الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40 الرجوع إلى "الثقافة"

تراجم الرجال فى الأدب العربى،

Share

      تشغل تراجم الرجال في آداب اللغة العربية أبين مكان ، وتستغرق أكبر حيز ، بل لا نبالغ إذا قلنا إن ما نسمية اليوم " ادب اللغة " كان يدور حول تراجم الرجال من أدباء وشعراء وعلماء ، وذكر شئ من أجود ما قالوا ؛ فأقدم كتب الأدب كالأغاني إنما بني علي الأصوات المختارة ، وتدرج منها إلي ذكر الأدباء وترجمة حياتهم ، وأهم ما عرض لهم .

وأكثر الذي نعرفه من ضروب التأليف القديم في الأدب نوعان : نوع أسس على تراجم الرجال كالاغاني ومعجم الأدباء وطبقات الشعراء ويتيمة الدهر . ونوع أسس على المختار من المنظوم والمنثور ، كالذي ذهب إليه الجاحظ في البيان والتبيين ، والكامل للمبرد ، والعقد الفريد لابن عبد ربه . فأما نظرة عامة في الأدب عامة ، أو فرع من فروع الأدب - كالشعر والخطابة - وتحليله تحليلا عميقا مفصلا ، فذلك ضرب لا تعلم أن الأقدمين وصلوا إليه . والحق انهم تركوا لنا شيئا ( خاما ) يصح أن يستفاد منه بمهارة الصنعة ، وإجادة الفن ، ولم يخلفوا لنا شيئا ناضجا يحسن الوقوف عنده .

والسبب في أن الأقدمين سلكوا هذين الطريقين اللذين أشرنا إليهما أنهما أسهل الطرق على المؤلف ؛ فهو في ترجمة الرجل يذكر تاريخ ولادته ، وبعض حكايات رويت وحوادث عرضت ، ثم تاريخ وفاته ، وبهذا ينتهي الفصل . وفي الطريقة الثانية يختار ما نثر في الكتب من النوع الأول وأمثالها ، ثم يربط بينها برباط قوي أو ضعيف ، فتتكون من ذلك مجموعة بصوغ لها اسما كالبيان والتبيين ،

   والكامل ، والأمالى ؛ وكلا الضربين نوع من التأليف الساذج ، وأول درجة في سلم التأليف ؛ ولم يصل البحث في أوربا إلى هذا النوع من التأليف الذي يحلل ويستقصي ويلقي بالنظرة العامة تستغرق الموضوع من جميع جهاته إلا في العصور الحديثة.

      وفي هذا العيب نفسه وقعت كتب التاريخ العربية ، فهي إما دائرة حول السنين يذكر في كل سنة ما حدث ، أو حول الملوك وولاتهم يذكرون ما حدث في أيامهم ، فأما النظرة العامة إلي الموضوع ، والاحاطة به ، وتحليله وتعليله ، فدرجة لم يصل إليها مؤرخونا .

ولتعد الآن إلي ما نحن بصدده من تراجم الرجال ، فالذي يظهر لنا أن الباعث الأول على ترجمة الرجال - في الاسلام - كان باعثا دينيا ، وذلك من وجهين : الأول أن المسلمين في أثناء جمعهم للحديث رأوا منه قسما كبيرا يتعلق بحياة النبي ( ص )وغزواته ، وحوادث تتعلق بكبار الصحابة كابى بكر وعمر وحروبهما وفتوحاتهما ، فكان ذلك أساسا لوضع كتب السير ، وقد رووا أن أول من الف في سيرة رسول الله ( ص ) عروة بن الزبير بن العوام ، ( ٢٣-٩٤ ه ) وأبان بن عثمان بن عفان (٢٢-١٠٥ ه ) فكان عملهما في وضع سيرة الرسول أساساً لوضع سيرة غيره من كبار الصحابة ، ثم تلاحق الأمر واتسع .  ( الثاني ) أن علماء المسلمين لما هالتهم كثرة ما وضع كذباً  على رسول الله ( ص ) من الأحاديث لجئوا إلي وسائل يعرفون  بها صحيح الحديث من ضعيفة ، وكان من هذه الوسائل تشريح رجال الحديث من الصحابة والتابعين ، ونقدهم

وتعديلهم وتجريجهم ، فتكون من ذلك مجموعات من تراجم الرجال وسيرهم وشئ مما حدث لهم ، ليستفاد منه صدقهم او كذبهم ، ثم جاء رجال الأدب فقلدوا المحدثين وحذوا حذوهم ، وبنوا أدبهم على هذه التراجم التي أحكموا تقليدها .

