الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

تربية ديمقراطية في مجتمع ديمقراطي ...

Share

كلما تأمل احدنا في الاوضاع التي عليها مدارسنا ، وكلما أطال التفكير في برامج هذه المدارس الا ألح عليه سؤال خطير ينتهي بعلامة استفهام كبيرة ساخرة الى أين . في اي اتجاه نسير ؟ ...

وأغلب الظن اننا كثيرا ما حاولنا الاجابة عن هذا السؤال ، بل اقوى اليقين اننا اجبنا عليه فعلا ، ولكن جوابا يدعو الى الاشفاق والرثاء ، جوابا نخجل من إفشاء سره ونفضل ان نحتفظ به فى اعماق اعماقنا ...

ان ذلك الجواب لا سبيل الى قراءته ولا سبيل الى سماعه ، انه جواب كان دائما وما زال يتمثل في " حيرة شديدة " .

نعم ، لقد طالما تساءلنا وما زلنا نتساءل عن وظيفة المدرسة في المجتمع ، وخاصة في هذه الفترة الدقيقة التي نمر بها والتي تصطرع فيها تيارات كثيرة ظاهرة وباطنة ضارة ونافعة ... وهذه التيارات المختلفة لم تقتصر على عقول فئة معينه من الناس او فريق خاص من المفكرين ولكنها محيرة لالباب الناس جميعا ...

ويجب الا تكون هذه الحبرة مصدر قلق ، لان الحيرة في ذاتها تعتبر نقطة وبداية طيبة اذا احسنا استغلالها ووقفنا عندها وقفة فاحص بعين لاقطة واذن واعية ؛ فمثل هذه الحبرة المشتعلة تساعدنا على تحديد وظيفة المدرسة في المجتمع . ولكن يجب الا تطول حيرتنا في الوقت الذي تتسع فيه الهوة وتزداد عمقا كل يوم بين وحدات المجتمع المختلفة وبين كل وحدة في ذاتها من جانب ثم بين قيمنا النظرية وسلوكنا الفعلي من جانب آخر .

يحسن ان نبدأ حيث يجب ان نبدأ ، ويحسن ان نحدد نقطة البداية فتحديدنا - في تغيير الاتجاه - أمر ضروري وهو في الواقع ما يعيننا حينما نفرض الفروض لوظيفة المدرسة في المجتمع .

ولكن اي مجتمع نعني ؟ أدلك الذي يكون فيه الفرد وسيلة لغاية ام ذلك الذي يكون فيه الفرد غاية في ذاته ؟ ..

لقد كنا الى عهد قريب سائرين في اتجاه مرسوم ... رسمه السادة لعبيدهم ، رسمه المستعمر للمستعمر ، اما اليوم وقد حطمنا الاغلال واسترجعنا سيادتنا , وتخلصنا او نحن في سبيل التخلص من مستعمرينا يجب ان نغير ذلك الاتجاه البغيض : اتجاه العهد البائد . ونظام التربية والتعليم في اي زمان ومكان عامل هام من عوامل تغيير الاتجاه في المجتمع او بقاء المجتمع في حالة ركود .

واذا كان ساستنا وقادتنا قد اختاروا لنا في حياتنا السياسية والاجتماعية الاتجاه الديمقراطي فأجدر بالمسؤولين عن حظوظ التربية في بلادنا ان يختاروا نفس الاتجاه . فكلنا نبغي ، بل كلنا اتخذنا شعارنا " حرية الفرد في مجتمع صحي "

والتربية الديمقراطية تهدف إلى ذلك ! ...

ولن تستحق مدرسة ان تسمى ديمقراطية ما لم توفر لطلابها ومعلميها كل سبق للمشاركة والشورى بحيث يتدريون عملا - منذ يصبحون افراد ادا في اسرة التعليم - على التفكير الحر المستقل المتحرر من الضغوط ، ثم على سلامة التقدير ، وبذلك تقوم المدرسة بأولى واهم وظائفها الرئيسية في المجتمع : وهي جعل التفكير والرشد مادة حياة الطالب والمعلم في كل مراحل حياتهم ، وبذلك ايضا تحمي المدرسة المجتمع بطريقة مباشرة ، وتقوم بدور ايجابي في تحريره من العبودية التي تجعل الفرد وسيلة لغاية يجهلها او يعلمها . وعندئذ يصبح التعليم مادة الحياة لانه مستمد من الحياة نفسها ومن قوانين الحياة ذاتها ، ويصبح دورة مكتملة دائمة من النمو ، لا تخضع لاي قانون الا لقانون النمو ذاته !

ونحن اذا تأملنا في واقعنا رأينا كثيرا من القيم والاتجاهات في حياتنا اليوم نجذب الفرد يمينا ويسارا ، وكثيرا من الفلسفات تصطرع اليوم على نطاق عملي اجتماعي في حياة الناس ... ولن يتمكن نظام تربية معين من ان يقف مكتوف الايدي في هذا الصراع ، حتى لو اراد ، لان ذلك باطل علما وعملا ، فمن المسلم به أن كل نظام تعليم وتربية يسير طبقا لاتجاهات معينة وقيم دافعة تدخل في تكوين هذه الاتجاهات وتعميمها .

والاتجاه المتحرك منه او الساكن ، القابض منه او الباسط ، المدفوع إلى الامام او الى الوراء ، الميامن او المياسر ، الخافض او الرافع ليس إلا انعكاسا لعلاقة الفرد بالمجتمع والتزامات المجتمع نحو افراده ، وقد بدأت هذه العلاقة في الوجود حتى قبل وجود نظم التعليم بأوضاعها المعروفة اليوم ... ولما تحددت للمدرسة وظيفة

معينة في المجتمع تغيرت هذه الوظيفة وتنوعت او ثبتت طبقا لنوع المجتمع الذي يريده المسؤولون عن نظام التربية .

