الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 42الرجوع إلى "الثقافة"

تذهيب المخطوطات فى الفن الاسلامى

Share

عرف المسلمون منذ القرون الأولى بعد الهجرة تزيين المخطوطات بتذهيب صفحاتها . بل إن ذلك لم يكن عندهم أمرا نادرا كما كان عند الغربيين في العصور الوسطى .

واعظم المخطوطات الاسلامية شأنا من الوجهة الفنية هي المصاحف التي كانت تكتب بين القرنين الرابع والسادس بعد الهجرة ( العاشر والثاني عشر بعد الميلاد ) ، والتي كانت تذهب وتزين بادق الرسوم وابدعها . ولا غرو فقد كان الفنانون الذين يزينون الصفحات المكتوبة ارفع الفنانين قدرا بعد الخطاطين انفسهم ؛ وكان الذهب اعظم اولئك الفنانين شأنا . وحسبنا دلالة على علو مكانته ان كثيرين من المصورين كانوا يضيفون إلي أسمائهم لفظ " مذهب " ، وان المؤرخين كانوا يمنون بالنص على أن بعض المصورين كانوا مذهبين أيضا .

وأكبر الظن أن الخطاط كان يتم عمله قبل كل شئ ، ولم يكن يفوته ان يترك الفراغ الذي يطلب منه في بعض الصفحات لترسم فيه الصور المطلوبة بعد ذلك . وقد وصلنا بعض مخطوطات لم تتم بها الرسوم في كل الفراغ المتروك . وكان المخطوط يسلم بعد ذلك إلي فنان إخصائي في رسم الهوامش وتزيينها بالزخارف ، ثم إلي آخر لتذهيب هوامشه وصفحاته الاولى وصفحاته الاخيرة وبداية فصوله وعناوينه وغير ذلك من الزخارف المتفرقة وفي الحق ان الرسوم النباتية والهندسية المذهبة كانت تصل في المخطوطات الثمينة إلي ابعد حدود الاتقان ، ولا سيما في القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة ، ( نهاية القرن

الخامس عشر وفي القرن السادس عشر ) ، حين بلغت الغاية في الإتزان والدقة وتوافق الألوان

ولا ريب في أن تعظيم القرآن الكريم كان يبعث كثيرين من الفنانين على العناية بتذهيب المصاحف ، وكان لتذهيب المخطوطات صلة وثيقة بكتابتها بالخط الجميل . فعنى القوم بهذا الفن ، وذهب بعضهم إلى القول بأن الإمام على بن أبي طالب كان أول من ذهب مصحفا ، وبأن كثيرين من الأمراء وعلية القوم نسجوا على منواله ، فأتيح للخطاط المشهور محمد بن علي الراوندي ( المتوفي في نهاية القرن السابع الهجري ، والثالث عشر الميلادي ) ان يفخر بمن تلقي عنه فن التذهيب من الأمراء والعلماء وكبار رجال الدين والأدب . وإذا تذكرنا ان المذهبين كانوا يحتاجون في صناعهم إلى بعض الموارد الثمينة كالذهب وحجر اللازورد والورق الفاخر ، أدركنا ما كان لعناية الأمراء والأغنياء من عظم الشأن في فن تذهبيب المصاحف والمخطوطات .

وليس غريبا ان يصيب الإيرانيون خاصة والمسلمون عامة ابعد حدود التوفيق في تحلية الصفحات بالرسوم وتذهيبها ، فان هذه الفنون الزخرفية تتفق مع ميولهم واستعدادهم ، حتى اصبحت زخارف الصفحات المذهبة نماذج تنقل عنها الرسوم في التحف المعدنية والخزفية والجصية ، وفي المنسوجات والسجاد . وكم توصل مؤرخو الفن بفضل ذلك إلى معرفة قسط وافر من تطور الرسوم والزخارف والعصور التى تنسب إليها ، لان عددا كبيرا من المصاحف والمخطوطات المذهبة يحمل تاريخ إنتاجه ، وربما كان فيه ايضا اسم الخطاط والمذهب ، والبلد الذي كتب فيه المخطوط

