أشرنا في عدد سابق إلى وفاة الكاتب والمؤرخ الفرنسي الكبير جاك بانفيل. وقد قرأنا أخيرا في إحدى المجلات الفرنسية الكبرى فصلا عن الكاتب الراحل للعلامة المؤرخ أوكتاف أوبري الذي زار مصر منذ حين وألقى بها عدة محاضرات تاريخية شائقة، يصف فيها تراث بانفيل التاريخي ويحلل مواهبه وكفاياته كمؤرخ وفيلسوف للتاريخ. وقد كان بانفيل قبل كل شيء كاتباً سياسيا؛ وكان رجل جدل قوي يذود عن آرائه بيقين وحرارة؛ وكانت تغلب عليه الروح الفلسفية في كتابه التاريخ. ويرى الأستاذ أوبري في كتابيه (تاريخ فرنسا) و (نابليون) أثرين جليلين يمتازان بقوة خاصة. وقد كان بانفيل ملوكياً يؤمن أشد الإيمان بالملوكية ونظمها وتقاليدها؛ وكان يدافع عن عقيدته في هذا الوسط الجمهوري المضطرم بحرارة المؤمن؛ ومن ثم كان رأيه في الثورة الفرنسية واعتبارها حركة دموية طائشة. وهو في هذا يتفق مع كتاب عظام ناصروا الملوكية مثل لامرتين؛ بيد أنه يفوقهم جميعاً في حرارة إخلاصه للملوكية وشدة وطأته على الثورة. ويعتبر الأستاذ أوبري كتابه عن نابليون أفضل مما كتب عنه تاين وميشليه؛ ويرى في كتابه (تاريخ الأجيال الثلاثة) صورة صادقة قوية من أحداث فرنسا ومحنها ومواطن عظمتها وضعفها منذ واقعة واترلو حتى معاهدة فرساي
بيد أن بانفيل يبدو في ذروة قوته كفيلسوف مؤرخ في كتابه الأخير، وهو كتاب (الحاكمون بأمرهم) ، وقد استعرض فيه تاريخ الطغاة والطغيان منذ العصور الغابرة؛ ويبدي بانفيل في بحثه وتحليله لخواص الطغيان والطغاة مقدرة تطبعها رزانة خاصة؛ ويرى أوبري أن أثر بانفيل عن الطغاة يجب أن يتبوأ مكانه بجوار كتاب (الأمير) للفيلسوف الإيطالي مكيافيللي، برغم أن بانفيل يهتدي في كتابه بمثل أخلاقية واجتماعية غير تلك التي يهتدي بها مكيافيللي في كتاب (الأمير) . ولتقدير الأستاذ أوبري لتراث بانفيل التاريخي أهمية خاصة لأنه يتبوأ مكانة سامية بين مؤرخي فرنسا المعاصرين
