الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 407الرجوع إلى "الثقافة"

تربية الروح العلمية وتنميتها

Share

في العصور الحديثة الماضية كانت الحكومات ثلجأ بين حين وحين إلى العلم تسأله العون والمساعدة . أما اليوم فقد بدأت الحكومات في اللجوء إلي العلم تسأله التوجيه والإرشاد

فما الذي يجب عمله ليبلغ هذا الاتجاه الجديد غايته من النجاح المرجو ؟ هناك سبيل واضح الحجة هو : تربية الروح العلمية وتنميتها في الحكومة والشعب . فالنيات الحسنة ليست تغني وحدها . ورجال الحكم ليسوا بقادرين على تسيير أداة من الأدوات لا يعرفون كيف تدار ولم يروضوا انفسهم على استعمالها . ولن يستطيع وزير من الوزراء ان يحكم قيادة إحدي قاذفات القنابل ، وأن يطير بها طيرانا يبلغ الهدف ويصيب المرمي ، الا إذا كان له مران سابق والحكم في هذه المسألة ينسحب على مسائل الاستفادة من سائر نظريات العلم وحقائقه

فإذا رأينا كثيرا من المسائل العلمية يقوم بها رجال ذوو ثقافة علمية وهم جلوس على مكاتبهم ، فليس معنى هذا أن تلك المسائل يمكن أن يحل ألغازها أي صنف من الرجال ما داموا يجلسون على تلك المكاتب .

وهناك صعوبة تشبه تلك الصعوبة التي أسلفنا بيانها ، وهي إشباع رغبة الجمهور في الاستفادة من العلم . ذلك لان غالبية أفراد هذا الجمهور ليس عندهم من القابلية ما يسمح لهم بالاستفادة والاسترشاد مهما حسنت نيتهم من ناحية العلم وحيث إن الإدراك العلمي قد أصبح متزايد الضرورة في الحياة المصرية ؛ فلا حياة لأمة من الأمم او جماعة من الجماعات تجاهلت قيمة هذا الإدراك العلمي

ولا حياة للديموقراطية ولا بقاء لها إلا إذا سارت وراء العلم تستهديه وتسترشده .

وعلى الديموقراطية أن تعرف كيف تستفيد من العلم

وذلك على طريقتها الخاصة وهي أن يكون العلم لجميع أفراد الأمة بل لجميع أفراد الأمم .

فالمجمع العلمي البريطاني لم ينشأ في انجلترا إلا لتقريب العلم إلي أذهان الشعب ، وذلك بتشجيع البحث العلمي اولا ، ثم بتبسيط ما يسفر عنه البحث العلمي وتوليه بالشرح والتفسير ، في لغة مبسطة وكلمات قليلة . وقد طلب إلي الزعماء من العلماء والباحثين من "داروين" إلي رذرفورد أن يبسطوا أبحاثهم وان يفسر - كل في دائرته - ما وصل إليه بحثه . فنشأ من ذلك كله أدب علمي شعبي هو آية في البراعة .

وانتشار المعرفة العلمية بين افراد الشعب عامل من عوامل بقاء المدنية التي جعلت الديموقراطية دعامتها فما الذي يجب عمله للتوسع في هذه المعرفة ؟

هناك طرق متعددة ، منها : تأليف موسوعة عالمية تقدم للراغبين في العلم مختارات مبسطة لاحدث ما وصل إليه العلم . وهي الطريقة التي كان ينادي بها الكاتب جورج هربرت ولز . على أن تكون هذه الموسوعة بمثابة معهد متزايد النمو . وأن يجعل منها نواة لطريقة في التعليم تضم العالم أجمع . على ان يستعين القائمون بأمر تلك الموسوعة بأحدث المخترعات كالتصوير بالطريقة الميكروسكوبية .

وبقول "ولز" إن التحرير الفعلي للعقل الإنساني لايبدأ بالأقوال الحكيمة التى قالها "بوذا" و "كونفوشيوس " ومن تبعهم في جمال الحرية وجمال الحق وجمال الاخوة الإنسانية . ولكن التحرير الفعلي للعقل الإنساني يبدأ باحتراع الطباعة . فالاختراع والاستكشاف هما المحرران الحقيقيان للعقل الإنساني

ثم يجيء بعد ذلك مسألة اللغة العامة . وهناك من يقول بجعل اللغة الإنجليزية تلك اللغة العامة . على أن لا تكون وقفا على الثقافة الإنجليزية وحدها . فإن من العلماء من يقول بضرورة الإحاطة بعلوم الصين ومعارفها

ويعلق على معرفة هذه العلوم أهمية كبرى . وهو يقول في ذلك : - لقد قيل إن الرجل العالم في العصر الحديث إذا صعد إلي قمة أي جبل من جبال المعرفة والعلم ، فإنه لابد واجد اليونان القدامي قد أطلقوا سهامهم في تلك القمة منذ ألفين من السنين ولكن معرفتنا بعلوم الصين وادابها سوف ترينا ان هناك سهاما صينية قد سبقت تلك السهام اليونانية بزمن مديد .

