الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

تربية وتعليم،

Share

التعليم يمكن النظر فيه والاشتغال به من حيث هو صناعه أو فن يرجى منه تزويد الطفل بجملة من المعلومات وتيسير العلوم والمعارف على ذهنه وتقريبها من عقله وتحبيبها الى نفسه مما يشير مسألة المناهج والتعرف الى ايها انجع وابسط وألصق بطبيعة الطفل وكل ذلك تجده مفصلا مستقصى فى كتب فن التعليم وأساليب التربية .

والتعليم يمكن التفكير في شانه باعتباره واسطة لمعرفة العالم وكشف اسراره والسيطرة عليه وتسخيره لفائدة البشر ، فهو من هذه الناحية سبيل الى ان يتجاوز الافراد والجماعات منزلتهم ويغيروا ما بهم . هو سبيل الى ذلك كلة ولكن الامم اختلفت فى تصورها له وتباينت فى تخطيطها إياه . فجهاز التعليم وتنظيم البرامج ووضع المواد وتوزيعها وصورة تنسيقها فى البلاد الجرمانية مثلا يختلف عنها فى البلاد اللاتينية . ومن الامم من طبعت تعليمها بطابع " الانسانيات " فعظم حظ اللغات القديمة فى برامج مدارسها وتضاعف الاعتماد على الذاكرة ومنها من ادخلت تحويرا جوهريا على التعليم القديم فنقصت من العلوم النظرية وزادت فى الدروس التطبيقية بحيث يستطيع المتعلم ان يعلم وأن يستغل علمه .

ونحن فى تونس قد ورثنا تعليما قديما فى اصنافه اعترف الجميع اليوم بوجوب تحويره وتبديله وتلقيحه . فأى السبل نسلك واى الاساليب تتبع ؟ ...

والتعليم يمكن البحث فى امره ايضا باعتباره مشكلة قومية او بشرية فهو بهذه الصورة حق لجميع المواطنين واجب الحكومات والمنظمات القومية والدولية ان توفره للجميع حتى تشع الشمس على الجميع . لذا نفكر اليوم جميعا في تعميم التعليم وفى رفع الامية وفى التربية الاساسية ونفكر أيضا فى كيفية تذليل ما قد ينجم من مصاعب فى طريق تحقيق تلك الاغراض الحيوية بالنسبة للافراد والجماعات . التعليم كل ذلك وغير ذلك ومن الضروري أن تعالج جميع جوانبه وأن

نبحث عن حلول تلك المسائل الشائكة التى تعترض طريقنا اليوم ونحن فى مفترق الطرق نريد ان نبنى قواعد حياتنا الفكرية على أسس ثابتة .

غرضنا فى هذا المقال آن نبين ان التفكير فى تلك المشاكل والتوفق الى حلها وان كان ضروريا فهو غير كاف . فقد نعرف طريقة التعليم المثلى وقد نهتدي الى البرامج المثالية وقد تتحقق المعجزة الكبرى فيعم التعليم وترفع الامية فى وقت قصير ... قد يكون كل ذلك وتبقى أم المشاكل ونقطة الاستفهام الكبرى ؟؟ ..

ذلك ان التعليم وسيلة لا غاية . هو وسيلة لتكوين المواطن اولا والانسان ثانيا فالطفل يولد على الفطرة والمجتمع يكونه وينمى ملكاته ويصقل عقله ويهذب ذوقه ويرهف احساسه وانما يفعل ذلك بواسطة المدرسة . المعلم لا يروم تزويد الطفل بالمعلومات ولا يسعى الى تلك " الخزائن المتنقلة " وانما هو يستخدم الحساب وتفسير النصوص والتاريخ ... ليكون الطفل عقليا وشعوريا ويعده لمجابهة الحياة ...

