قبل ان نختار بين التربية او التعليم ينبغي ان نعرف الفرق بينهما وكي نعرف الفرق بينهما ينبغي ان ندرك حقيقة كل منهما .. .
التربية :
يقول ( جون ديوي ) : (١) ان التربية في ذاتها جزء من الحياة وليست لحياة شيئا غيرها ، فكل مرحلة من مراحل نمو الطفل وتربيته تكون جزءا من حياته ، واذن فغرض التربية وهدفها ليس شيئا خارجا عنها ، وانما هو فيها فالطفل يربى بالعمل والتجربة وتنمية مواهبه وميوله وقدراته وتشجيع نشاطه وهو في هذه الحياة يحيا ويعيش . .
ومن اجل ذلك فهو ينادي بضرورة جعل المدرسة جزءا من الحياة بمعنى ان الطفل بعمل في داخلها ما يعمله لو كان خارجها . وعلى ذكر العمل نجد جون ديوي ، في جميع مؤلفاته ، يؤكد تأكيدا شديدا ان ( الايجابية ) في التربية هي العمل الذي يقوم به المربى من اجل تربيته ، او الخبرة - حسب تعبيره هو - تلك الخبرة التي يجعلها قطب الدائرة فى جميع احاديثه عن التربية .
فالتربيه عنده : " عملية دائمة لتعديل الخبرة ، واعادة تنظيمها بشكل يزيد في معناها وفي قدرة المرء على توجيه الخبرة التالية . " فالتربية والخبرة عنده شيء واحد ؛ وما دامت خبرات المرء غير مقصورة على المدرسة كانت التربية ايضا شاملة لكل ميادين خبرة الانسان وكل ساعة من ساعات حياته ...
ويمكن ان تقول ايضا : ان التربية هي ايقاظ قوى المرء واستعداداته المختلفة الكامنة في نفسه ، وترقيتها تدريجيا بمجهود الطفل ذاته ( النشاط الذاتي حتى يبلغ اقصى ما يمكن ان تصل اليه من الكمال النسبي . وهذه القوى والوظائف المختلفة لا ترقى رقيا صحيحا متزنا الا بالعمل المنتظم ، عمل الطفل نفسه ونشاطه
هو . فالتربية تحوط الطفل بالمؤثرات والظروف التي تستثير قواه وتستدعى منها ذلك العمل والنشاط الذاتي . ومعلوم ان العمل هو الذي يساعد العقل على الترقي والنمو الصحيحين ، كما ان الجسم يقوى بالحركة والنشاط المنظم كل بحسب قوانينه وطبيعته . والاخلاق الطيبة نفسها لا تكتسب بالتلقين البتة ولكن بمزاولتها والمران عليها وبمصادمة الحوادث والمواقف والاتصال بالناس والجماعات والاشتراك معهم فى مظاهر نشاطهم اشتراكا يمكن المرء من كسب الخبرة وتعديل السلوك تعديلا يتفق مع المعايير الاخلاقية ، فالتربية لا تكون مثمرة الا بعمل المتعلم نفسه وبما يبذله من نشاط وجهود شخصية فى التغلب على ما يقوم في طريقه من عقبات ، وما يصادفه من صعوبات ومشاكل في حياته اليومية والمدرسية وهو يستفيد من جهوده وخبرته كلما أخطأ وكلما اصاب . وتدريجا تقل أخطاؤه وتزداد قوته فيشعر باثر النجاح والتقدم شعورا يدفعه الى تعديل سلوكه مسترشدا بما افاد من خبرة وما كسب من علم ... فكل تربية صحيحة هي تربية النفس بالنفس ، هي تربية استقلالية تقوم على جهود الطفل ونشاطه الذاتي .
ومن زاوية اخرى يمكن ان نقول : إن التربية عبارة عن عملية تغيير او تكييف ونمو مستمر فى الفرد ، وانها تعمل دائما على ايجاد التوازن بينه وبين البيئة التي يعيش فيها . فهي اذن تغير يقوم بالفرد يعده لمكانه في المجتمع في كل لحظة من لحظات حياته . ومن هذا نفهم معنى ما يقال من ان للتربية وظيفتين او غرضين : وظيفة فردية ووظيفة اجتماعية . فالفردية هي مساعدة الفرد لينمو نموا صحيحا كاملا بحسب قواه الطبيعية ، والاجتماعية هي جعل هذا النمو بحيث يجعل الفرد عضوا صالحا في المجتمع الذي يعيش فيه .
