كتب إلي الفاضل " معتصم الجاعوني من القدس يقول : إنه تكونت لجنة علمية في كلية روضة المعارف ، ومن أهم أغراضها أن تستعين برجال مصر في إرشاد الناشئين إلي الأخذ من ادب المتقدمين وعلمهم ، وما يجب أن يكون أساس ثقافتهم من كتبهم ، والإرشاد إلي إنتاج المتأخرين المعاصرين ، وما يجب أن يقرأ من كتبهم في شتى فروع العلم ، ليعرف الناشئون كيف يكون العالم أو الأديب نفسه خارج نطاق المناهج المدرسية
ثم يقول بعد كلام في هذا المعنى
وهنا مسألة تهمكم ، وهي مسألة تراجم العلماء والأدباء المعاصرين ، فإن فريقا من الناس اخذ يشوه من سيرتهم ، ويخطىء في ترجمتهم ؛ فهلا يقوم العلماء والأدباء الذين يطلعون على الناس الفينة بعد الفينة بكتبهم ومقالاتهم ، فيضعون تراجم لأنفسهم ، لئلا يكون لاحد عليهم تقول أو تزيد ؟
وقد خطرت هذه الفكرة للجامعة الأمريكية في مصر ، فطلبت من بعض المفكرين ان يقول كل منهم في الأسباب التي ألهمته الأدب ، وأذكر انى حضرت سلسلة محاضرات في القاعة الصغيرة في الجامعة الأمريكية في هذا المعني الخ .
ولنترك الموضوع الأول من خطاب الكاتب الفاضل على أهميته ، ونتعرض بكلمة للموضوع الثاني ، وهو تراجم المعاصرين .
والحق أن كتابنا ومؤرخينا مقصرون في هذا الموضوع كل التقصير ، وان متقدمينا عنوا بهذا كل العناية ، فبذلوا كل جهدهم في حفظ اثار سلفهم ومعاصريهم ، ولا يعلم ادبا كثرت فيه كتب التراجم ما كثرت في الأدب العربي هذا يضع في علماء بلد كحلب وغرناطة ، وهذا يضع في علماء العالم الإسلامي في قرن كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ، والضوء
اللامع في اعيان القرن السابع ! وهذا يضع في المفتين . وفي الأطباء وفي الشعراء . الخ
وهذا الخطيب البغدادي يضع أربعة عشر مجلدا في علماء بغداد ) وهذا الصفدي يكتب المجلدات الكثيرة ويسميه الوافي بالوفيات وغيرهم كثيرون لا يحصون عددا
وظل كل جيل يحمل الراية ممن قبله ، ويكمل الكتاب الذي سبقه بتراجم رجال عصره ، فيؤلف ابن شاكر " فوات الوفيات في إكمال وفيات الأعيان ويؤلف كثير من العلماء الذيول علي الكتب المشهورة وظل العلماء يسيرون على هذا المنوال إلي العصور المتأخرة ، فتحد الجبرتي يؤلف في تاريخه لعلماء عصره وشعرائه وادبائه وملوكه وأمرائه ؛ وكذلك يفعل الشوكاني اليمني في كتابه " البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع " وقد وصل فيه في التراجم إلي ما قبل سنة ١٢٥٠ ه ، وهي سنة وفاته
وخطرت الفكرة للمرحوم تيمور باشا ، فبدأ يضع التراجم في أعيان عصره ، وإن لم يستوف الرجال والتراجم فإذا نحن وصلنا إلي عصرنا رأينا تقصير رجالنا في هذا واضحا كل الوضوح ، معيبا كل العيب . فالأحداث التاريخية لم تؤرخ التأريخ الشافي الكافي ، ورجالنا لم يترجموا الترجمة الوافية
دابة ذلك ان رجال العصر الماضي ، وهو اقرب العصور إلينا ، نغمض سيرتهم ، ويعفى عليها النسيان اكثر من العصور الممعنة في القدم - هل نعثر علي ترجمة وافية للشيخ الخضرى ، والشيخ محمد المهدي ، وفينا من تتلمذ لهم ، وأخذ عنهم ؟ ام هل نعثر علي ترجمة واسعة للشيخ حسن الطويل ، والشيخ حسين المرصفي ، وهما من أعلام النهضة الحديثة ؟ واين التراجم الوافية للرجل الظريف الذي ملأ مصر فكاهة وأدبا ، وهو الشيخ علي الليثي ، والزجال اللطيف الفكر الذي غمر مصر بالزجل الخفيف الروح ،