والتعليم وسيلة ايضا تهيئ الطفل ليتفاعل مع مجتمعه تاثرا وتأثيرا وتنفخ فيه روحا وتغرس فى قلبه مثلا عليا تنير حياته وتكسب اقواله واعماله معنى . فنظرة الانسان للدنيا وموقفه ازاء الحياة ازاء الوجود ازاء القضاء على الموت والغيب كل ذلك ثمرة المدرسة بل ان ثورة الشباب على المدرسة وعلى ما تغذى به فى المنزل والشارع والفصل ما كانت لتكون لو لم يتكون عقليا ولو لم يتهيأ بالتربية الى ذلك .

التعليم وسيلة اذن بها نربي الطفل ونخلق الانسان . كيف يجب ان نربيه ؟ ما هى القيم العليا التى نريد ان نغرسها فيه ونحمله على التعلق بها والسير على هداها ؟ ما هى فلسفة التعليم او ما هى روح التربية ؟؟ ذلك هو المشكل الذى يفرض علينا اليوم نفسه ويلح إلحاحا .

والحقيقة ان من استقرأ مذاهب التربية على ممر الاجيال وفي كافة الاصقاع يلاحظ ان التربية فى اى مجتمع انما هى مرآة تنعكس عليها فلسفة القوم واخلاقهم ونظرتهم الى الحياة .

وليس للتيقن من ذلك كالنظر فى ما يطرأ على برامج التعليم من تغييرات

جوهرية حالما يتغير النظام السياسى فى دولة من الدول او تنشب ثورة مذهبية كالتي نشت فى روسيا سنة ١٩١٧ او فى الصين او فى الهند الصينية الشمالية فى هذه السنين ؟ بل انظر الى البرامج فى المدارس الالمانية في عهدها الفاشيستى تحت زعامة " هتلر " وانظر اليها اليوم وتأمل ايضا فى روح التعليم باثينا الديمقراطية اربعة قرون قبل المسيح وقارن بينها وبين روح التعليم بجارتها "سبارتا " العسكرية النظام ! وفى ايامنا هذه نشاهد المربين وذوى الاختصاص بروسيا ينكبون على برامج التعليم ومواده مراجعة وتحويرا وحذفا وزيادة . . ذلك انه حدث تغيير في الاتجاه المذهبى الماركسى بعد وفاة " ستالين " فوجب ان يتغذى الشباب الروسى بروح المذهب الجديد .

ونحن اليوم بتونس نحيا ثورة تختلف عمقا باختلاف الميادين ونمر بفترة تحول تضاءلت فيها قيم وبانت اخرى فى الافق . ونحن لا نزال نبحث عن انفسنا من الوجهة المذهبية ولا نزال نتعرف الى حقيقة جوهرنا وسر طابعنا .

فمن الواجب إذن ان تتسع نظرتنا الى ابعد من برامج تحور او لا تحور ومن طرق تربوية تناسب او لا تناسب ومن تعميم تعليم يمكن او لا يمكن وإن أمكن فهو لا يحل المشكلة الا من حيث الكم لا الكيف . . ويجب ان تتسع نظرتنا الى ابعد من ذلك وان نفكر جديا فى مصيرنا كامة وفى فلسفتنا كبشر حتى لا نتلعثم وحتى لا نتفسخ فى غيرنا فنكون آلة او نقلد غيرنا فنكون على الغير عالة .

ان التربية إنما نطلب اليها ان تنشئ جيلا يكون صورة للامة التى نريد فما هى مقومات الامة التونسية وما هى مشخصاتها ؟؟

ذلك ما يحسن بمفكري هذه البلاد العطف عليه ومن واجب وزارة المعارف التى هى عين الامة على التعليم ان تقرأ لهذا الامر حسابه وان تسهر على التعليم وعلى مواده وبرامجه واتجاهه بحيث لا يبنى عقولا فحسب بل يكون المواطن الصالح والانسان الصالح ايضا ،

أما كيف يكون ذلك فهذا من وظيفة الاخصائيين واهل الصناعة .

اشترك في نشرتنا البريدية