   ودليلنا على أن الأدباء قلدوا المحدثين ، أن المحدثين كانوا أسبق إلي هذا العمل تاريخاً ، في العهد الأموي تري عروة وابانا يكتبان سيرة النبي ، ونري أحاديث قبلت في جرح الرجال وتعديلهم ، ونري في صدر الدولة العباسية شعبة بن الحجاج ويحي بن سعيد القطان يؤلفان الكتب في نقد المحدثين وبيان صادقهم من كاذبهم ؛ مع أنا لا نعلم في هذا العصر كتابا أدبيا يصح ان يقال إن موضوعه تراجم رجال الأدب .

بل نري من أقوى الأدلة على ذلك أن الصبغة التي اصطبغت بها كتب التراجم الأدبية صبغة محدثين أكثر منها صبغة أدباء ، خصوصاً ما ألف منها أيام سطوة المحدثين ككتاب الأغاني ، فإنك تري فيه الاسناد على نمط إسناد المحدثين ، والتعبير في كثير من الأحيان تعبير حديث . وذلك كقوله ( اخبرني الحسين بن يحي عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال بلغني ان هذا البيت ( لا يذهب العرف بين الله والناس ) في التوراة . . . . قال إسحق : وذكر عبد الله ابن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان بن عائشة قال سمع " كعب الحبر " رجلا ينشد بيت الخطيئة :

من يفعل الخير لا يعدم جوازية

                          لا يذهب العرف بين الله والناس

     فقال : والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة . قال إسحق قال العمري :والذى صح عندنا في التوراة " لا يذهب العرف بين الله والعباد " ( ١ ) . فلعلك تري معي أنك وأنت تقرأ هذا كأنك تقرأ قطعة من أحاديث البخاري .

    ومن اكبر المظاهر التي تأثرت بها كتب تراجم الأدباء بكتب المحدثين احتجاب شخصية المؤلف ، تقرأ في الأغاني فيغمرك بروايات عن الرجل وأحاديثه ووقائعه وأدبه وشعره ، ولكن قل أن تظفر منه بكلام له أو نقد لشعر ، أو تعليق على حادثة ، أو نحو ذلك ، ويظهر لي أن هذا أيضا أثر من آثار نمط المحدثين ، فقد حصروا أنفسهم في دائرة النقل ، نقل ما حدثوا به ، ونقل ما بلغهم عن الرجل ، وذلك إن جاز في الحديث ومجال القول ضيق ، لأن المحدث لا يهمه من المترجم له إلا ما يدل على صدقه أو كذبه وتجريحه أو عدالته - فما كان يجوز في الأدب ، ومجال القول ذو سعة ؛ وشخصية الأديب في النقد والتحليل ، وبيان المحاسن والمساوي ، وموضع الحسن أو القبح ، لها القيمة الكبرى في الفن الأدبي . ولكن هو التقليد للمحدثين نزع بهم هذا المنزع . وليس هذا مقصورا على كتب التراجم ، بل هو - أيضا - في أصول كتب الأدب المؤلفة في ذلك العصر ؛ فإذا قرأت في البيان والتبيين أوعيون الأخبار لابن قتيبة لم تجد للمؤلف شخصية بارزة ، مع قدرتهما الفائقة وما لهما من بسطة في العلم والأدب ، ولو أحصيت ما للجاحظ في البيان والتبيين لم تجد له ربع الكتاب ولا خمسه ، وإنما له الاختيار والجمع - شأن المحدثين في الحديث . وكذلك الشأن في عيون الأخبار والأغاني وغيرهما .

  ولعل في هذا ما يكفي لاثبات ان الأدباء كانوا مقلدين المحدثين في وضعهم للتراجم .

     على كل حال كان لنا تراجم للرجال نحوا فيها مناحى مختلفة ؛ فمنهم من ترجم لكل شخص ممتاز بأي نوع من أنواع المميزات ، كما فعل ابن خلكان في " وفيات الأعيان " فقد ترجم لكل عين وكما يقول هو : " لأولي النباهة " ولم يستثن إلا الصحابة والتابعين والخلفاء ؛ فترجم المالي والفقيه والمتصوف والشاعر والأيب والنحوي واللغوي والوالى والمشعوذ . ومنهم من اقتصر على طائفة خاصة كما فعل ياقوت

في معجم الادباء ، فقد ترجم فيه للأدباء خاصة ، وكما فعل ابن قتيبة وابن سلام في " طبقات الشعراء " وكما فعل السيوطي في "بغية الوعاة في تراجم النحاة " ومنهم من اقتصر على تراجم الأدباء في عصر خاص كما فعل الثعالبى في كتابه " يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر " الخ .