وهو عثمان جلال ، والقانوني البارع الذي جد في صياغة الشريعة الإسلامية صياغة المواد القانونية ، وهو محمد باشا قدري ، وغيرهم وغيرهم ؟ وهل نعثر علي ترجمة وافية للاميرة نازلي وصالونها الذي كان مبعث حركة ادبية وسياسية تغذي جيلها ، وكان يغشاه سعد زغلول ، والشيخ محمد عبده وغيرهما من رجالات مصر
وبالامس دفن إبراهيم الهلباوي بك ، وكنت تستمع إلي أحاديثه الطلية ، فتدرك أنه يحمل بين صدره تاريخ جيل لم يدون في كتاب ، فهل منا من عني بأن يلازمه ، ويكتب ما يرويه في دقة ونظام ، فيحفظ آثار امة في عصر
وبين رجالنا اليوم من نسأل الله أن يطيل أعمارهم ، وهم يعرفون من تاريخ الجيل الماضي والحاضر ما لا تعرفه الكتب المدونة : امثال عبد العزيز باشا فهمي ، وأحمد لطفى السيد باشا ، والسيد محمد الببلاوي ، وغيرهم ، فهل عنينا بالاتصال بهم وتدوين ما عندهم ؛
لقد كان آباؤنا رحمهم الله - يرحلون علي الإبل والحمير والبغال الأيام الطويلة والأشهر العديدة في نقل حديث واحد أو حديثين ، وكلمات لغوية وابتات من الشعر ؛ فما بالنا لا نرحل في سيارة لمقابلة رجالنا والأخذ عنهم ؟ وما بالنا نجهل كل الجهل علماء الشام والعراق والحجاز والسودان ، وقد انعدمت المسافات وربطت كلها بالقطارات والسلكي واللاسلكي ؟
وما نقوله في مصر نقوله عن رجال الشام والعراق والحجاز واليمن وكل العالم العربي فهل يلتفتون إلي هذا ويدفع شبابهم العار عن جيلهم بتدوين مما بقي في صدور رجالهم ، والسعي في تسجيل ما عرف عن آبائهم !
إن لم يكن يكفي فعل اسلافنا ليكون مثالا يحتذي . فهذا فعل الامم المتمدنة الحديثة ، لديهم الكتب المتعددة على مثال who is who( تترجم للأحياء ذوي الشهرة في كل ناحية من نواحي الحياة ، كالعلم والأدب والسياسة
وتعدلة كل سنة بما يطرأ على حياتهم من تغير يستطيع أن يرجع إليه الباحث أو الناعي أو المسترشد في لحظة ؛ ولهم إلي ذلك عناية بجمع كل آثار العالم أو الأديب ، والعناية بها ) حتى ما يتعلق بحياته العائلية ، او اموره الشخصية ، ليكون كل ذلك أمام القارئ كأنه صورة ناطقة
رحم الله أحمد شفيق باشا ، فقد كان آخر من رأيناهم يعنون بهذا الباب عناية قائمة ، فقد خصص اخر حياته لجمع مذكراته السياسية والشخصية والاجتماعية ، وقد قال فيه شوقي في عيده السبعيني
أنت يا أحمد في مصر جبرتي الأوان
أنت قربت لنا أمس وما كان يدان
قد نسيناه وما مر به من حدثان لم تزدنا كل يوم غير آثار حسان
وادر كته الشيخوخة وهو يجد ويكتب ويطبع ؛ ثم كف بصر ، فظل يعمل ويستعين بغيره ، يبيض له ويطبع له ويستعين بسمعه ليعوض به عن بصره ، حتى ادركته الوفاة وهو بين المحابر والأقلام ؛ ويقول في إهداء كتابه
" أقدم هذه المذكرات لأشهد أبناء الجيل الحاضر صفحة من اعمال الجيل الغابر ، في غير تزييف ولا التواء ، وما أخشي غير الله ، وهو حسبي
يهيب بنا الكاتب الفاضل أن نفتح بابا في الثقافة تنشر فيه تراجم الأدباء المعاصرين امثال : هيكل . وطه حسين ، والعقاد ، والمازني ، والزيات ، وتيمور ، وتوفيق الحكيم ، وعنان ، وأمثالهم من العلماء والأدباء في مصر والشام والعراق ، يكتبها الأديب أو العالم بنفسه عن نفسه ، أو يكتبها عنهم من صاحبهم ولازمهم ، وعرف عنهم بواطنهم وظواهرهم ، حتى يكون ذلك ذخيرة لأهل عصرهم وللأجيال بعدهم
ونحن بسرنا هذا الاقتراح ونرحب به ، ونفتح صدر الثقافة له فهل نجد من يلبي