والخلاصة ان التربية عملية ترقي قوى النفس والجسم ترقية طبيعية متزنة من الداخل بحسب ما فيها من قوانين ومدى ما فيها من استعدادات وقدرات وتجعل صاحب تلك النفس منسجما فى مجتمعه السري غير ثائر عليه .
ويمكن ان نزيد شيئا آخر في هذا المقام : يقول جون ستيوارت ميل : " ان عملية التربية لا تشمل فقط كل ما نعلمه لانفسنا او ما يعلمه الآخرون بقصد تنشئتنا وتقريبا من درجة الكمال بقدر المستطاع ولكنها فوق ذلك تشمل الآثار غير المباشرة التي تؤثر في اخلاقنا وطباعنا ومواهبنا الانسانية ، مثل القانون
ونظام الحكومة والفنون الصناعية والنظم الاجتماعية بل انها تشمل ايضا آثار البيئة الطبيعية التي لا تتوقف على الارادة البشرية من عوامل الجو والتربة والموقع الجغرافي ، فكل ما يساعد على صقل الفرد واخراجه بالشكل الذي ينتهي اليه جزء من التربية . "
وهذا القول يذكرنا باهمية النظام الديموقراطي سواء أكان في السياسة او في الاجتماع او في الاقتصاد او في التربية او في غيرها من العوامل المؤثرة في حياة بني الانسان .
التعليم :
اما عن التعليم فهو ينحصر عادة في جهود المدرس في توصيل المعلومات الى اذهان التلاميذ وتلقينهم اياها . فالمدرس هو الذي يعمل اما التلميذ فينصت ويتلقى ما يلقى اليه . ففي حين ان التربية تحمل التلميذ على العمل والتفكير بنفسه في ادراك ما خفى عليه ، يعمل التعليم على تزويد التلميذ مباشرة بمعلومات شتى ومهارة معينة . ومهما تكن قيمة التعليم مباشرة فقد دلت التجارب والخبرة على ان ما يكسبه المتعلم بمجهوده ونشاطه يكون ادوم وارسخ كما يكون اوضح واصح مما يلقنه تلقينا ومن ذلك يمكن الجزم بان الجزء الأكبر من جهود المعلم واوقات التلاميذ في مدارسنا الحالية ضائعة سدى لا تثمر فائدة تتناسب معها .
واذا كان التعليم في جوهر هو مجرد نقل المعرفة من المعلم الى المتعلم فان تلك المعرفة نفسها لا تؤثر في حياة الفرد الا اذا كانت حية ستفيد منها في سلوكه ، والظاهر ان الامر ليس كذلك في المعرفة التي يحصلها تلاميذنا في المدارس الآن اذ ان هم المدرس هو اتمام المقررات باي صورة ، وهم التلاميذ حفظ هذه المقررات بفهمها في بعض الاحيان وبغير فهم في كثير من الاحيان ثم النجاح في الامتحان !!! ولكن التجارب وتتبع حياة التلاميذ بعد خروجهم من المدرسة اثبتت ان التفوق في الامتحان ليس ضمانا كافيا للنجاح في الحياة العملية ، لان مجرد المعرفة لا تكفي وكثير من البارزين في مدارسنا التقليدية فشلوا في ميدان العمل لنقص فى تربيتهم !!
فلا غرابة ادن ان نرى التربية الحدثة تقلل من شان المعرفة الميتة التي تاتي عن طريق التعليم .
واذا اردنا ان نرد الى التعليم في بلادنا بعض اعتباره ينبغي ان نوجهة بحيث يعنى بعقلية الطفل وميوله ونشاطه وشوقه ويستفيد منها جميعا في جعله ايجابيا فعالا
متعلما لا مستقبلا فقط وبحيث يساهم في إنماء القوى والمواهب وتهذيب الوجدان وتكوين العادات الصالحة والعواطف الطيبة .
