقط - إلى غير رجعة - هذا التحكم .
وفى العصور الحديثة دل التاريخ والواقع على أن الإصلاحات الاجتماعية إنما قامت بها الشعوب قبل أن تتولاها الحكومة ، بل يدلنا على أن عمل الحكومات فى تلك الإصلاحات لم يزد على الرعاية والرقابة والتوجيه (١) وأن الأمم اللاتينية بوجه عام ، والشرقية بوجه خاص ، قد سقطت فى الميدان لأن من مميزاتها كما قال مسيو ربون دايت أن ليس من خلقها أن تنتج بعض الأعمال الفردية أو الكمالية المتعلقة بالحضارة دون أن تحثها حكومتها عليه وتساعدها فيه ، وأنها كما قال أحد الأساتدة ، ولعله جوستاف لوبون ، لا تحب إلا أن تكون مسوسة دائما ، منقادة دائما ، لأن الإنسان عندما يفقد الأمل فى نفسه يضطر إلى خلقه فى غيره ، وكلما ازداد عدم اهتمام الأفراد بشئونهم اشتدت سطوة الحكومة وقويت شوكتها ، عند ذلك تضطر إلى إبدال إقدامهم على الأعمال بإقدامها ، والقيام بدلهم فى الأخذ بيد المشروعات كلها.
أما الأمم الأنجلو أمريكية فإنها لا تعتمد على الدولة إلا فى الضرورة القصوى ، ولا تتقبل مساعدتها إلا فى أقصر حد ممكن ، حتى لقد عظم أثر الفرد إلى أقصى حدود الاستطاعة ، وبلغت تلك الأمم من السمو والرقى درجات لا يمكن أن تصل إليها دوله أخرى ، ما لم يعتمد أفرادها على أنفسهم كاعتماد أفراد الأمم الأنجلوا أمريكية على أنفسهم ... بل إن أثر عدم تدخل الدولة لم يقف عند حد الإصلاح الاجتماعى والتقدم المادى والثقافى ، بل شمل الناحية الأخلاقية هى الأخرى ؛ فلقد شمل الانحطاط الأخلاقى فى أمريكا طائفة من الساسة وبعض التجار وأرباب الصناعة ، والذى قلل من أثر هذا الانحطاط هو أن تدخل الدولة كان قليلا وقليلا جدا . وإن هذا التدخل الذى يدعو اليوم إليه سوف يخلق من الشعب أشخاصا تعيش فى هذه الأمة كأنها
الأوراق المنثورة على صفحة النهر ، يحملها أنى شاء وشاء مجراه ، وسوف يكون هؤلاء الأشخاص مسيرين لا سائرين فى هذه الدنيا من حياة هى الموت ، لولا أن صاحبها كما يقول سنيكاممن يتنفسون ... وسوف تفشل مشروعاتنا الاجتماعية والصحية والمادية ، وسوف نعود إلى الخلف خطوات أكثر عددا مما خطوه ... لقد قال المسيو (( سيمون هاتان )) الذى كان قنصل أمريكا فى فرنكفورت ، أثناء حديثه عن المشاريع المعدنية فى روسيا : (( إن من غرائب ما حققناه أن هذه المشاريع آلت كلها إلى السقوط أيام كانت الحكومة تديرها .. )) وقد قال أيضا بول لرابوليو أثناء حديثه عن فرنسا : (( إن تدخل الحكومة يقود فرنسا إلى فقد ملكة الاستنباط ، وإلى ضعف العزائم والنشاط الذاتى فيها ، ويؤدى إلى استبداد الحكومة بها أو حكمها حكما بيانيا مطلقا ... )) ، وكما قال جوستاف لوبون مرة : (( إن الأمم التى تترك لحكومتها صنع ما يمكنها أن تقوم به نفسها تنحط إزاء الأمم الأخرى . . )) ، كما قال مرة أخرى : (( إن تولى الحكومة زمام الإنتاج والأعمال عوضا عن أن تترك السعى والقيام بالمشاريع للأفراد ينتج عنه نتيجة ثابتة لا تتغير ولا تتقلب ، وهى أن نزول الكثافة والغزارة فى المحصولات وتحصل زيادة جسيمة فى نفقات العمل ... ))
وهناك برهان قاطع ودليل ساطع على أن الحكومة لا تستطيع الأخذ وحدها بيد المشروعات ، فالنظام التعاونى الإنجليزى شعبى لابد للحكومة فيه ، ولا سيطرة لها عليه ، وقد ترعرع ونما حتى أصبح أعظم قوة اقتصادية فى النظام الاقتصادى . هناك تماثل الحكم الدستورى فى ميدان السياسة ؛ وهنا فى مصر يصرح مدير التعاون ورجاله فى كل فرصة أن التعاون ما خلق ليكون حكوميا ، بل إنه لن يزدهر ولم ترج له ثمرة ما دام الشعب لم يؤازره ولم يعاونه بإيمان وإخلاص . وها هو ذا فؤاد سراج الدين باشا يصيح
بأعلى صوته ، فى قاعة بورت فى الأسبوع الماضى ، بأن الشعب يجب ألا يتوقع الكثير من الحكومة ، بل يجب أن يتوقع الأكثر من نفسه ، (( فهذه وزارة المعارف الإنجليزية لم تنشأ إلا فى سنة ١٨٩٩ أى أن عمرها لا يزيد على ٤٤ سنة ، بينما التعليم فى انخلترا أقدم من ذلك بمئات السنين )) ؛ وها هى ذى حكومة الولايات المتحدة لا توجد بها وزارة المعارف ، وكل ما هنالك من وجوه الإشراف على التعليم هى مصلحة تتبع وزارة الداخلية ...
بل إن معظم المستشفيات والمصحات والجامعات فى انجلترا وأمريكا من عمل الشعب ، بل إنها تفضل مستشفيات ومصحات وجامعات الحكومة .
إن هذا التدخل هو فى اعتقادى جريمة من كبريات الجرائم ، لا على هذا الجيل وحده ، بل على الأجيال المقبلة أيضا . فإذا ما أحببنا أن نسير إلى ما نبتغيه من تقدم ورقى ، وجب علينا أولا أن نؤمن إيمانا وثيقا بأن ثقتنا بأنفسنا واعتمادنا على مجهودنا وتعاوننا مع بعضنا هو خير وسيلة وأسلم طريقة لكى يحقق آمالنا ، ولكى نغير مجرى تاريخنا ، بل لكى نملى إرادتنا على تاريخنا ... إن الدعوة إلى هذا التدخل أيا كان نوعه ، وأيا كان اسمه ، دعوة إلى الضعف وحرام علينا أن ندعو إلى الضعف فى أمة شابة ؛ إنه عود إلى الدكتاتورية فى صورة جديدة ، واتحاد مع الاشتراكية بأساليب جديدة .