والآن نعرض لمسألة هامة وهي : هل وفى هؤلاء المترجمون بالغرض الذي قصدوا إليه ؟

وقبل ذلك يجب ان نبحث مني تكون ترجمة الحياة جيدة وافية بالغرض ؟

      المترجم "وأصف" لمن يترجمه ، والواصف ينبغي أن يخرج بقلمه ولغته ما يخرجه الرسام بريشته ، بل للقلم مجال أوسع من الريشة ، فالقلم يستطيع أن يتغلغل إلي المعنويات من اخلاق وعقلية ومشاعر وصفات نفسية ، على حين أن الريشة لا تستطيع أن تصل إلي شئ كثير من ذلك ؛ نعم إن القلم يلاقي من الصعوبة ما لا تجده الريشة ، فإن الريشة مرنة مطواع أمامها ماديات ذات مقاييس خاصة ونسب معينة يسهل على المصور أن يراعيها ، ولكن الكاتب يعاني بقلمه في إخراج الصورة كاملة منسقة أكبر العناء . يجب أن يكون الواصف من دقة الحس ويقظة العقل وحسن التقدير لما يهم وما لا يهم ولطف الذوق والقدرة على الابانة بحيث يستطيع أن يصف لك الشخص الموصوف كأنك تراه ، بل أكثر من أن تراه ؛ فهو يريك من المعنويات مالايرى ، ترريك الصورة الشئ دفعة واحدة ، فتستطيع أن تري النسب بين أجزائها ، وتدرك الجمال التركيبي كما تدرك الجمال الإفرادي ، والكاتب الماهر يسلسل بين أقواله ويجملها بالنطق الصحيح والأسلوب الأخاذ ، فيسرق منك نفسك ، فلا تنتبه إلا وقد وعيت صورة الموصوف كاملة - يري الواصف الشخص فيدرسه ويخبره ثم يدرسه ويخبره ويجمع حوله كل مايهمه ، ويمحصه ، حتى إذا اجتمعت له في ذهنه صورة كاملة متناسفة

تؤلف وحدة ، أستطاع ان يبرزها بقلمه فيبشرك غيره في رؤية ما يرى . فان كان الواصف لم يدرك عصر الموصوف جمع أخباره وحوادثه وقصصه وامتحنها بكل ما اخترع " البحث" من وسائل للامتحان ، ثم كان شأنه معها شأن سابقها .

وهناك نوعان من التراجم يصح أن نسميهما تراجم خارجية وتراجم ذاتية ، ونعنى بالأولى تراجم يقتصر فيها المترجم على وصف المترجم له بذكر الحقائق الخارجية والوقائع التي حدثت للمترجم من غير ان يشوبها المترجم بشئ من أفكاره ، ومشاعره . والترجمة من هذا النوع ليست إلا تثبتا للحقائق ، وهي بالمؤرخ اشبه ، أما النوع الثاني فتراجم يذكر فيها المترجم ما وصل إليه من حقائق ويحللها ، يتبعها برأيه في المترجم إما دفاعا عنه أو هجوما عليه ، إما نقدا وذما وإما مدحا وتقريظا ، إما استحسانا للمأثور من أقواله وآرائه أو استهجانا ، وهذا النوع بلأديب اليق.

وليس يترجم  من الرجال إلا من كانت له ناحية من نواحي النبوغ كالسياسة أو الأدب او اللغة او النحو أو الخلق أو العلم ، فواجب المترجم أن يدلنا على موضع نبوغ من يترجمه ويعطيه أكبر عنايته ، ويجعل القارئ يكاد يلمسه بيده ، فان هو قصر في ذلك فقد قصر في أهم ركن للترجمة .

إذا نحن نظرنا - في ضوء هذه القواعد التي ذكرناها - إلي كتب التراجم العربية وجدناها على اختلاف أنواعها معيبة من جملة وجوه ، وهي في هذه العيوب تختلف شدة وضعفاً .

فأظهر عيب فيها أنها لم تسلك طريق البحث العلمي، فقد وضعت فيها الأساطير والخرافات بجانب الحقائق من غير تمحيص ؛ وأكثر ما يكون ذلك في تراجم رجال الدين والتصوف ، فعندهم يفقد المترجم ملكة النقد ، ويسلم بكل ما حكى له .