مقارنة :
نلاحظ مما تقدم ان موقف التلميذ في التربية " ايجابي " اما موقفه في التعليم " فسلبي " الى حد كبير ، فالتعليم يزود العقل بالمعلومات المختلفة التي كثيرا ما تكون غير واضحة للتلاميذ ، اما التربية فتوجه عنايتها الى ترقية ميول الطفل واستعداداته المتنوعة وتزوده بالقدرة على حسن التصرف في الاشياء والمواقف التي تصادفة . فالتلميذ في التربية بحاول ان يكشف وينقب اما في التعليم فالمدرس هو الذي يبحث وينقب ويقدم نتائج بحثه جاهزة للتلميذ ؛ والتعليم يجعل المدرس يحشو عقول التلاميذ بالمعلومات " من الخارج " اما التربية فتفتح قوى التلاميذ المختلفة " من الداخل " وتعمل على إكسابهم الخبرة تحفزهم اليها ميولهم وتدفعهم اليها استعداداتهم .
وان كان من الحق ان نلاحظ ان التعليم على هذا الشكل الضيق هو التعليم القاصر الذي يعنى بناحية واحدة من الانسان وهي الناحية الذهنية ، اما التعليم الصحيح فهو الذي يلاحظ فيه المدرس ان يكون تعليما يستثير في نفس المتعلم الشوق والميل الى الاستزادة من العلم ومن العمل ومن الاهتمام بهما ، وبحثه كذلك على التفكير فيما يزود به من المعلومات النافعة له في حياته ، فينمو العقل ويترقى في وقت واحد ... ومع ذلك فان هذا التعليم الصحيح ذاته لا يعدو ان يكون وسيلة من وسائل التربية العقلية ؛ ولكن التربية ليست مقصورة على العناية بالناحية العقلية وحدها ، وليست المعرفة هي كل شئ او اهم شيء في التربية بل انها لتعد الآن امرا ثانويا بالاضافة الى ترقية نواحي النفس الاخرى من وجدان وارادة وخلق وحسن سلوك مع الناس في وسط مجتمع منظم اخذ في الرقي الموصول . والتربية دائما ترمي الى غرض سام وغايات اخلاقية واجتماعية والتعليم لا يهتم الا بتعريف الانسان شيئا خاصا ويدربه عليه كإعداده لمهنة او حرفة او امتحان !. . على حين ان التربية تعده للحياة نفسها قبل ان تعده لمهنة يكسب منها رزقه ، فهي توقظ فيه الصفات وتكون فيه الميول التي تمكنه من ان يعيش في المجتمع مع غيره بسلام متمتعا بحياة حافلة طيبة مؤديا بنجاح كل ما يتطلبه منه
لحق والواجب والوطن ؛ فهي تعمل على ان تخلق انسانا يتمتع بانسانيته قبل ان تجعله آلة للكسب والانتاج .
خلاصة :
وفي ختام هذا المقال يمكن ان نلخص فكرتنا عن التربية والتعليم فنقول : ان التربية ذات معنى واسع شامل لكل نهوض وترقية ايجابية تقوم بقوى الفرد بل تنصب على قوى الطفل تدربها وتوجهها الوجهة الصالحة حتى يكتسب عادات عقلية وجسمية نافعة له كعضو في المجتمع ، وحتى يكتسب مهارة يتمكن بها من تكييف سلوكه بسبب الظروف المختلفة ؛ ثم هي تنصب على وجداناته وذوقه فتكون منها عواطف تلتف حول الحق والعدل والجمال .
اما التعليم فيقصد به نقل المعلومات من المعلم الى المتعلم ، المعلم الايجابي الى المتعلم المتلقي الذي ليس له الا ان يتقبل ما يلقيه المعلم ، فهو بهذا المعنى عامل جزئي ومحدود جدا بالنسبة للتربية اذ هو مقصور على المعرفة التي يقدمها المدرس فيحصلها التلميذ ، وليست المعرفة دائما قوة - كما سبق ان ذكرنا - وانما هي قوة في بعض حالاتها فقط ( اذا استخدمت فعلا واستفاد منها الفرد في حياته وسلوكه . ) وبعد اذا خيرنا - في عهدنا الجديد - بين التربية الحديثة وبين التعليم التقليدي فماذا عسانا نختار ؟؟؟