والحقيقة ان وظيفة المدرسة في المجتمع لم تصبح مثار اهتمام خاص وبحث وتساؤل الا بعد ان ثبتت العلاقة بين نوع الحياة المدرسية التي يحياها الفرد بموادها وضغوطها وطقوسها ونظمها ونوع الفرد الذي تخرجه المدرسة ، وقد كان للدراسات التي اجريت في تأثير البيئة والمحيط في الفرد أكبر شأن في العمل على تغيير وظيفة المدرسة في المجتمع طبقا لمواصفات المجتمع الذي ينشده من يملكون التاثير على حياة الملايين من الناس سواء بالقانون او بالعرف او بهما معا او بغيرهما من الوسائل ...

واذا كان ساستنا وقادتنا قد اختاروا لنا السبيل الديمقراطي ، كما سبق ان اشرنا ، فجدير بنا نحن المربين ان نختار نفس السبيل في وظيفتنا التربوية الخطيرة ، وان نعتبر من الآن الفرد غاية في ذاته في جميع اعمالنا : في وضع المناهج وتسطير البرامج والقيام برعاية هذه المناهج وتنفيذ هذه البرامج في الفصول والمدارس .

ومن الحق ان نلاحظ ان فلسفة " الفرد كغاية في ذاته " ليست جديدة على اذهان المربين ، ولكن الجديد في المسألة هو الوسائل العلمية الكفيلة يجعل هذه النظرية مطبقة فعلا في نظمنا التربوية وفي مدارسنا باعتبار ان المدرسة لها وظيفة معينة في المجتمع بل باعتبارها ذات وظيفة اولية في توجيه حياة الاسرة ثم في جعل القيم الروحية متكاملة في كل نواحي الحياة ذاتها .

وهنا ، يجب ان نحدد ماذا نعني بالقيم الروحية حتى نأمن اللبس ، فالقيم الروحية - في نظرنا - ليست معناها التجرد او العزوف من الدنيا ، بل بالعكس ، القيم الروحية لا معنى لها الا اذا اقترنت بادق فهم لوظيفة الفرد في الحياة كغاية في ذاته ، عليه ان يكون سعيدا في هذه الحياة كواجب اساسي من صميم انسانيته . وكل ما يناقض هذه السعادة في صحة العقل او النفس او الجسم يناقض كل قيمة روحية ، فالوظيفة الاولى للقيم الروحية سواء أكانت مستمدة من الدين أمر من العلم او من كليهما ام من غيرهما هي سعادة الفرد حالا ومباشرة ، ومعنى ذلك ان يتم رشاد المجتمع كله على يد المدرسة .

والرشد هنا وحدة لا تتجزأ ، فلن يرشد مجتمع في السياسة وهو يرصف في اغلال نظم اقتصادية تجعل معظم افراده وسائل لغايات او تجعل جزءا منه من خوف الفقر في فقر او تجعل قسما آخر يبيت ببطنه وحوله اكباد تحن الى القدر ... ولن يرشد مجتمع من الناحية الخلقية وهو قلق الكيان من الناحية السياسية ... ولن يرشد مجتمع من الناحية الفكرية البحث بينما يحرم افراده من الصحة النفسية او الجسمية ... وبعبارة مختصرة : لن يرشد افراد في مجتمع غير راشد .

ولن تقوم المدرسة بوظيفتها كما يجب اذا لم تكن عاملا فعالا في تغيير اساس المجتمع ذاته وتعديله بحيث يتم الرشد من طريقين في آن واحد ، والتربية الديمقراطبة في معناها الوسيع وجوهرها الاصيل تلتزم هذه الوظيفة بالذات : ترشيد المجتمع ذاته ليتم رشد الفرد وتكامله .

وختاما نقول ان وظيفة المدرسة في مجتمع كفل لافراده حرية القول والفكر والعمل تختلف عن وظيفة المدرسة في مجتمع يجاهد لتحقيق هذه الحريات ...

وظيفة المدرسة في مجتمع ينظر لافراده كوسائل لغايات او كرعايا لسادة تختلف عن وظيفة المدرسة في مجتمع ينظر الى افراده كغايات في ذاتهم او مواطنين متعاونين متفاهمين متشاركين متشاورين ...

وظيفة المدرسة في بلاد رسفت في اغلال الاستعمار حينا من الدهر طال او قصر وتريد ان تستيقظ من رقدة العدم تختلف عن وظيفة المدرسة في بلاد لم تستيقظ بعد من سباتها او هي ما زالت تتثاءب ...

وظيفة المدرسة في أمة تتطلع الى مكان كريم تحت الشمس تقف فيه عزيزة في ركب الحضارة تختلف عن وظيفة المدرسة في امة موزعة الوجدان بين الحرية والعبودية . . .

وظيفة المدرسة في مجتمع متفاعل متكامل ، كالبنيان يشد بعضه بعضا تختلف عن وظيفة المدرسة في مجتمع يضغط بعضه بعضا من اعلياء وادنياء ...

وادن فوظيفة المدرسة في اي زمان او مكان تستمد كيانها من نوع المجتمع الذي تعيش فيه ومن أجله . ولن يتغير مجتمع في اتجاه معين - مثل الاتجاه الديمقراطي الذي ننشده - الا إذا قامت المدرسة - المدرسة الديمقراطية التي ننشدها بنصيبها الايجابي في هذا التغيير ، لان التغيير هو اولا وقبل كل شئ تغير في النفس " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

اشترك في نشرتنا البريدية