ولم يعد تزيين الصفحات في القرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي ) مقصورا على ال " سرلوح " اي الصفحة او الصفحات الاولى المغطاة بالزخارف المذهبة ، وعلى العناوين وعلى الجامات ( المناطق ) التى كان يكتب فيها اسم صاحب المخطوط ، وعلى النجوم الزخرفية المذهبة التي كانوا يسمون الواحدة منها " شمسة " بل صارت الهوامش تزين برسوم الزهور والنبات والحيوان ، وبالرسوم الادمية في بعض الآحيان .

أما زخارف الصفحات المذهبة فكانت في البداية خليطا من العناصر الزخرفية الساسانية والبيزنطية والقبطية ، فضلا عن الرسوم المنقولة من كتب اليهود وكتب المسيحيين من اتباع الكنيسة الشرقية

على ان اقدم المخطوطات المذهبة التي يمكن نسبتها إلي إيران ترجع إلى عصر السلاجقة ، وتمتاز باستعمال الورق في معظمها ، وبأنها مكتوبة بالخط النسخي ، وبأنها مستطيلة الشكل ، وان ارتفاعها اكثر من عرضها . ومن الرسوم التي يكثر استعمالها في هذه المخطوطات النجوم المسدسة او المثمنة والمراوح النخيلية )(البالت ) والفروع النباتية المتصلة ( الأرابسك ) . وقد بدأت في عصر السلاجقة طريقة جديدة في الزخرفة والتذهيب ، وظلت قائمة في العصور الثانية ، وقوام هذه الطريقة ان تحاط سطور الكتابة بخطوط دقيقة ، وان تملأ الصفحة خارج هذه الخطوط مختلف الرسوم النباتية و " الآرابسك "

أما عصر المغول فلعل ابدع مخطوطاته المذهبة جزء من مصحف محفوظ في دار الكتب المصرية . وقد كتب سنة ٧١٣ ه ( ١٣١٣ م ) . بمدينة همذان للسلطان الجابتو خدابنده ، وبيد خطاط اسمه عبد الله بن محمد بن محمود الهمذاني . وهو من نوع المصاحف الكبيرة الحجم ( ٤٠٥٠ سنتيمترا ) التى كانت تقدم للاضرحة والمساجد ،

وكان كل جزء منها يكتب في مجلد على حدة . ويمتاز هذا الجزء - كسائر المخطوطات المغولية المذهبة - بالأبداع في الرسوم والالوان ، فهو غني جدا بالرسوم الهندسية المختلفة ، بين نجوم على اضرب شتى ومثمنات ودوائر متشابكة ، وغير ذلك من الأشكال المملوءة برسوم النبات والأرابسك . ومما يزيد إعجابنا بهذه الزخارف الهندسية ان الايرانيين عامة لم يكن لهم فيها مران خاص بل كانوا يقبلون على سائر العناصر الزخرفية اكثر من العنصر الهندسي ، ومع ذلك فقد اتقنوها في هذا المصحف اتقانا عظيما .

واستخدم المذهبون في العصر المغولي اللون الذهبي والأزرق والاحمر والأخضر والبرتقالي ، وكانوا يتخذون الأزرق الغامق مركزا تحيط به سائر الألوان .

وزاد ازدهار فن التذهبيب في العصر التيموري ؛ فثمة مخطوط من الشاهنامة مؤرخ سنة ٨٣١ ه ( ١٤٢٧ م ) يقال إن فيه صورة الخطاط والذهب والمصور الذين اشتركوا في إنتاجه ، وصورة السلطان بايستقر الذي قدموا إليه هذا المخطوط ، مما يدل على الاعتراف بفضل الذهب في إخراج الخطوط الفني ، وعلى انه كان يقرن في هذا الشأن بزميلية : الخطاط والمصور .