أضف إلي ذلك أن المترجم يكثر من ذكر الأقوال المختلفة ، ويتركها على هواهها من غير أن يبذل جهدا في تحقيقها ، والخروج منها بنتيجة يرضاها ؛ فتقرأ مثلا في ابن خلكان قولا يقول إن أبا تمام الشاعر المشهور من قبيلة طي ، وقولا يقول إن أباه كان نصرانيا من أهل جاسم ( قرية من قرى دمشق ) يقال لها تدوس العطار فجعلوه أوسا ، وقد لفقت له نسبة إلي طي ، ولكن أي القولين أصح ؟ وماذا بذل المؤلف من الجهد في تحقيق هذه المسألة ؟ لا شئ من ذلك ، ولكن اقوال يرص بعضها بجانب بعض من غير تمحيص وتري في كتاب " الأغاني " من هذا الضرب الشئ الكثير ، وقل مثل ذلك في الوقائع التاريخية ، فهي تقال وتذكر فيها الروايات المختلفة ، ثم يقف قلم المؤلف ؛ مع أن المعقول أن جميع هذه الروايات المختلفة ليس إلا مقدمة لتمحيصها والخروج منها بنتيجة تقرب إلي الصواب .

الحق أن النقد عند كتاب التراجم كان ضعيفا ، ولم يجهروا في امتحان الحقائق وتخليص جيدها من رديئها . نعم إنا نعثر في " وفيات الاعيان " لابن خلكان و " معجم الأدباء" لياقوت و " الأغاني " على نتف صغيرة من النقد ، تدل على دقة ملاحظة وجودة نظر ، وربما كان أفضلهم في ذلك ابن خلكان ، ولكنها مواقف نادرة قليلة لا يصح أن يقال إنها النظام المتبع في التأليف .

كذلك من أوضح العيوب البارزة في هذه الكتب ، أن المؤلفين لم يستطيعوا أن يقوموا موضع نبوغ المترجم له فيخصوه بالشرح الوافي . قد كنت أفهم أن كتابا كبغية الوعاة في أخبار النحاة يعني في تراجمه بهذه الناحية النحوية ، فيبين مكانة المترجم في النحو ، وموضع نبوغه ، وأي شيء جدد في النحو حتي استحق أن يترجم ، ولكن قل أن أعتر فيه على شيء من ذلك ؛ ومثل ذلك يقال في طبقات المحدثين والفقهاء والأدباء !

أغرب ما في هذا النوع عناية المترجمين بالشعر لغير الأديب والشاعر ، فتري كثيرا منهم - كابن خلكان - يبحثون المترجم عن بيتين أو أبيات من الشعر ينسبها إليه ، ويذكرها بجانبه ، ويجعل لها مكانا ممتازا في ترجمته . ولو كان هذا الذي يترجم له شاعرا أو أديبا لغفرنا المترجم هذه العناية ، أما والمترجم مالي أو مشرع أو محدث أو اجتماعى ، فما قيمة بيتين أو أبيات قالها في حياته ؟ أليس سخيفا ان تقرأ في ابن خلكان ترجمة الإمام الشافعي فلا تري فيها شرحا لموضع نبوغ الشافعي ومقدرته في التشريع ، وبماذا يمتاز عن بقية الأئمة ، وأين مكان مذهبه من الرأي والحديث ؟ ثم نراخ يعني عناية فائقة بأبيات ضعيفة يرويها له ، وهذا هو بعينه ما فعله في ابن جرير الطبري المؤرخ ، وطلائع بن رزبك السياسي ، والفارابي الفيلسوف .

إنما يجب أن يذكر للشاعر شعره ، وللفقيه فقهه ، وللسياسي سياسته ، وللفيلسوف فلسفته ، ويجب أن تكون هذه الناحية هي أهم ناحية يعني بها المترجم .

هذا وقد عنى المحدثون بوضع تراجم مفردة مستقصية ، تحلل فيها الأشخاص والحوادث تحليلا دقيقا ، ويعتمد فيها على النمط الحديث في البحث ، ويستفاد فيها مما وصل إليه علم النفس من استكشاف وبما وضع علماء الأدب المحدثون من أنماط . ونرجو أن يتتابع التأليف على هذا النمط ، ويتمشي في الرقي مع الزمن ، حتى تكون لنا مجموعة قيمة من تراجم المشهورين في العصر الاسلامي من أدباء وفلاسفة وشعراء وغيرهم ، تقرأ الترجمة فتشعر كأن المؤلف أحيا المترجم وبعثه من جديد ، وتشعر وقد قرأت الترجمة كأنك لقيت المترجم وعاشرته وحدثته وقرأت كتبه واستقصيت دخيلة نفسه ( ١ ) .

اشترك في نشرتنا البريدية