وقد أجاب كونفوشيوس أتباعه عندما سألوه : كيف يوجهون انفسهم ناحية ناحية الآلهة والشياطين ؟ فقال : وقروهم من بعيد . ولا تقربوهم ما استطعتم الابتعاد عنهم . ثم ادرسوا كيف يمكنكم العيش مع بني جنسكم في طمأنينة وسلام ، متبعين سبيل المحبة والعدل . ثم إذا بلغتم تلك المرحلة فتعالوا إلي واسألوني مرة أخرى عن الآلهة والشياطين . ولما عيروه بتعلقه وشغفه بأمور الدنيا قال لهم : إنه لا يستطيع العيش مع العجماوات ، وإذا لم اعش مع بني جنسي فمع من اعيش .

ولما سئل : ما هو أول الواجبات التي يجب ان تؤدى للناس ؟ قال : اطعموهم وارفعوا مستوى معيشتهم ثم علموهم . ولما سئل احد الكتاب المعاصرين عن رأيه في تعميم المعارف والعلوم قال : إن التعليم الآن في المدارس الابتدائية هو خبيصة صب عليها مزيج من لبن الضأن والمعز , ثم أضيف إليها لبن الناقة والغنم . وكأن ما يدرس فيها قد سبق ولادة العلوم . وكثير مما يدخل في مواد التدريس لا تقره قواعد التربية الحديثة

ويجب أن تكون المادة التي تقدم للبالغين لها صلة وثيقة بحاجاتهم الخاصة وبما يتفق واحتياجات الجماعات الصناعية في القرن العشرين

ويجب في المدارس الابتدائية أن يعني بدراسة العلوم . الطبيعية ، والدراسات الاجتماعية أكثر من العناية باللغات وآدابها . وليس المقصود بالعناية بدراسة العلوم الطبيعية

أن يزاد الوقت المخصص لها ، بل أن يعني بتنويع مضامين تلك العلوم . وان تختار مادتها من ميدان واسع المدى ، وأن تعالج بالطرق الحديثة .

أما المهارة العلمية لدى  المدرس فيجب أن يتسع مداها وأن يمتد أفقها . وطريقة التعليم التي قوامها الحوار وكتب الموضوعات ، واللوح الأسود والطباشير يجب ان يضم إليها المصنع والمعمل . وان نضاف إليها زيارة دور الصناعة والمتاحف . ثم يجب الاستفادة استفادة كاملة بالراديو والسينما والفانوس السحري . ويجب أن يتعلم التلاميذ كيف يجيبون على مثل الأسئلة الآتية :

كيف تمد المدن بالماء النقي ؟  كيف تزاد غلة الأرض ؟ كيف تعلم الناس تحضير المعادن وإعدادها وطرق الاستفادة منها ؟

ومحاولة الإجابة على مثل هذه الأسئلة تهيئهم إلي المشاركة في النشاط العلمي وإلى تشبع انفسهم بالميول العلمية والعلم الذي يعلم بهذه الطريقة يكسب صفة المرونة والألفة ، ويفقد صفة الجفاف والجفوة ، وهو مؤد إلى التطور الاجتماعي السليم في غير رجة وفي غير ضجة .

والصحف والراديو والسينما والكتب والمناقشات العلمية هي خير مدرسة لمن أراد ان يتم الثقافة . ويحب ان تعنى الصحف بنشر كل ابحاث التقدم العلمي . والإذاعات العلمية في الراديو هي خير معلم . وكذلك السينما ، فعلى لوحاتها يمكن أن يشاهد روادها مسائل العلم مبسطة مشروحة .

ويقول أحد العلماء : إن العلم في مجموعه هو مخاطرة من أكبر مخاطرات الجنس البشري . وهو يثير الانفعال ويحرك الخيال كما تثيره حكابات الآلهة والأبطال ، وقصص الحرب وأنباء القتال . ( مترجمة )

اشترك في نشرتنا البريدية