ومن أعلام الذهبين في ذلك العصر أمير خليل ومبرك ونقاش ، ومولانا حاج محمد نقاش الذي كان خطاطا ثم مذهبا ثم مصورا ، بل إنه اشتغل ايضا بالحيل الميكانية وبتقليد الخزف الصيني

وقد زاد الأقبال على رسوم النبات والزهور والطبيعة زيادة عظيمة في العصر التيموري ، فكانت تزين هوامش الصفحات ، كما استعملت في زخرفة التحف الفنية المختلفة . والواقع ان العلاقة وثيقة جدا بين رسوم الصفحات المذهبة في العصر التيموري والرسوم المستعملة في سائر ميادين الفن من خزف وسجاد وجلود كتب .

وقد ترك لنا بعض المؤرخين الايرانيين أسماء أعلام المذهبين في العصر الصفوي ، مثل باري وميرك المذهب وابنه قوام الدين مسعود ومولانا حسن البغدادى ومولانا عبد الله الشيرازي .

ولم يكن عمل المذهبين في هذا العصر مقصورا على تزيين الصفحات المكتوبة والمرسومة ، بل كانوا يذهبون هوامش الصفحات المصورة . وامتازت المخطوطات الصفوية بتعدد الصفحات المذهبة في أول المخطوط وبتفضيل رسوم الفروع النباتية المتصلة ( الأرابسك ) ذات الوريقات الدقيقة ، ورسوم السحب الصينية ، كما امتاز بعضها برسوم حيوانية مذهبة في هوامش الصفحات ، على النحو الذي نراه في مخطوط منظومات الشاعر نظامي المحفوظ في المتحف البريطاني ، والذي كتب للشاه طهماسب بين عامي ٩٤٦ و ٩٤٩ بعد الهجرة ( ١٥٣٩-١٥٤٣ ) . ومن أبدع الصفحات المذهبة في العصر الصفوي ما نراه في صدر مخطوط " بستان " سمدي المحفوظ في دار الكتب المصرية والمؤرخ سنة ٨٩٣ ه ( ١٤٨٨ م ). وعليه إكضاء المذهب باري ومن زخارفه رسم بطة تطير بين سحب صينية ،

وهي من الرسوم الحيوانية النادرة في الصفحات الذهبة والمزينة برسوم متعددة الألوان .

ولم يدخل على أسلوب التذهيب تغيير كبير منذ العصر الصفوي ، اللهم إلا ان الالوان المستعملة قل غناها وصفاؤها ، بينما أصبحت الدقة في رسم الزخارف نادرة . وكان هذا كله طبيعيا بعد ان فقد الفنانون قسطا كبيرا من رعاية الامراء ، وبعد ان اتصلت إيران بالعالم الغربي ولم يعد للمخطوطات ما كان لها قبل ذلك من عظم الشأن

أما في مصر فإن أبدع المصاحف المذهبة فيها ترجع إلى عصر المماليك ، وتمتاز برسومها الهندسية الجميلة ، كما يظهر من المجموعة الطيبة المحفوظة في دار الكتب المصرية . بل إن تزيين المخطوطات بالرسوم الجميلة وتذهيبها لم يكن وقفا على المصاحف والكتب الإسلامية فحسب ؛ فقد كان الإنجيل والكتب الدينية المسيحية تذهب وترين صفحاتها بالرسوم الهندسية والتباتية العربية الطراز ، كما نري في بعض المخطوطات الثمينة المحفوظة في المتحف القبطي

وكان تذهبيب المخطوطات في تركيا شديد التأثر بفن التذهيب في إيران . كما ان الفنانين في الأندلس والمغرب الأقصى كانوا لا يختلفون كثيرا عن الفنانين المصريين في أساليبهم الفنية في هذا الميدان .

اشترك في نشرتنا البريدية